كيف نفسِّر وجود طائفة من الخلق وُلدوا مسلميِن وآخرين يبذلون الجهد ليحققوا ذلك؟
السؤال
مرَّت بي أوقات عصيبة بخصوص إسلامي بسبب والديَّ؛ لأنهما مختلفان دينيًّا وثقافيًّا، وهما مطلَّقان، سؤالي هو: لماذا يكافح بعض الناس للحصول على معرفة بالإسلام وآخرون أتى حظهم أنهم مسلمون؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
مما لا شك فيه أن أعظم نعمة ينعمها الله على عباده أن يولد لأبوين مسلمين، ويعيش مسلماً، ويموت مسلماً، وهذا من فضل الله تعالى حيث لم يحتج أن يبحث ذلك المُنعم عليه بين الأديان ليتعرف على الدين الصحيح الذي يحبه الله ويرضاه ولا يرضى غيره، وليس للعبد هذا كسب في هذا الفضل بل هي منَّة خالصة من الله تعالى ربِّه.
ولا يعني هذا أن كل من وُلد لأبوين مسلمين أنه عرف قدر هذه النعمة وعمل على شكرها، بل رأينا الكثير الكثير ممن كفر هذه النعمة ولم يستفد شيئًا من كونه فتح عينيه على الدنيا ليرى الإسلام والمسجد وفتح أذنيه على سماع كلمة التوحيد, ولذا انحرف هؤلاء إلى طرق الضلالة والغي والغواية والكفر، ولم يكونوا مسلمين إلا بأسمائهم، وقد كان بعض الباحثين عن الدين الحق أفضل منهم – ولا تصح المقارنة أصلاً – حيث عرف أن الإسلام هو دين الله تعالى الذي لا يرضى من عباده غيره، فقرأ وتأمل حتى دخل في هذا الدين باقتناع والتزم أحكامه بقوة .
لذا – أخي السائل – ليس الأمر إلا مزيد فضل من الله تعالى على من شاء من عباده أن يولَدوا مسلمين، ولم يظلم الآخرين حيث بيَّن لهم طريق الحق والضلال، ووضح لهم سبيله المستقيم وأمرهم بالسير عليه، وسبل الشيطان الأخرى وحذَّرهم من سلوكها، وها أنت ترى من وُلد لأبوين مسلمين وانحرف إلى الضلال، وترى من وُلد لأبوين كافر فاستقام على الهدى.
ومن الأمثلة الواضحة في هذا الباب ترفع عنك الإشكال ما تعلمه من حال بعض المرسلين في دعوتهم والاستجابة لها، فها هو نوح عليه السلام أي شيء استفاده ابنه وزوجته منه وهو النبي المرسل الذي دعاهما الليل والنهار فلم يستجيبا وماتا على الكفر؟! وأي شيء استفاده والد إبراهيم – عليه السلام – من ابنه الذي ما فتئ يدعوه وينصحه ويعظه وهو يأبى ذلك بل ساهم في إلقائه في النار؟! وأي شيء استفادته امرأة لوط وهي زوجة نبي مرسل يدعوها إلى الحق وتأبى إلا الكفر؟! وفي الوقت نفسه ها هو فرعون من كبار طواغيت الأرض وها هي زوجته تعلن إسلامها وتكفر بزوجها، وهكذا هي حال البشر إما أن يُنعم الله على بعضهم بنعمة الإسلام فيشكرها ويعمل بمقتضاها، وإما أن يُحرم من هذه النعمة لكنه يبحث بجد واجتهاد ليصل إلى الحق الذي أنزله الله تعالى وأمر عباده بسلوك طريقه، وعلى كلا الطرفين أن يلهج دوما بقوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) الأعراف/ 43، ويقول – كما كان يقول أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم -:
والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
قال الشيخ محمد عطية سالم – رحمه الله -:
وقد قال العلماء: هناك ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها .
الأولى: وجوده بعد العدم .
الثانية: نعمة الإيمان.
الثالثة: دخول الجنة.
وقالوا: الإيجاد من العدم تفضلٌّ من الله تعالى كما قال ( لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) الشورى/ 49،50 ، ومن جعله الله عقيماً فلن ينجب قط .
والثانية: الإنعام بالإيمان، كما في قوله تعالى ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) القصص/ 56، وقد جاء في الحديث ( كل مَولود يُولد على الفِطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه ) الحديث – متفق عليه -، وكون المولود يولد بين أبوين مسلمين لا كسب له في ذلك.
والثالث: الإنعام بدخول الجنَّة، كما في الحديث ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) – متفق عليه -.
” تتمة أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن ” ( 9 / 3 ).
ثانيا:
وأما بخصوص ما هو واقع بين والديك من اختلاف في الثقافة والدين فهو نفسه الاختلاف الواقع بين أفراد البشر، وما حصل بينهما من طلاق هو أمر اعتيادي، والذي ننصحك به لتجمع شملهم في الدنيا على خير ولتجتمع معهم في الآخر على أحسن حال: أن تسعى لأن يكون كلاهما من المسلمين؛ فبتوحد دينهم سيسهل كل ما هو صعب مما يفرِّق بينهما، وهما والداك ولهما حق عليك عظيم، ومن أعظم حقوقهما عليك أن تجعلهما يشاركانك في السعادة التي أنت فيها وأنت مسلم توحد الله تعالى وتشهد لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فلا تتوانى في الأمر، فهو مهمة جليلة وسترى آثارها الطيبة بإذن الله في الدنيا قبل الآخرة، واستعن على ذلك بالدعاء لهما مع بذل الأسباب الحسية لتلك المهمة، ويمكنك الاستفادة من أهل الخبرة في بلدك لتحقيق ذلك الأمر، ونسأل الله تعالى أن يسددك وأن يوفقك وأن يتقبل منك صالح عملك وأن يهدي والديك لما فيه سعادتهما دنيا وآخرة.
والله أعلم.


