يظن أخوه أن الاستنساخ هو خلق وإحياء كخلق الله وإحيائه! فكيف يرد عليه؟
السؤال
أرجو من فضيلتكم مساعدتي وتوجيهي، أنا شاب تونسي ، عمري 17 سنة، ملتزم، والحمد لله، أحافظ على صلواتي، نسأل الله الستر، لي أخي يكبرني بعامين لا يصلي، وكان دائما يميل للهو، وبعيد عن الله، كما لديه فكر غربي، لا يأبه بتعاليم الإسلام، يظن نفسه متفتحًا، يعني لا مانع أن يذهب مع البنات، لا يجد حرجًا في قلة أدب سلوكه ، وكنت كثير التخاصم معه خاصة في الأمور الدينية ، حيث أنه جاهل بالدين بطريقة غريبة، يريد أن يردد دائما الشبهات حول الإسلام، في الآونة الأخيرة حلت الكارثة: دخل علينا بفلسفة كافرة، فاسقة، قال: ” إن الله هو الخالق وحده، يخلق الكائنات الحية لأنه يبعث فيها الروح، والآن استطاع العلماء الخلق! وذلك بالاستنساخ، وبما أن الله هو الذي انفرد ببعث الروح: فقد تمكن العلماء من مضاهاته يوم بعثوا الروح عندما خلقوا بالاستنساخ “.
خلاصة القول: هل فعلًا تمكن العلماء من الخلق بالاستنساخ وبعثوا الروح؟ ما الاستنساخ؟ هل هو حقيقة صنع منها البشر كائنات حية؟ نحن نعلم أن الله فقط يبعث الروح، بالله عليكم ردوا عليَّ حتى أستطيع أن أُفهمه ما هو الاستنساخ، حيث إنه يظن أنه خلق للكائنات، وبعث الروح فيها، كما خلق الله الكائنات، كما أنه يلمح من كلامه عدم وجود الله – والعياذ بالله – ولقد كفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لديه صديق يحمل نفس فكره الكافر، أريد نصحه، أجيبونا، يرحمكم الله.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
كنا قد فصلنا القول في ” الاستنساخ ” وبينا حكمه في عدد من الأجوبة وللاستزادة تراجع:
حكم الاستنساخ
http://www.islamqa.com/ar/ref/21582
إضافة الخلق إلى غير الله تعالى
http://www.islamqa.com/ar/ref/20011
وننبه هنا: إلى يجب عليك الاطمئنان بأن اعتقاد المسلم أنه لا خالق إلا الله تعالى هو اعتقاد صحيح، ليس ثمة ما يناقضه، وليس له صور استثنائية، وأنَّه من صنع آلة، أو رسم صورة، أو نحت تمثالًا: فإنه لا يستطيع نفخ الروح فيه؛ لأن الروح من أمر الله، ولا يجعلها أحدٌ في شيء إلا أن يأذن الله تعالى، كما فعل عيسى عليه السلام فيما صنعه من الطين كهيئة الطير، وكما فعله جبريل عليه السلام حين نفخ في درع مريم عليها السلام.
أ. قال تعالى: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) المائدة/ 110.
فالبشر يستطيعون نحت تمثال يشبه في صورته – وليس حقيقته – البشر، ويستطيعون صناعة صورة طير من الطين، أو الجبص – وهو فعل محرَّم – ولكن هل يستطيع أحدٌ أن يحيي هذا الذي صنعه، أو نحته؟! الجواب: يعرفه كل مخلوق على وجه الأرض، وحتى من كان ملحدًا منهم، وهذا هو زعيم الملحدين ” لينين ” قد حنَّطه قومه، ولم يدفنوه – توفي سنة 1924 م – فهل يستطيع ملحدو العالَم كله أن يحيوه بعد أن أماته ربُّه؟! إنهم أعجز من ذلك، فلا يستطيع الواحد منهم منع ذبابة أن تحط على أنفه، ولا بعوضة أن تمص دمًا من صلعته! فأنَّى لهم دفع الأمراض عن أنفسهم، فضلًا عن الهروب من الموت، فضلًا عما هو أعظم من ذلك أن يحيوا الأموات؟!.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان أوجه عبودية المسيح وأنه مخلوق لا خالق -:
الوجه الثاني: أنه خَلق من الطين كهيئة الطير، والمراد به: تصويره بصورة الطير، وهذا الخلق يقدِر عليه عامة الناس، فإنه يمكن أحدهم أن يصوِّر من الطين كهيئة الطير، وغير الطير من الحيوانات، ولكن هذا التصوير محرَّم، بخلاف تصوير المسيح؛ فإن الله أذن له فيه، والمعجزة أنه يَنفخ فيه الروح فيصير طيرًا بإذن الله عز وجل، ليس المعجزة مجرد خلقه من الطين ؛ فإن هذا مشترك، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المصوِّرين، وقال: ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون ).
الوجه الثالث: أن الله أخبر المسيح أنه إنما فعل التصوير والنفخ بإذنه تعالى، وأخبر المسيح عليه السلام أنه فعله بإذن الله، وأخبر الله أن هذا من نعمه التي أنعم بها على المسيح عليه السلام كما قال تعالى: ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ). ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” ( 4 / 46 ، 47 ).
* بل إنه حتى خلق عيسى عليه السلام لصورة تشبه الطير فيها نقص من جهات متعددة:
الأولى: أنها ليست خلقا من عدم ، فهو لم يُجد الطين، وكل ما فعله إنما هو تحويل مادة إلى مادة أخرى.
والثانية: أنه لم يخلق إلا بإذن ربه تعالى.
والثالثة: أنه لم يخلق كلَّ شيء، بل ما مكنه منه ربه تعالى إنما هو صناعة طير من الطين، دون خلق البشر، أو غيرهم من مخلوقات الله تعالى، وهذا هو خلق البشر، فهو ناقص بنقصهم، وقاصر لقصر قدرتهم، ولا نعجب حين نقرأ – بعدها – مثل قوله تعالى: ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) المؤمنون/ من الآية14، فكما أن ملك البشر ناقص: فكذلك خلقهم ناقص، كما بينَّا، ولا يجادل في ذلك إلا مبطل.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وهو أول الكلام المنقول عنه سابقًا -:
الجواب عما ذكروه هنا من وجوه:
أحدها: أن الله لم يذكر عن المسيح خلقًا مطلقًا، ولا خلقًا عامًّا كما ذكر عن نفسه تبارك وتعالى، فأول ما أنزل الله على نبيه محمد ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ) العلق/ 1،2، وقال تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ) الحشر/ 24، فذكر نفسه بأنه الخالق، البارئ، المصور، ولم يصف قط شيئًا من المخلوقات بهذا، لا ملَكًا، ولا نبيًّا، ووصف نفسه بأنه رب العالمين، وبأنه مالك يوم الدين، وأنه له الملك، وله الحمد، وأنه الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، ونحو ذلك من خصائص الربوبية، ولم يصف شيئًا من مخلوقاته، لا ملَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا بشيء من الخصائص التي يختص بها، التي وصف بها نفسه سبحانه وتعالى.
وأما المسيح عليه السلام فقال فيه: ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي )، وقال المسيح عن نفسه: ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ ) فلم يذكر إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله ، فكيف يكون هذا الخالق هو ذاك؟!!. ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” (4/44 ، 45 ).
ب. وقال تعالى: ( قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ) مريم/ 19، وقال تعالى: ( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء/ 91.
* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :
والذي عليه الجمهور من العلماء: أن المراد بذلك النفخ : نفخ جبريل فيها بإذن الله، فحملت، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله: ( إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا )، كما تقدم، ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله ( فَنَفَخْنَا )؛ لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه، وأمره، ومشيئته، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ، فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ، ومن أجل كونه بإذنه، ومشيئته، وأمره تعالى، ولا يمكن أن يقع النفخ المذكور، ولا وجود الحمل منه إلا بمشيئته جل وعلا: أسنده إلى نفسه، والله تعالى أعلم.
” أضواء البيان ” ( 3 / 390 ).
ثانيًا:
وقد بيَّن الله تعالى بيانًا شافيًا، وتحدَّى تحديًّا بليغًا كلَّ الخلق، والآلهةَ المزعومة: في الخلق من العدم، والإحياء، والإماتة، والبعث، فقال تعالى: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) الروم/ 40.
* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ( هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ): يدلّ دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور في الآية، ومنه الحياة المعبّر عنها بـ: ( خَلَقَكُمْ )، والموت المعبّر عنه بقوله: ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ )، والنشور المعبّر بقوله: ( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )، وبيَّن أنهم لا يملكون نشورًا بقوله: ( أَمِ اتَّخَذُواْ آلِهَةً مّنَ الاْرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ )، وبيّن أنهم لا يملكون حياة ولا نشورًا في قوله تعالى: ( قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُل اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ )، وبيَّن أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلا ً)، وقوله تعالى: ( وَلَن يُؤَخّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا )، وقوله تعالى: ( إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّر ُ)، وقوله تعالى: ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْواتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )، وقوله تعالى: ( قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي ذكرنا من بيان هذه الآيات بعضها لبعض معلوم بالضرورة من الدّين. ” أضواء البيان ” ( 6 / 271 ).
والخلاصة:
هذا اعتقاد المسلمين في الخلق، والإحياء، وليس بينهم اختلاف في هذا، وقد قهر الله تعالى الناس بالموت، وتحداهم بأن يخلقوا شيئًا من عدم فعجزوا، واعترف كل عاقل بضعفه، وعجزه، فلم يبق إلا المجادلة بالباطل، ولذا فننصحك بتأمل ما ذكرناه، وفهمه على وجهه الصحيح، مع النظر بحقيقة الاستنساخ، لتعلمي بعد أن ذلك أن ما وقع من أخيك ما هو إلا كلام في الهواء، ليس له أساس، ولا قرار، فداومي على نصحه بالتي هي أحسن، وخصيه بدعوة في آخر الليل، عسى الله أن يتقبل منك، ويهديه لما فيه رضاه.
والله أعلم.


