أمرها زوجها أن لا تطيع والدها كثير التدخل في شؤونهما
السؤال
لقد مضى على زواجي عامين والحمد لله، كما أني رزقت مولودا الآن، ووالد زوجتي يريد أن يتدخل في جميع أمورنا، فمثلا ما حدث مؤخرا عندما وضعت زوجتي, فقد كنت خارج البلاد, وكنت قد أخبرت زوجتي بأن والدي سوف يسمي الطفل, وأنه سيعق عنه أيضا، لكنّ والدها أراد تسمية المولود وعمل العقيقة دون استشارة والدي، لكنّ والدي هو الذي سمى حفيده وعقّ عنه أيضا.
والد زوجتي يتدخل في العديد من الأمور المشابهة دون أن يستأذنني، وزوجتي تحاول إقناعه لكن دون جدوى, فهي ضعيفة، إنّ والدها يقول لها مثلا: بعد الزواج, أليس لي أي حقوق وما شابه ذلك؟ أنا والحمد لله أحاول جاهدا أن أتبع الإسلام وأن أتمسك بالقيم الإسلامية، لقد أخبرت زوجتي بأنه من الآن فصاعدا فإنّ عليك أن تطيعيني أنا ووالديّ, وألا تتصرفي وفقا لما يقوله لك والداك.
أنا أطلب منك النصيحة وتقديم الاقتراحات حول تلك الأحايين التي يكون فيها ورطة، حيث يريد والدها منها أن تفعل شيئا بينما أخبرها أنا ألا تفعله، أرجو أن تدعو لي بأن يرشدني الله والمسلمين إلى الطريقة الصحيحة.
وجزاكم الله خيرا
الجواب
الحمد لله
أولاً :
إذا تزَوَجَت المرأة، أصبح زوجها هو المسؤول عنها في كل شؤونها وعليها طاعته، وطاعته مقدمة على طاعة غيره من الناس حتى ولو كان والد المرأة أو أي أحد من أهلها.
والدليل على ما قلنا:
- قول الله تعالى: { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا } [ النساء / 34 ].
وقد قال الإمام القرطبي: وقوَّام: فعَّال للمبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.” تفسير القرطبي” ( 5 / 169 ).
وقال رحمه الله تعالى: فاعلم أن الله عز وجل لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صراحا إلا هنا، وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن بأزواجهن بمعصية الكبائر، وولَّى الأزواج ذلك دون الأئمة وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات؛ ائتماناً من الله تعالى للأزواج على النساء. ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 173 ).
وقال ابن حزم – في معنى هذه الآية -: وإنما فيها أنه قائم عليها يسكنها حيث يسكن ويمنعها من الخروج إلى غير الواجب ويرحلها حيث يرحل” المحلى ” ( 9 / 508 ).
- عن ابن بريدة عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي فلأسجد لك، قال: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرتُ المرأة تسجد لزوجها. رواه الدارمي ( 1464 ). والحديث : قال الألباني في ” صحيح الجامع ” رقم (5294) : صحيح.
ثانياً :
وأما ما قاله العلماء في هذه المسألة فنذكر من ذلك ما يلي:
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وليس على المرأة بعد حق الله ورسوله أوجب من حق الزوج حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها، وعنه:” أن النساء قلن له: إن الرجال يجاهدون ويتصدقون ويفعلون ونحن لا نفعل ذلك فقال: حسن فعل أحدكن بعد ذلك”، أي : أن المرأة إذا أحسنت معاشرة بعلها كان ذلك موجبا لرضاء الله وإكرامه لها من غير أن تعمل ما يختص بالرجال، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 275 ).
- وقال ابن مفلح : وقيل: لها زيارة أبويها ككلامهما ولا يملك منعها من زيارتها في الأصح ولا يلزمها طاعة أبويها في فراق وزيارة ونحوه بل طاعة زوجها أحق. ” المبدع ” ( 7 / 203 ).
- وقال الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي: ويحرم عليها الخروج بلا إذنه ولو لموت أبيها، لكن لها أن تخرج لقضاء حوائجها حيث لم يقم بها، ولا يملك منعها من كلام أبويها ولا منعهما من زيارتها ما لم يخف منهما الضرر، ولا يلزمها طاعة أبويها بل طاعة زوجها أحق. ” دليل الطالب ” ( ص 251 ) .
- وقال المرداوي: …لا يلزمها طاعة أبويها في فراق زوجها ولا زيارة ونحوها بل طاعة زوجها أحق. ” الإنصاف ” ( 8 / 362 ).
- وقال ابن ضويان: وقال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا أن يأذن لها، ويستحب إذنه لها في عيادتها وشهود جنازتهما؛ لما فيه من صلة الرحم والمعاشرة بالمعروف ومنعها يؤدي إلى النفور ويغرى بالعقوق، ولها أن تخرج لقضاء حوائجها التي لا بد لها منها للضرورة، ولا يملك منعها من كلام أبويها ولا منعها من زيارتها؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ما لم يخف منهما الضرر فله المنع دفعا للضرر، ولا يلزمها طاعة أبويها في فراقه ومخالفته بل طاعة زوجها أحق لوجوبها عليها. “منار السبيل” ( 2 / 198 ).
– وقد سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن مثل هذا، فإليك السؤال والجواب:
سئل رحمه الله عن امرأة وزوجها متفقين وأمها تريد الفرقة فلم تطاوعها البنت فهل عليها إثم في دعاء أمها عليها؟.
فأجاب:
الحمد لله، إذا تزوجت لم يجب عليها أن تطيع أباها ولا أمها في فراق زوجها ولا في زيارتهم ولا يجوز في نحو ذلك، بل طاعة زوجها عليها إذا لم يأمرها بمعصية الله أحق من طاعة أبويها، وأيما امرأة ماتت وزوجها عليها راض دخلت الجنة، وإذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك ولو دعت عليها، اللهم إلا أن يكونا مجتمعين على معصية، أو يكون أمره للبنت بمعصية الله والأم تأمرها بطاعة الله ورسوله الواجبة على كل مسلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 112- 113 ).
ثالثاً :
وأما كيف تتصرف مع والد زوجتك؟.
فيكون ذلك بالنصح والحسنى ودعوته لقبول أمر الله تعالى عن طريق بيان حكم الله تعالى وحكم الشرع في هذه المسألة، فلو جلست معه جلسة بعيدة عن العناد والمشاحنة ودعوته لحل هذه المشكلة بما يحكم به الشرع؛ لأن الحكم ابتداءً وانتهاءً لله ولرسوله ولا يحل لأحد أن يخالف أمر الله ورسوله.
وبعد ذلك عرضت عليه الأدلة والبراهين من كلام الله وكلام رسوله وأقوال العلماء كما بيناها لك آنفا، ثم من بعد هذا نسأل الله تعالى أن يفوق الرجل للاستجابة لما تريدانه من الحق.
والله أعلم.


