لماذا يقدِّر الله لبعض الناس دخول النار؟ وما الحكمة في كونها أبدية على الكفار؟

السؤال

كثير ممن أعرف من الذين هم مهتمون بالإسلام يتساءلون كثيرًا عن القضاء القدر، السؤال الذي وجدته صعبًا في إجابته وأريدكم أن تساعدوني فيه هو: لماذا يقدِّر الله لبعض الناس دخول النار؟ أعرف أن الإنسان يرتكب أعمالًا تدخله النار ولكن إذا كان الله خلقَنا وخلق أعمالَنا فلماذا إذن نعاقَب على ذلك؟ وإذا ما كانت هذه الحياة فانية فلماذا يعاقب الناس بالخلود في النار وليس لمدة محددة إذا ما كانوا غير مؤمنين؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إن تقدير الله تعالى لأحد أنه يدخل النار ليس يعني أنه قد أجبره على الكفر حتى يتحقق في الآخرة دخول ذلك الكافر النار، وهذا ليس اعتقادًا صحيحًا بل الله تعالى منزَّه عنه، وإنما الواقع أن الله تعالى قد علِم ما سيفعله خلقه في حياتهم الدنيوية، وقد أمر عز وجل القلمَ أن يكتب ذلك العلم الذي سيحصل من خلقه، ولم يُطلع الله تعالى على ذلك العلم ملَكاً مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا، فلا أحد يعلم ماذا كُتب له أو عليه في اللوح المحفوظ، وهو يدل على أن ما يحتج به بعضهم بالقدَر لا قيمة له، فالعبد مكلَّف بالإيمان والعمل، وسيجازيه ربُّه تعالى يوم القيامة على ما قدمت يداه لا على ما كتبه الله تعالى عليه في اللوح المحفوظ، وقد أقام الله عز وجل الحجة على خلقه بإرساله الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) النساء/165، ولولا ذلك لكان لهم حجة على الله تعالى، والله تعالى منزَّه – أصلًا – أن يعاقب أحدًا إلا على ما عمل بعد أن يقيم عليه الحجة، ولذا كان الذين لم تصلهم الرسالات أو كانوا غير مكلفين عند إرسال الرسل يحتجون على الله تعالى يوم القيامة، والله تعالى سيختبرهم في تلك الدار، وأما في الدنيا: فإنه مَن جاءه البلاغ وهو مكلَّف: فليس له عند الله تعالى حجة يوم القيامة، وهو تعالى قد أوضح له طريق الحق والضلال وخيَّره بين سلوك الطريق الأول وله الجنة، أو الثاني وله النار، ولم يُجبره على أن يسلك أحد الطريقين، قال تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ) الكهف/ 29 – 31.

هذا هو اعتقاد المسلمين، ولا مجال فيه لأحد أن يطعن عليه أو يستشكله، ومن يفهم أركان القدَر لم يقع في شباك الوسوسة ولم يسلك طريق الانحراف، وهذه المراتب هي: العلم، ثم الكتابة، ثم المشيئة، ثم الخلق.

ثانيًا:

وأما الجواب عن عذاب النار وأنها أبدي سرمدي ولم لا يكون مؤقتًا: فالجواب عليه من وجوه:

  1. أن هذا الاعتقاد موجود في الأديان كلها التي يعتقد أهلها بالجنة والنار.
  2. أن الطاعن في هذا الاعتقاد لا يخلو من كونه أحد رجلين إما مسلم أو ملحد، فإن كان مسلما فلم يخالِف؟! وإن كان ملحدًا فلم يخاف؟! فالذي يؤمن بربِّه تعالى ويؤمن بهذا الوعيد فحريٌّ به أن لا يخالف شرع الله تعالى وعليه أن يأتي بالمأمور ويترك المحظور وإلا تعرَّض لوعيد من قد آمن به ربًّا وهو يعلم أن وعيد الله حق وقد توعد ربه تعالى من مات على الكفر الأكبر أو الردة أنه يخلَّد في نار جهنَّم أبدًا فعليه الحذر من ذلك وأن لا يموت إلا مسلمًا كما أمره ربه تعالى، وأما غير المؤمن بالله تعالى فلم يخاف من هذا العقاب السرمدي وهو لا يؤمن أصلًا برب ولا بجنة ولا نار؟! وبيننا وبين هذا الملحد يوم القيامة لنرى مَن سينجيه مِن رب السموات والأرض في يوم يقول فيه خواص الناس من المرسلين ” ربِّ سلِّم ربِّ سلِّم “، وأما إن كان المعترض يهوديًّا أو نصرانيًّا فهم يعتقدون أن مخالفيهم سيخلدون في نار جهنَّم فلا نظنهم يعترضون! فقد قال تعالى عنهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى ) البقرة/ 111، فاليهود قالت لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، والنصارى قالت لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا، وكل واحد منهم لا يشك أنه مهتدي ناجٍ وأن مخالفه ضال هالك، وإذا كان حكمهم على بعضهم بعضًا فمن الأكيد سيكون حكمهم كذلك على المسلمين! ويكفي للرد عليهم ما قاله الله عز وجل بعدها مباشرة ( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين. بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة/ 111، 112.
  3. ومن أسباب استحقاق هؤلاء الكفار للخلود الأبدي في النار: ما أخبر الله تعالى به عنهم أنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لعادوا للكفر والضلال.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وذكر ابن القيم سفسطةً للدهريين هي قولهم: ” إن الله أعدل من أن يعصيه العبد حقبًا من الزمن فيعاقبه بالعذاب الأبدي “، قالوا: ” إن الإنصاف أن يعذبه قدر المدة التي عصاه فيها “.

ثم قال – في ردها -:

وأما سفسطة الدهريين التي ذكرها – أي: ابن القيم – استطرادًا: فقد تولى الله تعالى الجواب عنها في محكم تنزيله، وهو الذي يعلم المعدوم لو وُجد كيف يكون، وقد علم في سابق علمه أن الخُبث قد تأصل في أرومة هؤلاء الخبثاء بحيث إنهم لو عُذبوا القدْر من الزمن الذي عصوا الله فيه ثم عادوا إلى الدنيا لعادوا لما يستوجبون به العذاب، لا يستطيعون غير ذلك، قال تعالى في سورة الأنعام ( وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) الأنعام/ 27 ، 28. ” مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ”  الشيخ أحمد بن محمد الأمين ( ص 59 ).

  1. وبحسب حال العبد في الدنيا من الطيب والخبث دوامًا وانقطاعًا يكون حاله في الآخرة مع الجنة والنار.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولما كان النَّاس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب: كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة؛ فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد؛ فإنهم إذا عُذبوا بقدر جزائهم: أُخرجوا من النار فأُدخلوا الجنَّة، ولا يبقي إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض.  ” الوابل الصيب ” ( ص 24 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة