كيفية القراءة والاستفادة من الكتب الفقهية

السؤال

أرجو من فضيلتكم أن ترشدني إلى أقوم السبل المفضية إلى الاستفادة من كتب الفقه.

وجزاكم الله خيرا.

الجواب

الحمد لله

أولا:

بذل العلماء عموما والفقهاء خصوصا جهودا عظيمة لبيان دين الله، وإيضاح الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنَّة، وهم يستحقون منَّا الدعاء لهم بالرحمة، فقد علَّموا المسلمين أحياءً وأمواتا، ومن حقهم علينا – أيضا -: العناية بكتبهم، وإخراجها محققة، في أبهى صورة.

* قال الطحاوي – رحمه الله -:

وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين – أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر – لا يذكرون إلا بالجميل، ومَن ذكرهم بسوء: فهو على غير السبيل.

انتهى.

* وقال شارحها ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله -:

كلُّ أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه و سلم علماؤها شِرارها، إلا المسلمين؛ فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات مِن سنَّته، فبهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ابن أبي العز الحنفي ( ص 491 ).

ثانيا:

* وأما عن كيفية الاستفادة من الكتب الفقهية: فيتمثل في الأمور الآتية:

  1. اقتناء الكتب الموثوق نسبتها إلى مؤلفها، وعدم الاغترار بالطبعات التجارية، والتي يحرص أصحابها على نسبة كتاب لعلَم من أجل الدرهم والدينار.
  2. الحرص على كون النسخة الموثوقة محققة المتن، مخرَّجة الأحاديث، سواء كان تخريجها في الكتاب نفسه، أم خارجه، وقد تيسر ذلك كثيرا، فما من مذهب فقهي إلا وخرجت أحاديث أشهر كتبه، وحكم عليها بما تقتضيه الصناعة الحديثية.
  3. قراءة مقدمة المؤلف في أول الكتاب؛ وذلك للوقوف على ما يقصده من المصطلحات في ثنايا كتابه، وفي المقدمة يَعرض المؤلف – غالبا – منهجه في الكتاب، وطريقة تصنيفه، وتقسيمه، وهذا يسهِّل على القارئ كثيرا من الصعاب التي قد تعتريه في قراءته، ويزيل بها إشكالات قد يجدها أثناء استفادته، وفي تلك القراءة توفير لوقت وجهد هو أولى به، فقد لا يكون الكتاب هذا فيه بغيته من المسائل والأحكام التي يريد معرفتها، والوقوف على أحكامها، فتلك القراءة للمقدمة، وذلك الاطلاع عليها يوفِّر له ما يُشترى بأنفس الأثمان.
  4. تدوين الفوائد النادرة، والمسائل المهمة، وخاصة تلك التي قد يجدها في غير مظان بحثها، ويكون ذلك التقييد على جلدة الكتاب من الداخل، مع ذِكر رقم الصفحة، أو في بطاقات خارجية، وفي هذا الفعل تسهيل الرجوع إلى تلك الفائدة إذا احتاج لإثباتها، كما يسهل عليه هذا الفعل مراجعة فوائد الكتاب بغرض حفظها، وخاصة بعد انقضاء وقت كبير من القراءة.
  5. تخصيص الوقت المناسب لقراءة تلك الكتب، ونعني به الوقت الخالي من الشواغل؛ لأن المسائل الفقهية تحتاج إلى ذهن صافٍ، وقلب غير مشتغل بشيء يعكر عليه فهم تلك المسائل، ويفضل أن يكون أول النهار أو آخر الليل، حتى لا ينشغل بأولاد، أو هاتف، أو ضيف.
  6. كما ننصحه بأن يجعل هذا الوقت في مقدار معيَّن لا يتجاوزه، ولا ينقص عنه، ومن المهم للطالب هذا؛ حتى لا يستغرق عمره في فن واحد، ولحاجة هذا العلم لعلوم أخرى لا بدَّ من تحصليها، كعلم أصول الفقه، واللغة، والحديث.
  7. وليحرص القارئ على الكتب الفقهية التي تُعنى بالدليل الشرعي – كـ ” المُغني ” لابن قدامة، و ” المجموع ” للنووي، و ” الشرح الممتع ” للعثيمين – وليدع النظر في كتب الفقه الذي تعصَّب مؤلفوها – وهم قليل إن شاء الله – لقول إمامهم، ويلوون أعناق النصوص من أجل أن توافق فتوى إمامهم.
  8. لا ننصح الطالب المبتدئ في الفقه أن يقرأ لابن حزم كتابه ” المحلَّى “؛ وذلك بسبب ما فيه من ألفاظ جارحة للمخالفين، وما فيه من قسوة عبارة، وجفاء أسلوب، ومن غير المناسب أن يتربى الطالب على مثل هذه الأخلاق، وخاصة أنها في حق علماء، وأئمة!، وأما بعد أن يشتد عوده: فلا حرج من الاستفادة من ذلك الكتاب.
  9. أن يحرص القارئ أن لا ينشغل بالخلافات الفقهية بين المذاهب والمدارس الفقهية، وليحرص على الاستفادة من وقته بقراءة الكتاب كاملا، وبعد أن يتدرج في المراحل يمكنه العمل على تحقيق القول في بعض المسائل بحسب أهميتها عنده، وأما أن ينشغل في أول طلبه في تحقيق المسائل المختلف فيها: فقد يضيع كثير من وقته ولمَّا يحقق مسألة واحدة، وقد يصيبه اليأس من الطلب والتحصيل فيترك القراءة، وهذا بخلاف أن يقرأ كتابا كاملا بجميع فصوله وأبوابه؛ فإن في هذا إحاطة بمجمل مسائل الفقه، وهذا يشجعه على الاستمرار لا يثبطه على تكملة المسيرة.
  10. المذاكرة مع إخوانه، ومشايخه، وفي المذاكرة فوائد كثيرة، منها:

