هل يجوز الذهاب لوليمة عرس سبقتها منكرات وآثام؟

السؤال

تقام في بلدنا حفلات الزفاف بحيث يكون فيها معازف، وغناء، وألعاب نارية، حتى وقت متأخر من الليل، وفي اليوم التالي تقام وليمة عرس، نحن نقاطع الحفلة التي فيها المنكرات، ولكن اختلفنا بشأن الذهاب إلى الوليمة، بعضنا يقول: إن الذهاب إلى الوليمة يكون تأييداً لهم على منكرهم، والبعض يقول: إن المنكر انتهى، والوليمة ليس فيها منكرات، لذا يجب إجابة الدعوة، هل يجوز الذهاب إلى وليمة من أقام المنكرات مع العلم أن الوليمة لا يصاحبها معازف؟.

الجواب

الحمد لله

رجحنا في جواب سابق وجوب إجابة الدعوة، وذكرنا الشروط التي يجب تحققها لثبوت الوجوب، ومن تلك الشروط:

” ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر، وهو يستطيع إزالته: وجب عليه الحضور لسببين: إجابة الدعوة، وتغيير المنكر، وإن كان لا يمكنه إزالته: حرم عليه الحضور “. انتهى.

وهذا الشرط المذكور في الجواب هو في حال كون المنكر موجودًا وقت الوليمة، وهذا مما لا ينبغي أن يُختلف فيه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

إذا دعي إلى وليمة فيها معصية، كالخمر، والزمر، والعود، ونحوه، وأمكنه الإنكار، وإزالة المنكر: لزمه الحضور، والإنكار.

وإن لم يقدر على الإنكار: لم يحضر، وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر: أزاله، فإن لم يقدر: انصرف.” المغني ” ( 7 / 279 ).

وأما الوارد في السؤال فهو فيما لو كانت المنكرات قد سبقت الوليمة بيوم أو يومين، كما هو الحال في الأعراس في بعض الدول، حيث يحتفل النساء في ليلة، ثم الرجال والنساء في الليلة التي تليها، ثم تكون الوليمة في اليوم الثالث، وغالبًا ما تكون بعد صلاة الجمعة، والذي نراه في هذه الحال أنه لا يجوز لأحدٍ أن يحضر تلمك الوليمة إن كان قد سبقتها منكرات وآثام، والعرس وحدة واحدة، والوليمة جزء منه، وينبغي النظر إليه بهذا الاعتبار، وثمة اعتبار آخر، وهو أن حضور المسلم للطعام فيه إقرار لهم بما فعلوه قبلها من منكرات، والأصل أن مثل هؤلاء يهجرون لفعلهم المنكر، فكيف لأحد أن يشاركهم طعامهم بعد أن عصوا ربهم وجاهروا بذلك على يومين أو أكثر؟!.

نعم، يوجد من يقول بأنه ليس ثمة منكر وقت الوليمة، وأنه لا يشاهِد، ولا يَسمع شيئًا من المنكرات أثناء تناول الوليمة، لكن لا ينبغي أن نغض الطرف عن فعل أصحاب العرس في لياليهم التي عصوا فيها الرب تعالى، وهو متوعدون بالعقوبة عليها، والمسلم يجب أن يكون له موقف من تلك المنكرات، وأهلها، وإن ذهابه لتناول الطعام ليزري به؛ حيث يقول أهل تلك الأعراس: ” إن من أنكر علينا معاصينا سيشاركنا في الطعام! وسيحضر في فقرة العرس الأخيرة!”، وهذا ما يُقال من قبل أولئك العصاة، مع تندر، واستهزاء بأهل الفضل والخير، وأنهم أهل طعام!.

مع تساهلهم في حضور الوليمة إن كان المنكر في المنزل، غير مشاهد، ولا مسموع، لكنهم أبوا أن يكون أهل الدِّين من الحاضرين لتلك الوليمة.

ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 45 / 240 ):

وأما الحنفية: فقد صرحوا بأنه لو كان المنكر في المنزل: فإنْ قدِر المدعو على المنع: فعل، وإلا صبر، مع الإنكار بقلبه، هذا إن لم يكن مقتدى به، فإن كان مقتدى به، ولم يقدر على المنع: فإنه يخرج، ولا يقعد؛ لأن فيه شينَ الدِّين. انتهى.

* سئل الشيخ محمد بن عبد العزيز المسند – حفظه الله -:

أحيانًا أدعى إلى وليمة بعدها تقام بدعة، مثل ضرب الدفوف، أو سهرة غناء أناشيد، وهذا بعد الوليمة بكثير، فهل يحوز تلبية مثل هذا؟.

فأجاب:

لا يجوز تلبية مثل هذه الولائم، إلا لمن في حضوره إزالة لهذا المنكر، أو تخفيف له، أمّا الاكتفاء بالحضور دون إنكار: فهو نوع من الإقرار، لكن ينبغي أن يكون الإنكار بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فلا يصل إلى درجة العراك، أو الشتائم، والسباب. ” الأسئلة الجزائرية ” ( السؤال رقم: 26، رقم الفتوى: 24563 ).

 * وسئل الشيخ الجبرين – رحمه الله -:

دُعيت لحفلة زواج لأحد أقاربي وجيراني، وكانت الحفلة يومان، اليوم الأول فيه طرب وغناء، وفيه من آلات الموسيقى ما فيه كالعود، والقانون وغيرها، أما الليلة الثانية ففيها حضور المدعوين للعشاء فقط.

فهل أحضر الحفلة لليلة الثانية بأن أقوم بالواجب؛ لما فيه من صلة الرحم، وحقوق الجار، وإذا سمعت الغناء رجعت، أم لا أذهب لهذه الحفلة كليًّا لأن فيها معصية الله ومعصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما هو الرد حفظكم الله على من يحيي حفلة زفافه بالطرب والغناء، وعلى من يذهب إليهم من المدعوين للقيام بأداء الواجب، وهل يأثم من لا يذهب لهذه الحفلة؟.

فأجاب:

إذا حضرت في اليوم الأول فعليك النصح والتغيير، والنهي عن هذا الغناء والطرب ونحوه، فإن انتهوا أو خففوا من المنكر خرج عنهم، أما في اليوم الثاني فلا حرج في حضورك، حيث لا محذور ولا محرم، ولما فيه من الصلة، وإجابة الدعوة، وأداء حق القريب والجار، فمن ذهب إليهم وأقرهم على المنكر فهو آثم، ومن ذهب وغيّر المنكر فهو مثاب، ومن عجز وهرب فهو سالم من الإثم، ومن ذهب وخفف المنكر فله أجر.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة