حكم العمل في ” هيئة المحلَّفين ” في محكمة غير شرعية في بلاد غير إسلامية
السؤال
هل يجوز لشخص يعيش في بلاد غير مسلمة أن يعمل في ” الهيئة القضائية ” في إحدى المحاكم، وعلى وجه التحديد أن يكون عضوًا من أعضاء ” هيئة المحلفين “، وهم عبارة عن 12 شخصًا، يحددون ما إذا كان الشخص مذنبًا أم لا، بعد الاستماع إلى الدعاوى والردود …الخ؟.
الجواب
الحمد لله
إن الحكم على الشخص المدان، والمعروضة قضيته على هيئة المحكمة بكونه مذنبًا أو ليس بمذنب: يعدُّ حكمًا، وقضاءً، ومن شرط الحكم والقضاء أن يكون مبنيًّا على كتاب الله، وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان ذلك في الحكم على الكفَّار، أو فيما بينهم.
قال تعالى: ( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) المائدة/ من الآية42.
وقال تعالى: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) المائدة/ 49.
* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزلَ اللَّهُ ) هذه الآية هي التي قيل: إنها ناسخة لقوله: ( فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ )، والصحيح: أنها ليست بناسخة، وأن تلك الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم مخيَّر بين الحكم بينهم، وبين عدمه، وذلك لعدم قصدهم بالتحاكم للحق، وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم: فإنه يحكم بينهم بما أنزل الله، من الكتاب، والسنَّة، وهو القسط الذي تقدم أن الله قال: ( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ )، ودلَّ هذا على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام، فإنها المشتملة على غاية العدل، والقسط، وما خالف ذلك: فهو جور، وظلم.
” تفسير السعدي ” ( ص 234 ).
* وقال الإمام الطبري – رحمه الله -:
وأما قوله: ( إن الله يحب المقسطين ): فمعناه: إن الله يحب العادلين في حكمهم بين الناس، القاضين بينهم بحكم الله الذي أنزله في كتابه، وأمْرِه أنبياءَه صلوات الله عليهم.
” تفسير الطبري ” ( 10 / 335 ).
* وقال علماء اللجنة الدائمة:
لا يجوز أن يعمل المسلم قاضيًا إلا في المحاكم الشرعية، التي تطبق شرع الله في جميع أحكامها. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 136 ، 137 ).
ولا يخفى على أحد أن مرجع الحكم على الناس في تلك البلاد، وفي كثير من البلاد الإسلامية – وللأسف – ليس هو الكتاب والسنَّة، وعليه فسيكون الانطلاق من الحكم على الناس – مسلمين وكفارًا – إنما هو القوانين الوضعية، والتي تضاد في تشريعاتها تشريعات رب العالمين، ولا لقاء ولا تقارب بين ما شرعه الله تعالى وحيًا من عنده، وبين كتبه أولئك بأيديهم تشريعًا للناس في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ليس لأحدٍ أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين، ولا الكفار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك، إلا بحكم الله، ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك: تناوله قوله تعالى ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )، وقوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ). ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 35 / 407 ، 408 ).
* والخلاصة:
أنه لا يجوز لك العمل في هيئة المحلفين، بل ولا في أي قسم من أقسام المحاكم التي تحكم بين الناس بغير شرع الله تعالى.
والله أعلم.