أ. ضبط المسألة والتأكد منها، فقد يكون فهمها خطأ.

ب. مراجعة حفظه لها، ومعرفة مدى إتقانه لفروعها، وأدلتها.

ج. إحياؤها في ذهنه، وفي أوساط إخوانه، والعلم الذي لا يُذاكر يموت، ولذا قالوا ” إحياء العلم مذاكرته “، وقد يستفيد من هذه المذاكرة بالإضافة لما سبق فائدة أو أكثر من الطرف المُذاكَر معه.

* قال أبو إسحاق الألبيري ينصح ولده:

وكنزٍ لا تخافُ عليه لصا     خفيفَ الحملِ يوجدُ حيثُ كنتَ

يزيدُ بكثرةِ الإنفاقِ منه       وينقصُ إن كفّاً به شددتَ

 

د. تشجيع الطرف الآخر على البحث، والقراءة، والطلب.

  1. الأفضل أن يفضل بالكتب الفقهية الميسرة، ولا يبدأ بالأكبر والأصعب؛ خشية السآمة، وانغلاق الطريق عليه، ولا يشترط أن تكون كتبا في مذهب معيَّن، ونفضل أن تكون البداية في قراءة كتب فقه الحديث، كـ ” سبُل السلام ” للصنعاني، و ” نيل الأوطار ” للشوكاني، وما يشبهها.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الذي ينبغي: أن يتعلم الشخص من العلوم ما يحتاج إليه، كما سبق في جواب السؤال الثالث، ولا يلزمه أن يبدأ بشيء من كتب الفقه وأصول الفقه لمذهب معين، بل يختار من ذلك ما هو الأسهل، والأصلح بمشاورة أهل العلم، ليستعين بذلك على فهم الكتاب والسنة. الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 82 ، 83 ).

  1. لا يشتغل الطالب بالترجيح قبل أن يتأهل لذلك، وإذا لم يكن متأهلاً فليسأل من يثق بعلمه ودينه، وليلتزم ترجيح شيخه ومعلمه، حتى يتمكن من الترجيح.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

عندما نقرأ في كتب الفقه نجد كثيرا من المسائل فيها أكثر من قول، فما هو موقف طالب العلم من ذلك، وما موقفه إذا ذكرت المسألة بلا دليل؟.

فأجابوا:

إذا كان طالب العلم أهلا للترجيح، وعنده مقدرة على اختيار ما يراه بدليله:؛ جاز له ذلك، وإذا لم يكن أهلا لذلك: سأل من يثق بعلمه.

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الرزاق عفيفي, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 93 ، 94 ).

 

كما يمكنك الاستماع لأشرطة العلماء من أهل السنَّة؛ ففيها خير عظيم.

 

والله الموفق.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة