استقام على الطاعة ولم يوفَّق في امتحان الدراسة فكيف حصل له ذلك؟
السؤال
دخلنا الامتحانات السنوية في شهر يناير المنصرم، وقد بذلت في هذه الامتحانات كل ما أملك من جهد، ليس هذا فحسب بل إني صاحبت ذلك بالدعاء، لا سيّما أن حالي هذا العام قد تحسن عما كان عليه في العام السابق، فأصبحت أحافظ على صلواتي وأطيع والداي واستمع لكلامهما بخلاف ما كنت عليه، فقد كنت أفرّط في الصلوات وكنت وقحًا مع والداي، ولكن الحمد لله كل ذلك انتهى، ونظرًا لكل هذه المتغيرات الطيبة فقد توقعت أن أحصل على درجات جيدة، ولكني تفاجأت أني سقطت في جميع الامتحانات سقوطًا مدويًّا، فما الخطأ أو الذنب الذي ارتكبته حتى يحصل لي هذا؟! لماذا أعطاني الله هذه الدرجات السيئة؟ فالكثير من أصدقائي الآخرين الذين يمشون فيما يُغضب الله ولا يصلّون حصلوا على درجات أفضل وبدون مجهود يُذكر! أريد أن تفهموني لماذا حصل لي هذا؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إن ما حصل معك – أخي السائل – من تغير في سلوكك وعبادتك للأفضل هو نجاح عظيم في حياتك، فكان الواجب عليك الالتفات لهذا النجاح والنظر إليه بعين الرضا والفرح والسعادة؛ فهو أمر لا يتيسر لكثيرين غيرك، وهذا النجاح المبارك إن استمررت عليه فإنك ستنجح في امتحان الآخرة لتكون من الفائزين والسعداء لتكون من أصحاب الجنة إن شاء الله، وكل ما تراه من فشل في دراسة أو عمل أو شيء من أمور الدنيا لا ينبغي أن يعكر عليك صفو نجاحك ذاك الذي وهبك الله إياه وأعانك على تحقيقه، وهذه مقدمة لا بد منها لتعلم عظيم نعمة الله عليك في النجاح في الامتحان الحقيقي والذي يؤدي إلى الفوز الحقيقي الدائم الذي لا نهاية له.
ثانيًا:
وننبهك أخي السائل على أمرين مهمين:
- ليس عليك أن تندم على ما تيسر لك من التوبة الصادقة والأعمال الجليلة التي صرتَ عليها، بل لا يحل لك ذلك؛ لأن فعلتَ صوابًا قد أمرك الله تعالى به.
- ليس لك أن تربط فشلك في الدراسة بما صرتَ عليه من خير في دينك؛ إذ لا تعلق لذلك التغير بنتائج امتحاناتك، كما لا تعلق لنجاح أولئك المسرفين على أنفسهم بما هم عليه من معاصٍ وبما هو غارقون به من ذنوب، وأنت ترى أنه ثمة من يعبد الفئران والبقر والأصنام هو متفوق في دراسته بل هو من العباقرة في فنون شتى وعلوم مختلفة، فلا دخل لما هو فيه من كفر وضلال بنتائج دراسته وامتحاناته، وأنت ترى شباباً حفظة للقرآن وعلى خلُق وعِلم ومع ذلك فهم غير متفوقين في دراستهم.
لذا فلا بد أن تعلم أن فشل الإنسان ونجاحه بالدراسة مرتبط في الأصل بما يبذله من جهد في دراسته، وبما يبذله من طاقة في حفظ المواد وفهمها، نعم قد ييسر الله تعالى لأهل الدِّين والخير سبل النجاح والتوفيق في الامتحانات لكن ليس ثمة وعد من الله تعالى بذلك، بل الأمور متعلقة بأسبابها، والأسباب هنا هي الدراسة والحفظ والفهم؛ وفي الحديث ( إنَّمَا العِلْمُ بالتَّعَلُّم ) رواه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2328 )، ونقل الإمام ابن عبد البر عن اللؤلؤي قولَه:
واعلمْ بأنَّ العلمَ بالتعلُمِ * والحفظِ والاتقانِ والتفهُمِ
والعلمُ قد يُرزَقُهُ الصَّغيرُ * في سِنِّهِ ويُحْرَمُ الكبيرُ
وإنَّمَا الْمَرْءُ بأصغريهِ * ليسَ برجليهِ ولا يَديْهِ
لسانُه وقلبُهُ الْمُركَبُ * في صدرِهِ وذاكَ خَلْقٌ عَجَبُ
والعلمُ بالفهمِ وبالمذاكرة * والدرسِ والفكرةِ والْمُناظرة
” جامع بيان العلم وفضله ” ( 1 / 292 ).
فمن قصَّر في ذلك ولم يبذل فيها جهدًا فلن تكون طاعته لوالديه وصلاته في المساجد وقيامه بالدعوة بالضرورة نافعة له عند الاختبار في المواد الدراسية، وها أنت ترى طلاب العلم في كليات الشريعة يتفاوتون فيما بينهم في نتائج امتحاناتهم بحسب ما يبذلونه من جهد في الاستعداد لتلك الامتحانات، وأكثر أولئك الطلاب – ونرجو أن يكونوا كلهم – من أهل الخير والدين والخلق القويم، ومع ذلك فتفاوت درجاتهم في الامتحان لا بحسب أخلاقهم وطاعاتهم بل بحسب استعداداتهم للامتحانات حفظًا وفهمًا.
وعليه: فالمرجو منك – أخي الفاضل – أن تستمر على ما أنت عليه من خير وطاعة وعبادة، وأن تبذل جهدًا أكبر في المرة القادمة لتكون مستعدًّا للامتحان المدرسي، واعلم أنه قد يكون ما حصل معك هو محض ابتلاء من الله تعالى ليرى صدقك في الاستقامة من عدمها، فنرجو أن تكون صادقًا فيها وأن تصير إلى أحسن، واعلم أنك قد نجحت نجاحًا عظيمًا في امتحانك الحقيقي المؤدي إلى الحصول على رضا ربك تعالى، وأن ما حصل معك من فشل في العام الدراسي يمكن تعويضه في سنوات قادمة، وهذا ما لا يمكن للفاشلين في الامتحان الحقيقي أن يفعلوه في الآخرة؛ لأنه ليس ثمة مجال للعودة للدنيا للتوبة والعمل الصالح، وأما أنت فقد نجحت ولم تفشل فحافظ على نجاحك وزد منه، والدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فلا تحزن على ما فاتك منها، ولا بأس أن تعمل لنجاح فيها ببذل الأسباب المؤدية لذلك، لكن إياك أن ترتبط توبتك وطاعتك بما حصل معك من فشل فيها، فهذه أمنية إبليس يريد تحقيقها ليصرفك عن طاعة ربِّك عز وجل فلا تحققها له.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، ونسأله أن يسددك وييسر أمرك، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وأن يقيك عذاب النار.
والله أعلم.


