حقيقة الاستغفار، وحكم نشر رسائل الجوال التي تدعو للاستغفار

السؤال

وصلتني رسالة جوال، وقد انتشرت كثيرا، وأود معرفة مدى صحة نشر مثل هذه الرسالة، وهل فيها محذور شرعي أم لا؟ جزاكم الله خيرًا، ونص هذه الرسالة:

” إحياءً لسنة التواصي بالحق: فلقد كثرت الأمراض، وتوقف المطر، وانتشر الغلاء، والوباء، والفتن، والحل هو دعوة لحملة استغفار: فدعونا نستغفر اليوم ولو (100 مرة )؛ لعل الله أن يغيث البلاد، والعباد، فما نزل بلاء إلا بذنب، فاستغفر الله، وأرسل لمن عرفت، ولا تجعل الرسالة حبيسة صندوق الوارد، فأرسل عسى الله أن ينفع بك، ولا تستهن، فرب عمل صغير مردوده كبير، أسعد الله أيامكم “.

الجواب

الحمد لله

أولا:

نشكر للأخت السائلة فعلها بطلب معرفة موافقة هذه الرسالة لشرع الله تعالى، في وقت نعاني فيه من انتشار مئات الرسائل بعناوين مختلفة، ينتشر منها الملايين في الآفاق، دون أن يكلِّف كثيرون أنفسهم للسؤال عن صواب ما يرسلون من خطئه.

وإن أكثر ما يؤلمنا في تلك الرسائل احتواؤها على حديث ضعيف، أو موضوع، أو بدعة، ثم يطلب المرسل من المرسَل إليه أن يرسلها لمن عرف! وقد تُختم تلك الرسائل بالعبارة المشهورة ” انشر تؤجر “.

ثانيا:

– وأما بخصوص عبارات تلك الرسالة: فإننا نجد أنها لا تصلح للنشر، وأن فيها ما يمنعنا من جعلها معتمدة موافقة للشرع؛ لما يلي:

  1. أن فيها مبالغات في وصف واقع بلاد المسلمين، وقد تُخل مثل هذه الرسائل اليأس في قلوب قارئيها، وبلاد المسلمين تشهد إقبالا عظيما على الالتزام، والاستقامة، وهذا مع كثرة من يحارب وجود هذا، ومع كثرة من ينشر الفساد في تلك البلاد، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته، والواجب وصف الحال بما يطابق الواقع، وحتى الأمطار التي حبست لفترة فإن الله تعالى قد رحم عباده فأسقاهم ماء طهورا.
  2. هذه الرسالة تجعل من المرء الذي يلبي رغبة مرسلها بإرسالها لغيره كأنه قدَّم شيئاً في مواجهة تلك الأمراض والوباء والغلاء وحبس المطر والفتن، والحقيقة أن الاستغفار هو جزء من المطلوب من المسلم جرَّاء ما يعيشه المسلمون من أشياء ذُكرت في الرسالة أو لم تُذكر، ونخشى أن يعتقد المسلم أنه باستغفاره لعدد معيَّن أنه دوره في الحياة، وتبقى الأمور على ما هي عليه، فالأرصدة في البنوك الربوية، والبيوت تعج بالفضائيات، والصلاة نام عنها كثيرون، ولم يأمر الوالد ابنته بالحجاب، ولا أخذ الوالد ابنه للمسجد، وهكذا في سلسلة أمور عملية كثيرة إما أن تكون مطلوبة من المسلم فيقصر في أدائها، أو منكرات يجب عليها تركها فيتقاعص عن فعل ذلك؛ اتباعا لهواه، وبإرساله ( 10 ) رسائل لأصدقائه يعتقد أنه أدَّى ما عليه، وبقي على الله تعالى أن يرفع البلاء والغلاء والوباء! وهذا أمر خطر، يجدر التنبه له، والتنبيه عليه، والواقع أنه مطلوب من المسلم ما هو أكثر من الاستغفار، أو قل: مطلوب منه أن يستغفر الله على الوجه الشرعي، لا أنها كلمات تقال باللسان.
  3. بعض ما في هذه الرسالة شُرع له في دين الله عبادات خاصة، كتوقف المطر، فإنه شُرع لها ” صلاة الاستسقاء “، وفي هذه الرسالة تضييع لهذا التشريع.
  4. إلزام الناس بعدد معيَّن من الاستغفار فيه مخالفة للشرع، ولا مانع من حث الناس على الاستغفار, لكن دون تحديد عدد معيَّن، وفضل الاستغفار عظيم، ولو أن المرسل كتب بعض فضائله، ثم طلب من الناس أن يطبقوا هذا في واقعهم، ولا يحرموا أنفسهم من أجوره: لما كان في فعله ما يُنكر.
  5. في هذه الرسالة تفسير خطأ لآية مباركة، وهي قوله تعالى: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ) [ نوح / الآية 10 – 12 ]، وكثيرا ما يُستدل بها على أن قول ” أستغفر الله ” يُنزل الغيث من السماء، ويجلب الرزق، ويساعد في الإنجاب، والحقيقة أن الاستدلال بالآية غير صحيح؛ لأن الاستغفار فيها يعني: التوبة من الكفر، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده، والترك للذنوب للمعاصي، وهذا هو الذي أشرنا له قبل قليل أنه هو معنى الاستغفار على الوجه الشرعي، وليس هو أن يقول المسلم بلسانه عبارة ” أستغفر الله “، وإن كان له فيها أجر.

قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

وقوله: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ) يقول: فقلت لهم: سلوا ربكم غفران ذنوبكم، وتوبوا إليه من كفركم، وعبادة ما سواه من الآلهة، ووحدوه، وأخلصوا له العبادة: يغفر لكم؛ إنه كان غفاراً لذنوب من أناب إليه، وتاب إليه من ذنوبه.

وقوله: ( يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ) يقول: يسقيكم ربكم إن تبتم، ووحدتموه، وأخلصتم له العبادة الغيث، فيرسل به السماء عليكم مدرارا متتابعا… .

” تفسير الطبري ” ( 23 / 633 ).

وقال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: ارجعوا إليه، وارجعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إليه من قريب، فإنه من تاب إليه: تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر، والشرك.

” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 232 ).

فهذه الرسالة ومثيلاتها تدعو لاستغفار باللسان، ولو بقي المسلم على ما هو عليه من ذنوب ومعاصٍ، وهذا خلل في فهم هذه الكلمة العظيمة، وتحريف لمعنى الآية المباركة، بل الاستغفار هو حضور القلب مع الإخلاص، وترك الذنوب، والقول باللسان، وإنما تدعو هذه الرسالة ومثيلاتها لاستغفار لا بأركانه العظيمة، ولا بمعانيه السامية.

قال القرطبي – رحمه الله -:

وقد مضى في سورة ” آل عمران ” كيفية الاستغفار، وأن ذلك يكون عن إخلاص، وإقلاع من الذنوب، وهو الأصل في الإجابة.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 303 ).

وقد قال هود ونبينا – عليهما السلام – لقوميهما مثل الذي قاله نوح عليه السلام لقومه، وهو يؤكد معنى الاستغفار في الآية، وأنه ما ذكرناه، ونقلناه عن أهل العلم.

قال هود لقومه:( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ) [هود / من الآية 52 ] ، وقال نبينا عليه الصلاة والسلام لقومه: ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ) [ هود / من الآية 3 ].

ويدل على هذا المعنى: ما جاء في القرآن من آيات يبين الله تعالى عاقبة الإيمان، والتقوى، وإقامة الشرع، والطاعة، وأن ذلك هو سبب الرزق، والمخرج من الفتن، والبلاءات، ومنه:

قوله تعالى:( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) [ المائدة / من الآية 66 ].

وقوله: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) الآية, [ النحل / من الآية 97 ].

وقوله: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) الآية, [ الأعراف / من الآية 96 ].

وقوله: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) الآيات, [ الطلاق / الآية 2 – 3 ] .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – في تفسير آية ( ولو أنهم أقاموا التوراة … ) وبعد أن ساق مجمل الآيات السابقة -:

ومفهوم الآية: أن معصية الله تعالى سببٌ لنقيضِ ما يُستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) الآية, [ الروم / من الآية 41 ] ، ونحوها من الآيات.

” أضواء البيان ” ( 1 / 416 ، 417 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في تفسير ( آية 27 ) من سورة ” البقرة ” ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) -:

المعاصي والفسوق سبب للفساد في الأرض، كما قال تعالى:( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [ الروم / الآية 41 ].

ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليه سبحانه وتعالى، وتابوا إليه: أغاثهم الله عزّ وجلّ، وقد قال نوح عليه السلام لقومه: ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا . يرسل السماء عليكم مدرارًا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهارًا ) [ نوح / الآية 10 – 12 ]. انتهى.

وهذا هو حقيقة الاستغفار، وهو ما أحببنا التنبيه والتركيز عليه في جوابنا هذا، ولعل مثل هذه الرسائل أن تستبدل بغيرها، وينشر الحريصون رسائل فيها دعوة الناس للتوبة الصادقة، وإرجاع الحقوق إلى أهلها، والتخلص من الربا، ورعاية الأولاد وحسن تربيتهم، وغير ذلك من المعاني الجليلة، والتي تساهم في إصلاح الأفراد، والبيوت، والمجتمعات.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة