يقول: لا حاجة للقيام بطاعات لها أجور؛ فإنني سأطلبها من الله في الجنة دون فعلها!!.
السؤال
كان في الجنَّة يحصل المرء كل أمنيته، وكل ما يريد، فإذًا: ما الفائدة بأن يذكر العبد الأذكار التي يحصل بها العبد بيتًا في الجنة، كقراءة سورة الإخلاص عدة مرات، وغير ذلك, فمن الممكن أن يطلب من الله سبحانه أن يكون له آلاف البيوت في الجنَّة؟.
الجواب
الحمد لله
مقدمة السؤال خطأ، وما بعده بُني عليه، وما بُني على خطأ فهو خطأ، فليس كل ما يتمناه المرء في الجنَّة يدركه بالمعنى الذي فهمه الأخ السائل، وإلا لضاع التنافس على درجات الجنة، ولفقدت أهمية الحث على الأعمال، ولاستوى النبي صلى الله عليه وسلم والصدِّيقون والشهداء والصالحون مع غيرهم ممن هم أدنى منهم منزلة وأعمالًا.
وأما المعنى الصحيح لتلك العبارة فهو: أن كل ما يتمناه المرء في الجنة يحصِّله مما أعدَّه الله تعالى له، ومما هو في درجته هناك، وليست المسألة على إطلاقها، وإلا فإن جميع من في الجنة يتمنون ” الفردوس الأعلى “، فهل يحصلها كل من تمناها؟! الجواب: قطعاً بالنفي.
وما أعدَّه الله تعالى للسابقين ليس هو كمثل ما أعدَّه لمن دونهم، ويدل على ذلك وصف تلك الجنان في كتاب الله تعالى، وقد نصَّ الله تعالى على ذلك بقوله – في سياق آخر -: ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتان ) [ الرحمن / الآية 62 ]، وهو نص في تفاضل الجنان، وهذا يشمل: الأبنية، والثمار، والحور، وغير ذلك، فثمة جنان عالية فيها من المنعَم به وصفاته ما ليس في غيرها مما هو دونها.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
ولمَّا وصف الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما:
- فقال في الأوليين: ( فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ )، وفي الأخريين: ( فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ) أي: فوارتان، ولكنهما ليستا كالجاريين؛ لأن النضخ دون الجري.
- وقال في الأوليين: ( فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ) فعمَّ، ولم يخص، وفي الأخريين: ( فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ )، ولم يقل كل فاكهة.
- وقال في الأوليين: ( مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ) وهو الديباج، وفي الأخريين: ( مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ )، والعبقري: الوشي، ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف كسر الخباء، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء.
- وقال في الأوليين في صفة الحور: ( كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ )، وفي الأخريين: ( فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ )، وليس كل حسَن كحُسن الياقوت والمرجان.
- وقال في الأوليين: ( ذَوَاتَا أَفْنَانٍ )، وفي الأخريين: ( مُدْهَامَّتَانِ ) أي: خضراوان، كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، ووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها.
وفي هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدنا بقوله: ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ )، ولعل ما لم يُذكر من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر. ” تفسير القرطبي ” ( 17 / 183 ، 184 ).
وما تفاضل الجنان في الآخرة إلا بسبب تفاضل أهلها في الأعمال في الدنيا، قال الله تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) [ الإسراء / الآية 21 ]، وقال تعالى: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) [الأحقاف / الآية 19 ]، وقال تعالى:( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) [الأنعام/الآية 132 ]، وقال تعالى: ( وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ) [ طه / الآية 75 ].
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) في الدنيا، فمنهم الغني، والفقير، وبين ذلك، والحسن، والقبيح، وبين ذلك، ومن يموت صغيرًا، ومن يعمَّر حتى يبقى شيخًا كبيرًا، وبين ذلك.
( وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ ً ) أي: ولَتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا؛ فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم، وسلاسلها، وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العُلَى، ونعيمها، وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن ( الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض )، وفي الصحيحين: ( إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء )؛ ولهذا قال تعالى: ( وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ). ” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 63 ).
* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
( وَلِكُلٍّ ) منهم ( دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) بحسب أعمالهم، لا يُجعل قليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرءوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب، والجنة وإن اشتركوا في الربح، والفلاح، ودخول الجنة: فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم قد رضوا بما آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم.
فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى، التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفيْن من خلقه، وأهل الصفوة من أهل وداده.
” تفسير السعدي ” ( ص 274 ).
* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
هل الجنة على منزلة واحدة أم أنها متفاوتة في الكرامة والمنازل؟.
فأجاب:
الجنة ليست سواءً، وإنما هي بحسب الأعمال؛ لقول الله تبارك وتعالى: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) [ الأنعام / من الآية 132 ] ؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله “، فالناس متفاوتون في الأعمال، فمِن كمال عدل الله عز وجل أن يتفاوتوا في الثواب، لكن نعيم الجنة على سبيل العموم: كامل من جميع الوجوه ( فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر )، واقرأ ذِكر منازل الجنات في آخر سورة الرحمن حيث قال: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) [ الرحمن / الآية 46 ]، ثم قال بعد ذلك: ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ) [ الرحمن / الآية 62 ].
وهاتان الجنتان الأوليان والأخريان هنّ أيضاً متفاوتات بحسب أعمال الناس، كما أن النار – أعاذنا الله وإياكم منها – دركات، بعضها أسفل من بعض، وأشد عذابًا من بعض، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن أهون الناس عذاباً في النار من هو في ضحضاح من نارٍ وله نعلان يغلي منهما دماغه “.
” لقاءات الباب المفتوح ” ( 60 / جواب السؤال رقم 7 ).
وإذا كان الأمر كذلك: فإنه لا يمكن أن يكون نخيل وبيوت في الجنة لمن جاء بالأذكار والأعمال الموعود عليها بذلك، ويكون مثله لمن لم يفعل، بل تمنى ذلك في الجنة ورغب فيه! ومثل هذا لا يكون أصلاً، ولن يسأله أحد من أهل الجنَّة.
فقد وُعد الذاكرون ربهم تعالى إن هم قالوا: ” سبحان الله ” و” الحمد لله ” و” لا إله إلا الله ” و” الله أكبر ” بغرسٍ في الجنة، ووعد من حافظ على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة ببناء بيت في الجنة، كما وُعد بذلك من بنى لله تعالى مسجداً، فهل من يلقى الله تعالى بهذه الأعمال سيستوي مع من لم يقم بها؟! وما فائدة الحث على تلك الأعمال والطاعات إذن؟! وهذا لا يكون بناء على ما قصَّر فيه المسلم من أعمال، وأما إن شاء الله تعالى له الكرامة والمنزلة العالية: فذلك فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء، ويرفع من يشاء تعالى فضلاً منه ونعمة، وأما في ابتداء الأمر وأصله: فلا يكون للمسلم من جزاء ودرجة ومنزلة في الجنة إلا بحسب أعماله، كما سبق بيانه، وأما ابتداء دخول الجنة: فليست الأعمال ثمنًا لدخول الجنة، بل لا يكون دخولها إلا برحمته تعالى.
وإننا لنرجو من إخواننا أن لا يُشغلوا أنفسهم بهذه الشبهات الضارة بالأعمال، والطاعات، وقد تضر باعتقاد المسلم، والمطلوب من المسلم أن يقوم بما أوجب الله تعالى عليه من أعمال، وأن يكف نفسه عما حرَّم ربه عليه، وأن يزيد في أعمال البر والخير، رجاء أن يثيبه ربه خير ثواب، ويجزل له العطاء يوم يلقاه.
وهذا ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولعلَّ ما سنذكره يلخص ما سبق ويؤكده، ويوضح ما ختمنا به جوابنا ويبينه:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: ( وَمَا ذَاكَ ) قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلاَ نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلاَ نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” أَفَلاَ أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ” قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ” تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ مَرَّةً “، فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ “. رواه البخاري ( 843 ) ومسلم ( 595 ) وزيادة ” فرجع فقراء المهاجرين … ” انفرد بها مسلم، وهي مرسلة، ولكن جاء ما يقويها، انظر ” فتح الباري ” ( 2 / 330 ).
فليس بمجرد التمني يحصِّل المسلم الدرجات العلا في الجنة، ولم يخطر ببال أحد أن يقول: فليأخذ الأغنياء – وهم أهل الدثور – ما يشاؤون فإننا ندعو ربنا أن يضاعف لنا ما أعطاهم إياه في الجنة! بل علموا أن التفاضل في الأعمال يؤدي إلى التفاضل في الجنان.
والله أعلم.


