هل يرحل لطلب العلم من غير موافقة والدته؟
السؤال
أعيش في بلاد الكفر وأريد السفر إلى ” الإسكندرية ” لمدة عام ونصف لتعلم اللغة العربية إن شاء الله، أريد التكلم والكتابة وفهم اللغة العربية لأستطيع قراءة القرآن والتكلم مع أصدقائي المسلمين باللغة العربية، المشكلة هي: أنني لا أستطيع الحصول على موافقة أمي، فهي ترى أنني سوف أتعلم ما لا أعمل به، وكذلك هناك اختلاط بين الجنسين مما يخيفها على ديني .
فهل يحرم عليَّ السفر لبلد مسلم لتعلم اللغة العربية دون موافقة أمي؟ اعلم يا شيخ أن هذا لأكون قادرًا على تعلم اللغة العربية لأتكلم بها وأقرأها حيث أخبرني من هم أكبر مني من الأخوة أن هذا يستغرق سنوات طويلة وأن الأفضل الذهاب إلى بلد عربي لمدة سنتين بدلاً من قضاء عدة سنوات في تعلم اللغة العربية هنا. حفظكم الله، آمين .
الجواب
الحمد لله
الذي نختاره لك – أخي السائل – أن تبقى بجانب أمك ولو كنت في بلاد الكفر؛ لأمور:
الأول: أن هذه رغبة الوالدة، وطاعتها واجبة، والاستئذان من الوالدين في الرحلة لطلب العلم واجب شرعيٌّ.
الثاني: أنك تستطيع تحصيل هذا العلم في بلدك ودون الحاجة للسفر لبلد عربي، وذلك عن طريق المراكز الإسلامية أو الفضائيات العلمية أو الأشرطة الصوتية والمرئية أو ” البالتوك ” أو المواقع الإلكترونية وغيرها من الوسائل، وإنما يجب طلب العلم ولو كان فيه مخالفة للوالدين – أو لأحدهما – حيث يكون الطلب واجبا، ونعني به: ما يتعلق بأصول التوحيد والصلاة، وهذا لا نظنه ينقصك وهو ليس مفتقدا إلا في الإسكندرية!.
قال الإمام إسحاق بن راهويه – رحمه الله -:
يلزمه علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته إن كان له مال، وكذلك الحج وغيره، إنما يعني الواجب: أنها إذا وقعت: فلا طاعة للأبوين في ذلك، وأما من خرج يبتغي علما: فلا بد له من الخروج بإذن الأبوين؛ لأنه فضيلة، ما لم تحل به البلية، والنوافل لا تبتغى إلا بإذن الآباء.
” مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ” ( 9 / 4654 ، 4655 ).
وقال الخطيب البغدادي – رحمه الله -:
والطلب المفروض على كل مسلم إنَّما هو طلب العلم الذي لا يسع جهله، فتجوز الرحلة بغير إذن الأبوين إذا لم يكن ببلد الطالب مَن يعرِّفه واجبات الأحكام وشرائع الإسلام، فأما إذا كان قد عرف علم المفترض عليه : فتكره له الرحلة إلا بإذن أبويه.
” الجامع لأخلاق الراوي ” ( 2 / 228 ).
الثالث: وجود الاختلاط المحرَّم في البلاد التي ترغب بالسفر إليها.
الرابع: أن بقاءك بجانب والدتك فيه عناية بها ورعاية لها، وبلاد الكفر عموماً ليست آمنة على الدين والنفس.
وبمجموع هذه الأمور نرى معه أنه لا حاجة لك للسفر إلى أي بلدٍ وأن تبقى بجوار والدتك ترعاها وتقوم على خدمتها وفي الوقت نفسه تطلب العلم وتتعلم العربية ولو طال زمان تعلمك، ويمكنك الاحتكاك بالطلاب العرب من المسلمين في بلادك التي تعيش فيها ليكون ذلك معيناً لك على تعلم اللغة العربية.
واعلم أنه قد جاء في تراجم طائفة من العلماء الكبار من السلف والخلف أنهم تركوا الرحلة في طلب العلم من أجل والدهم أو والدتهم، إما بسبب أنهم منعوهم من الرحلة وإما كان ذلك ابتداءً برًّا من أولئك الأئمة بوالديهم أو بأحدهما، وقد يسَّر الله لهم طريق الطلب وفاقوا كثيرا من أقرانهم، ولا شك أن الله تعالى يعوِّض من ترك شيئاً له خيراً منه.
ومن الأمثلة على الأول: الإمام الذهبي والذي بقي فترة لم يرحل في طلب العلم لأن والده كان يرفض ذلك، وقد قال في ترجمة ” المكين الأسمر أبو محمد اللخمي الإسكندراني “: ” فازددتُ تلهفا وتحسُّرا على لقيِّه، ولم يكن الوالد يمكنني من السفر “.
” معرفة القراء الكبار ” ( ص 551 ).
وقال في ترجمة ” أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن محمد بن وريدة البغدادي الحنبلي “: ” وكنتُ أتحسر على الرحلة إليه، وما أتجسر خوفا من الوالد؛ فإنه كان يمنعني “. ” معرفة القراء الكبار ” ( ص 556 ).
* ومن الأمثلة على الآخر: البصري النساج، قال الإمام الذهبي – رحمه الله – في ترجمته -:
كان عالماً بحديث البصرة متقنا مجوِّدا، لم يرحل برًّا بأمه ثم ارتحل بعدها.
” تذكرة الحفاظ ” ( 2 / 73 ).
* ومنهم محمد بن بشار الملقَّب ” بندار “، قال الإمام الذهبي – رحمه الله – في ترجمته -:
وجمع حديث البصرة، ولم يرحل برًّا بأمِّه، ثم رحل بعدها.
” سير أعلام النبلاء ” ( 12 / 144 ).
– ونسأل الله أن ييسر أمرك وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.


