ما حكم رفع الأيدي في الدعاء ومسح الوجه بهما؟
السؤال
ما حكم رفع الأيدي في الدعاء ومسح الوجه بهما؟
الجواب
الحمد لله
- أما رفع اليدين في الدعاء: فهو من السنة، وقد جاءت أحاديث في فضل ذلك، وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء في مواطن كثيرة.
أما فضل رفع الأيدي في الدعاء:
عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله حييٌّ كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين “. رواه الترمذي ( 3556 ) وأبو داود ( 1488 ) وابن ماجه ( 3865 ). والحديث: حسَّنه الترمذي.
وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء: فقد ثبت ذلك في مواطن كثيرة، ومنها:
- عن أنس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكراع وهلك الشاء فادع الله أن يسقينا، فمدَّ يديه ودعا.
رواه البخاري ( 890 ) ومسلم ( 895 ).
– الكُراع: الخيل.
– الشاء: جمع شاة.
- عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. رواه البخاري ( 1664 ).
- عن أبي موسى قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ به ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، ورأيت بياض إبطيه فقال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس. رواه البخاري ( 6020 ) ومسلم ( 2498 ).
وغير ذلك كثير، حتى عدَّ علماء الحديث مسألة رفع اليدين في الدعاء من ” المتواتر المعنوي “.
* قال السيوطي:
قد قسم أهل الأصول المتواتر إلى لفظي وهو: ما تواتر لفظه، ومعنوي وهو: أن ينقل جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة تشترك في أمر يتواتر ذلك القدر المشترك كما إذا نقل رجل عن حاتم مثلا أنه أعطى جملا وآخر أنه أعطى فرسا وآخر أنه أعطى دينارا وهلمَّ جرًّا فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم وهو الإعطاء لأن وجوده مشترك من جميع هذه القضايا.
قلت: وذلك أيضا يتأتى في الحديث، فمنه ما تواتر لفظه كالأمثلة السابقة، ومنه ما تواتر معناه كأحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع. ” تدريب الراوي ” ( 2 / 180 ).
- الصحيح أنه لا يجوز مسح الوجه بعد الدعاء، وقد تواتر في السنة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه، ولم يُعلم أنه كان يمسح وجهه بعد دعائه.
– وقد استدل من قال بالمسح بأحاديث، لكنها – عند التحقيق – ليست صحيحة، ولا يقوِّي بعضها بعضًا، وهذه الأحاديث هي:
أ. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما – وفي رواية ” لم يردَّهما ” – حتى يمسح بهما وجهه “.
رواه الترمذي ( 3386 ).
قال الترمذي: هذا حديث غريب – أي: ضعيف – لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد به وهو قليل الحديث وقد حدث عنه الناس.
قلت: وحمَّاد بن عيسى: هو ابن عبيدة الجهني وهو ضعيف جدًّا.
قال ابن حبان:
حماد بن عيسى الجهني شيخ يروي عن ابن جريج وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز أشياء مقولبة تتخايل إلى من هذا الشأن صناعته أنها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به. ” المجروحين ” لابن حبان ( 1 / 253 ، 254 ).
ب. عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تستروا الجدر من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم “.
رواه أبو داود ( 1485 ) وابن ماجه ( 1181 ).
قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضا.
قلت: وعلَّة الحديث: صالح بن حسَّان، وهو ضعيف جدًّا أيضًا.
قال ابن الجوزي:
صالح بن حسان المدني، سكن البصرة، يروي عن عكرمة والقرظي.
قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال البخاري والرازي: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: كان يروي الموضوعات عن الأثبات، وقال ابن طاهر: صالح كذاب.
” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 2 / 47 ).
ج. عن السائب بن يزيد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ” كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه “. رواه أبو داود ( 1492 ).
قال الشيخ الألباني رحمه الله:
وهذا سند ضعيف، لجهالة حفص بن هاشم، وضعْف ابن لهيعة، ولا يتقوى الحديث بمجموع الطريقين – أي: حديث عمر، وهذا الحديث – لشدة ضعف الأول منهما كما رأيتَ. ” إرواء الغليل ” ( 2 / 179 ).
- أما أقوال العلماء بالمنع من المسح، فمنها:
أ. قال أحمد بن حنبل: لا يعرف هذا أنه كان يَمسح وجهه بعد الدعاء إلا عن الحسن.
” العلل المتناهية ” ( 2 / 840 ، 841 ).
ب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان، لا تقوم بهما حُجة.
” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 519 ).
ج. قال العز بن عبد السلام: ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل.
” فتاوى العز بن عبد السلام ” ( ص 47 ).
والله أعلم.


