بعض أحكام الردة والمرتدين

السؤال

أنا مسرور لأني وصلت إلى موقعك هذا.

أقدم لك هذه المعلومات عني، فقد وُلدت مسلمًا، وتلقيتُ الكثير من التعليم الإسلامي بعد بلوغي، ومنذ أن تعلمتُ كيف أصلي وأنا أحافظ على الفروض الخمسة ( يوميًّا )، ولم يفوتني صيام أي من أشهر رمضان،  وقد بدأت الآن محاولًا استيعاب وفهم أمور ديني.

كنت أفعل تلك الأمور جميعها دون أن أسأل عنها أحدًا وبدون فهم كامل لها، وكلما ثارت شكوك ( أو استفسارات ) عندي، سألت عنها الكبار في قريتي، وكان جوابهم على تلك الأسئلة التي لم يكن عندهم لها إجابة: ” الله أعلم ” أو ” إذا فكرت بتلك الطريقة فأنت مرتد “.

أعلم أن الثقافة والعادة والدين كانت تسبب لي الحيرة في بعض الأحيان، أنا من جنوب شرق آسيا، حيث أجدادي هم من الأرواحية – ( الاعتقاد بأن الروح أو النفس هي المبدأ الحيوي المنظم للكون – ” المورد ” ( ص 49 ) – وبعض تقاليدنا مرتبطة بما كان عليه الوضع في الأيام الغابرة.

لكني كنت محظوظًا لأني سافرت لأمريكا وقابلت بعض المسلمين، والذين كان من بينهم علماء، وعلمت بوجود ثقافات أخرى هي إسلامية أيضًا.

والآن إلى سؤالي:

فقد قلتَ في إحدى إجاباتك المتعلقة بموضوع الردة أن عقوبة المرتد الموت، لكني قرأت في ( ICNA ) في قسم الأسئلة والأجوبة أن المرتد الذي يتخذ موقفا محاربًا للدين ( هو الذي ) يجب قتله، رأيان متضاربان،  لكني أميل إلى رأي ( ICNA ) أكثر.

والسبب في ذلك هو: أن لي أصدقاء وُلدوا من عائلات إسلامية، ويتسمون بأسماء إسلامية، لكن بعضهم لا يعرف حتى كيف يتوضأ، ولذلك فإنهم لا يصلون، وهم يعرفون الشهادتين.

والجماعة – ( الجالية ) – الإسلامية في دولتي تولي وتعتني بأمر تربية وتأسيس أطفال غيرها إسلاميًّا أكثر مما توليه لأطفال أفرادها، ولذلك فإن من بيننا ما يزيد على 20 اسمًا إسلاميًّا ممن لا يعرف أصحابها شيئًا عن الإسلام، ولنقل أن ( أحد هؤلاء ) يعرف كيف ينطق بالشهادتين، والتي هي بغير لغته الأم التي ينطق بها، ثم يقوم هذا المذكور بالتحدث ضد الإسلام أو يعلن تركه للدين، فهل نقتله، أو والديه أو أهل قريته لأنهم أهملوا أمره؟ لكن، هل كان ذلك الشخص مسلمًا أساسًا؟.

إن وجهة رأيك حول إقامة عقوبة القتل على المرتد قد تقبل في دولة مسلمة حيث الجميع مسلمون حقًّا بالفعل والاعتقاد، لكني لا أستطيع أن أرى السبب الذي يجعل المسلم الحقيقي يرتد عن دينه العظيم هذا، ما لم يكن منافقاً منذ البداية!

أرجو أن تتناول مسألة ” قتل المرتد ” بمزيد تفصيل آخذًا في الاعتبار الظروف المذكورة أعلاه، وإن كان ذلك يندرج في سياق محدد، فما هو؟.

أنا أنتظر جوابك بفارغ الصبر كي أفهم ديني بطريقة أفضل، شكرًا لك، والسلام عليكم.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

ينبغي على المسلم عند حاجته للاستفسار عن دينه سؤال أهل العلم دون الذهاب إلى كبار أهل قريته أو سؤال من لم يعرف عنه اشتغال بالعلم ومعرفة بأحكام الشرع.

ثانيًا:

وعلى المسلم أن لا يميل إلى قول دون قول لمجرد موافقة القول لهواه أو لعقله، بل لا بد أن يأخذ الحكم بدليله، ولا بد أن يقدِّم نصوص الشريعة وأحكامها على كل شيء مما عداها.

ثالثًا:

الإسلام يكون بالاعتقاد، والقول، والعمل معًا، والكفر والخروج من الدين قد يكون بأحد هذه الثلاثة.

فقد تكون الردة قولًا قلبيًا كتكذيب الله تعالى، أو اعتقاد أن خالقًا  مع الله عز وجل، وقد تكون عملًا قلبيًّا كبغض الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تكون الردة قولًا  باللسان كسبِّ الله تعالى أو رسوله -صلى الله عليه وسلم، وقد تقع الردة بعمل ظاهر من أعمال الجوارح كالسجود للصنم، أو إهانة المصحف.

– والمرتد شرٌّ من الكافر الأصلي.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – في الرد على الاتحادية الباطنية -:

ومعلوم أن التتار الكفار خير من هؤلاء فإن هؤلاء مرتدون عن الإسلام من أقبح أهل الردة، والمرتد شرٌّ من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة، وإذا كان أبو بكر الصديق قاتل المرتدين بمنعهم الزكاة: فقتال هؤلاء أولى.

” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 193 ).

رابعًا:

وقد ذكر العلماءُ أعذاراً لمن يقع في الكفر فعلًا أو قولًا أو اعتقادًا، ويمكن إجمالها في أربع حالات، وما سوى ذلك من الأعذار فإنه يدور في فلكها وهي:

أولًا: العذر بالجهل.

ثانيًا: العذر بالتأويل.

ثالثًا: العذر بالإكراه.

رابعًا: العذر بالخطأ.

أما الأول: فهو أن يكون الرجل جاهلًا لحكم الله تعالى، بسبب بعده عن ديار الإسلام كالذي ينشأ في البادية أو في ديار الكفر أو أن يكون حديث عهد بجاهلية وما أشبهه.

والثاني: هو أن يفسر الرجل حكم الله تعالى على غير مراد الشرع، كمن قلد أهل البدع فيما تأولوه من الجهمية والمرجئة والمعتزلة والخوارج ممن يخطئون في تفسير صفات الله تعالى.

والثالث: هو أن يتسلط ظالم بعذابه على رجل من المسلمين فلا يخلي سبيله حتى يواتيه إلى ما يريد من الكفر دون أن يكفر قلبه ويظل قلبه مؤمنا.

والرابع: ما يسبق على اللسان من لفظ الكفر دون قصد له – أي: للفظ -.

وليس كل واحدٍ ممن جهل الوضوء والصلاة يمكن أن يكون معذورًا وهو يرى المسلمين يقومون بالصلاة ويؤدونها، ثم هو يقرأ ويسمع آيات الصلاة، فما الذي يمنعه من أدائها أو السؤال عن كيفيتها وشروطها؟.

خامسًا:

والمرتد لا يقتل مباشرة بعد وقوعه في الردة، بل يجب استتابته قبل إقامة حد القتل عليه من قِبل الحاكم ليرجع إلى الإسلام، فإن لم يفعل استحق القتل.

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة “. رواه البخاري ( 6484 ) ومسلم ( 1676 ).

وقد أجمع الصحابة على هذا، وقد يكون هذا المرتد محاربًا لله ورسوله ولدينه فيزيد على ردته: محاربة للدين فمثل هذا يُقتل من غير استتابة، وكذا من أدخل عقائد فاسدة على الدين ودعا إليها، وهو ما يسمى ” الزنديق “، ومثله – أيضًا – يُقتل من غير استتابة على قول بعض العلماء من المالكية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

إن الردة على قسمين: ردة مجردة، وردة مغلظة شرع القتل على خصوصها، وكلتاهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها؛ والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعمّ القسمين، بل إنما تدل على القسم الأول – أي: الردة المجردة -، كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الثاني – أي: الردة المغلظة – وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نص ولا إجماع بسقوط القتل عنه، والقياس متعذر مع وجود الفرق الجلي، فانقطع الإلحاق، والذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه، بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرّق بين أنواع المرتدين ….” الصارم المسلول ” ( 3 / 696 ).

والحلاّج من أشهر الزنادقة الذين تمّ قتلهم دون استتابة، قال القاضي عياض:

وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهيــة والقول بالحلول، وقوله: ” أنا الحق ” مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته.

” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 2 / 1091 ).

وعليه: فيتبين خطأ ما قاله الأخ السائل من كون المرتد لا يقتل إلا إن كان محاربًا للدين، والتفريق الذي ذكرناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية لعله أن يزيل الإشكال ويوضح المراد.

وليست المحاربة للدين ما كانت باليد فقط، بل قد تكون باللسان أيضًا، وهي أشد من المحاربة باليد في بعض الصور.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

المحاربة نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان، والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد – كما تقدم تقريره في المسألة الاولى -، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يَقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد، خصوصًا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته؛ فإنها إنما تمكن باللسان، وكذلك الإفساد قد يكون باليد، وقد يكون  باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد، كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد، فثبت أن محاربة   الله ورسوله صلى الله عليه وسلم باللسان أشد، والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد.

” الصارم المسلول ” ( 3 / 735 ).

سادسًا:

وأما ترك الصلاة: فالصحيح أن تاركها كافر مرتد.

عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر “.

رواه الترمذي ( 2545 ) والنسائي ( 459 ) وابن ماجة ( 1069 ).

قال الوادياشي:

رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ولا نعرف له علة. ” تحفة المحتاج ” ( 1 / 575 ).

وعن أبي سفيان قال: سمعت جابرًا يقول:  سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة  “. رواه مسلم ( 116 ).

فعليه ذهب عامة الصحابة إلى تكفير تارك الصلاة، ومن السلف: عبد الله بن شقيق، وإبراهيم النخعي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك، والحكم بن عتيبة … وغيرهم.

– ويترتب على تارك الصلاة ما يترتب على المرتد من أحكام.

قال الشيخ ابن عثيمين:

إذا كانت امرأة متزوجة وزوجها لا يصلي أبدًا لا مع الجماعة ولا مع غير الجماعة: فإنه ينفسخ نكاحها منه، ولا تكون زوجة له، ولا يحل أن يستبيح منها ما يستبيح الرجل من امرأته؛ لأنها صارت أجنبية منه، ويجب عليها في هذا الحال أن تذهب إلى أهلها، وأن تحاول بقدر ما تستطيع أن تتخلص من هذا الرجل الذي كفر بعد إسلامه – والعياذ بالله -.

فعلى هذا أقول – وأرجو أن يكون النساء يسمعن ما أقول -: أي امرأة يكون زوجها لا يصلي: فإنه لا يجوز لها أن تبقى طرفة عين حتى ولو كانت ذات أولاد منه، فإن أولادها في هذه الحال سوف يتبعونها ولا حق لأبيهم في حضانتهم؛ لأنه لا حضانة لكافر على مسلم، ولكن إن هدى الله زوجها وعاد إلى الإسلام وصلى: فإنها تعود إليه ما دامت في العدة، وإن انقضت عدتها قبل أن يعود إلى الصلاة: فأمرها بيدها، وذهب أكثر العلماء إلى أن زوجة المرتد إذا انقضت عدتها لا تعود إليه إذا أسلم إلا بعقدٍ جديدٍ.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 746 ، 747 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة