هل صلاة النافلة في البيت أفضل؟
السؤال
أسلمت منذ سنة، لكن هناك أمر حيرني. لقد أخبرني أحدهم بأنه من الأفضل للمسلم أن يصلي صلاة الفريضة جماعةً في المسجد, ويصلي السنن في المنزل. لكن هذا الشخص لم يقدم أي دليل على قوله ذاك. أرجو أن تقدم لي الدليل من الكتاب والسنة.
أنت تقوم بعمل رائع, فاستمر فيه.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أما بالنسبة لصلاة الفريضة في المسجد جماعة: فحكمها الوجوب، وقد أجمع على ذلك الصحابة رضي الله عنهم كما ذكر ابن القيم في ” حكم تارك الصلاة ” ( ص 153 )، وهو قول: عطاء والحسن البصري والأوزاعي وإسحاق وأحمد وأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان ونصَّ عليه الشافعي في ” مختصر المزني “، وعليه علماؤنا المعاصرون ابن باز والألباني وابن عثيمين وكثيرون غيرهم، وعلى ذلك أدلة كثيرة، منها:
- قال الله عز وجل { وإذا كنت فيهم فأقمتَ لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك }.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وفيها دليلان:
أحدهما: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن.
الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة، وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر: كاستدبار القبلة، والعمل الكثير فانه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإمام كما يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم.
قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة: لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب، مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم أنها واجبة.
” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 227 ).
- عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء “. رواه البخاري ( 618 ) ومسلم ( 651 ).
والحديث: بوَّب عليه البخاري: باب وجوب صلاة الجماعة.
قال الشوكاني:
والحديث: استدل به القائلون بوجوب صلاة الجماعة لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه.
” نيل الأوطار ” ( 3 / 151 ).
- عن أبي هريرة قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب.
رواه مسلم ( 653 ).
قال ابن المنذر:
فدلت الأخبار التي ذكرناها على وجوب فرض الجماعة على من لا عذر له، فمما دلَّ عليه: قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير ” لا أجد لك رخصة “، فإذا كان الأعمى لا رخصة له: فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة. ” الأوسط ” ( 4 / 134 ).
- عن عبد الله بن مسعود قال: مَن سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادَى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سننَ الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. رواه مسلم ( 654 ).
قال النووي:
قوله: ” يهادى ” أي: يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما، وهو مراده بقوله في الرواية الأولى ” إن كان المريض ليمشي بين رجلين “، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها.
” شرح مسلم ” ( 5 / 156 ، 157 ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أخبر عبد الله بن مسعود أنه لم يكن يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي صلى الله عيه وسلم إذ لو كانت عندهم مستحبة كقيام الليل والتطوعات التي مع الفرائض وصلاة الضحى ونحو ذلك: كان منهم من يفعلها ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه كما قال له الأعرابي ” والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه، فقال: أفلح إن صدق “، ومعلوم أن كل أمر كان لا يتخلف عنه إلا منافق كان واجبًا على الأعيان …” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 230 ).
ثانيًا:
وأما بالنسبة لصلاة النافلة: فإن الأفضل أن تكون في البيت، وهذا الحكم لمطلق النوافل، وقد جاءت السنة بأفضلية أداء بعض النوافل في المسجد مثل صلاة الكسوف، وعلى ذلك بعض الأدلة، ومنها:
- عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا “. رواه البخاري ( 422 ) ومسلم ( 777 ).
- عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة مخصفة أو حصيرًا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضَباً فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة. رواه البخاري ( 5762 ) ومسلم ( 781 ).
قال الحافظ ابن حجر:
ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بـ” المكتوبة “: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتي التحية كذا قال بعض أئمتنا، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة ما يشرع في البيت وفي المسجد معا فلا تدخل تحية المسجد؛ لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد بـ”المكتوبة “: ما تشرع فيه الجماعة.
” فتح الباري ” ( 2 / 215 ).
- عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبً من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا “.
رواه مسلم ( 778 ).
وفرَّق بعض العلماء بين نافلة الليل ونافلة النهار في الأداء في البيت، لكن السنة الصحيحة ترد هذا التفريق.
قال النووي:
فيه استحباب النوافل الراتبة في البيت كما يستحب فيه غيرها، ولا خلاف في هذا عندنا، وبه قال الجمهور وسواء عندنا وعندهم راتبة فرائض النهار والليل.
قال جماعة من السلف: الاختيار فعلها في المسجد كلها، وقال مالك والثوري: الأفضل فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد وراتبة الليل في البيت.
ودليلنا: هذه الأحاديث الصحيحة وفيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الصبح والجمعة في بيته وهما صلاتا نهار مع قوله صلى الله عليه وسلم ” أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة “، وهذا عام صحيح صريح لا معارض له فليس لأحد العدول عنه.
” شرح مسلم ” ( 6 / 9 ، 10 ).
وأما صلاته صلى الله عليه وسلم الكسوف في المسجد، فقد ثبت ذلك في السنة الصحيحة، ويدل تحريه صلى الله عليه وسلم صلاتها في المسجد أنها أفضل من أدائها في البيت:
- عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا فصلَّى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ، فإذا رأيتموهما فصلُّوا وادعوا حتى يُكشف ما بكم. رواه البخاري ( 993 ).
- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي إن الصلاة جامعة. رواه البخاري ( 998 ) ومسلم ( 910 ).
قال النووي:
قوله صلى الله عليه وسلم ” فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة “: هذا عام في جميع النوافل المرتبة مع الفرائض المطلقة، إلا في النوافل التي هي من شعائر الإسلام وهي العيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح على الأصح فإنها مشروعة في جماعة في المسجد، والاستسقاء في الصحراء، وكذا العيد إذا ضاق المسجد. ” شرح مسلم ” ( 6 / 70 ).
والله أعلم.
جواب ثانٍ
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
نحمد الله سبحانه وتعالى الذي كتب لك الهداية للدخول في دين الإسلام فهذه نعمة عظيمة تستوجب حمد الله وشكره.
ثانيًا:
لا بد أن يعلم المسلم أن الصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، وهي الفاصل بين المسلم والكافر كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة “. رواه مسلم ( 82 ).
ثالثًا:
اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم صلاة الجماعة على أقوال عدة:
أصحها: أن صلاة الجماعة في المسجد واجبة، وعليه تدل الأدلة الشرعية.
وهو قول عطاء بن أبي رباح والحسن البصري والأوزاعي وأبي ثور، والإمام أحمد في ظاهر مذهبه، ونص عليه الشافعي ” مختصر المزني ” فقال: وأما الجماعة فلا أرخص تركها إلا من عذر ورجحه: شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من العلماء.
وأما الأدلة على الوجوب فكما يلي:
- قال الله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } [ النساء / 102].
قال ابن المنذر:
ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف: دليل على أن ذلك في حال الأمن أوجب.
” الأوسط ” ( 4 / 135 ).
وقال ابن القيم:
ووجه الاستدلال بالآية من وجوه:
أحدها أمره سبحانه لهم بالصلاة في الجماعة ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية بقول { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك }، وفي هذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان إذ لم يسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، ولو كانت الجماعة سنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية: لسقطت بفعل الطائفة الأولى، ففي الآية دليل على وجوبها على الأعيان، فهذه على ثلاثة أوجه: أمره بها أولًا، ثم أمره بها ثانيًا، وأنه لم يرخص لهم في تركها حال الخوف.
” الصلاة وحكم تاركها ” ( ص 137 ، 138 ).
- قوله تعالى:{ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين } [ البقرة / 43 ]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة، وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها، والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها كما سماها الله سجودًا وقرآنًا وتسبيحًا، فلا بد لقوله { مع الراكعين } من فائدة أخرى وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين والمعية تفيد ذلك، إذا ثبت هذا الأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال؛ فإن قيل فهذا ينتقص بقوله تعالى:{ يا مريم اقتني لربك واسجدي واركعي مع الركعين } [ آل عمران / 43 ]، والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة، قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم بخصوصها أمرت بذلك بخلاف قوله:{ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين }، ومريم كانت لها خاصية لم تكن لغيرها من النساء؛ فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله ولعبادته ولزوم المسجد وكانت لا تفارقه، فأمرت أن تركع مع أهله ولمَّا اصطفاها الله وطهَّرها على نساء العالمين أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء قال تعالى: { وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العلمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين } [ آل عمران / 42 و 43 ].
فإن قيل: كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا كقوله تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } [ التوبة / 119] فالمعية تقضي المشاركة في الفعل ولا تستلزم المقارنة فيه، قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد أمرًا زائدًا على المشاركة ولا سيما في الصلاة، فإنه إذا قيل: صلِّ مع الجماعة أو صليتُ مع الجماعة، لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة. ” الصلاة وحكم تاركها ” ( 139 – 141 ).
- عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ” والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا، أو مِرْمَاتين حسنتين لشهد العشاء “.
رواه البخاري ( 618 )، ومسلم ( 651 ).
– عرْق: العظم.
– مرماتين: ما بين ظلفي الشاة من اللحم.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن اثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلًا يصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار “. رواه البخاري ( 626 )، ومسلم ( 651 ).
قال ابن المنذر:
وفي اهتمامه بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم: أبين البيان على وجوب فرض الجماعة، إذ غير جائز أن يحرِّق الرسول صلى الله عليه وسلم مَن تخلف عن ندب، وعما ليس بفرض. ” الأوسط ” ( 4 / 134 ).
وقال الصنعاني:
والحديث دليل على وجوب الجماعة عينًا لا كفايةً، إذ قد قام بها غيرهم فلا يستحقون العقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك واجب أو فعل محرم. ” سبل السلام ” ( 2 / 18، 19 ).
- عن ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة. رواه أبو داود ( 552 ) وابن ماجه ( 792 ).
والحديث: قال عنه النووي: إسناده صحيح أو حسن.
” المجموع ” ( 4 / 164 ).
قال ابن المنذر:
فإذا كان الأعمى لا رخصة له: فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة.
” الأوسط ” ( 4 / 134 ).
وقال ابن قدامة:
وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدا فغيره أولى.
” المغني ” ( 2 / 3 ).
- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من سرَّه أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإنهن من سنن الهدى وأن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو أنكم تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف.
وفي لفظ، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّمَنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. رواه مسلم ( 654 ).
قال ابن القيم:
فوجه الدلالة: أنه جعل التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم؛ وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل مكروه، ومن استقرأ علامات النفاق في السنَّة: وجدها إما ترك فريضة، أو فعل محرم، وقد أكد هذا المعنى بقوله: ” من سرَه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن ” وسمَّى تاركَها المصلي في بيته متخلفًا تاركًا للسنَّة التي هي طريقة رسول الله التي كان عليها وشريعته التي شرعها لأمته، وليس المراد بها السنَّة التي مَن شاء فعلها ومَن شاء تركها؛ فإن تركها لا يكون ضلالًا، ولا من علامات النفاق كترك الضحى وقيام الليل وصوم الإثنين والخميس.
” الصلاة وحكم تاركها ” ( ص 146 ، 147 ).
- إجماع الصحابة:
قال ابن القيم:
إجماع الصحابة رضي الله عنهم ونحن نذكر نصوصهم:
قد تقدم قول ابن مسعود رضي الله عنه: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: من سمع المنادي فلم يجب بغير عذر فلا صلاة له.
وعن علي رضي الله عنه قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، قيل: ومَن جار المسجد؟ قال: مَن سمع المنادي “.
وعن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر.
وعن علي رضي الله عنه قال: من سمع النداء من جيران المسجد وهو صحيح من غير عذر فلا صلاة له. ” الصلاة وحكم تاركها ” ( ص 153 ).
والأدلة كثيرة اكتفينا بما سبق، ويمكن الرجوع إلى كتاب ابن القيم ” الصلاة وحكم تاركها ” ففيها زوائد وفوائد.
رابعًا:
أما صلاة النافلة: فإن الأفضل أن تصلى في البيوت، اللهم إلا إن كان يسن لها الاجتماع في المسجد كصلاة الكسوف، أو ثبت الترغيب بأدائها في المسجد مثل التنفل قبل صلاة الجمعة، وقد ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله، ومن الأدلة على ما قلنا:
- عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا “. رواه البخاري ( 422 ) ومسلم ( 777 ).
قال النووي:
قوله صلى الله عليه وسلم ” اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا “: معناه: صلُّوا فيها، ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة، والمراد به: صلاة النافلة، أي: صلوا النوافل في بيوتكم. ” شرح مسلم ” ( 6 / 67 ).
- عن زيد بن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة – قال: حسبت أنه قال: من حصير – في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم، فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة “.
رواه البخاري ( 698 ) ومسلم ( 781 ).
قال الحافظ ابن حجر:
ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتى التحية، كذا قال بعض أئمتنا.
ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: ما يشرع في البيت وفي المسجد معا فلا تدخل تحية المسجد؛ لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة.
” فتح الباري ” ( 2 / 215 ).
– والاحتمال الذي ذكره الحافظ أقرب إلى الصواب.
- عن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه فقالت كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر وكان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا قاعدا وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين. رواه مسلم ( 730 )، ونحوه من حديث ابن عمر في الصحيحين.
قال النووي:
فيه استحباب النوافل الراتبة في البيت كما يستحب فيه غيرها، ولا خلاف في هذا عندنا، وبه قال الجمهور وسواء عندنا وعندهم راتبة فرائض النهار والليل.
قال جماعة من السلف: الاختيار فعلها في المسجد كلها.
وقال مالك والثوري: الأفضل فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد وراتبة اليل في البيت.
ودليلنا: هذه الأحاديث الصحيحة، وفيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الصبح والجمعة في بيته وهما صلاتا نهار مع قوله ص أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة وهذا عام صحيح صريح لا معارض له فليس لأحد العدول عنه والله أعلم.
” شرح مسلم ” ( 6 / 9 ، 10 ).
- عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا “.
رواه مسلم ( 778 ).
قال المناوي:
” إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده “: يعني: أدى الفرض في محل الجماعة، وخص المسجد لأن الغالب إقامتها فيه، ” فليجعل لبيته “: أي: محل سكنه، ” نصيبا “: أي: قِسما، ” من صلاته “: أي: فليجعل الفرض في المسجد والنفل في بيته لتعود بركته على البيت وأهله كما قال ” فإن الله تعالى جاعل في بيته من صلاته “: أي: من أجلها وبسببها، ” خيرًا ” : أي: كثيرًا عظيمًا، كما يؤذن به التنكير، لعمارة البيت بذكر الله وطاعته، وحضور الملائكة، واستبشارهم، وما يحصل لأهله من ثواب وبركة.
وفيه: أن النفل في البيت أفضل منه في المسجد ولو بالمسجد الحرام …
” فيض القدير ” ( 1 / 418 ).
والأدلة على ذلك أكثر من هذا، فصلاته صلى الله عليه وسلم الرواتب، وقيام الليل، والضحى كل ذلك كان في بيته صلى الله عليه وسلم، وقد تركنا ذلك اختصارًا وفيما سبق كفاية، وقد ذكر بعض العلماء لذلك حِكَمًا:
قال ابن قدامة:
والتطوع في البيت أفضل … ولأن الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، وهو من عمل السر، وفعله في المسجد علانية والسر أفضل.
” المغني ” ( 1 / 442 ).
وفيه أيضًا: تذكير الناسي، وتعليم الجاهل من أهل البيت أو من يراه.
وأما دليل صلاة الكسوف في المسجد:
- عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجرُّ رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس فقال صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم. رواه البخاري ( 993 ).
وأما دليل التطوع قبل صلاة الجمعة في المسجد:
- عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادَّهن أو مسَّ من طيبٍ، ثم راح فلم يفرِّق بين اثنين، فصلَّى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت: غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى “.
رواه البخاري ( 868 ).
والله أعلم.


