كان متوسط الحال ثم صار غنيًّا فتزوج بأخرى فهل يكون ظالمًا لزوجته الأولى بذلك؟

السؤال

شخص يسأل: كنت متوسط الحال أو أقرب للفقر، ثم تزوجت من زوجتي الأولى، وسكنت معي في بيت أهلي، وصبرت معي في حياتي، وتشاركنا الأفراح والأتراح، والآن قد منَّ الله عليَّ وأغناني من فضله، وأصبحت أملك الملايين بما يكفي للنفق العادلة – بإذن الله – والآن أنا أرغب في الزواج بأخرى.

فسؤالي هو: هل يعتبر زواجي بأخرى وأنا في حالة غنى وثراء ظلم لزوجتي الأولى التي عاشت معي في عيشتي الصعبة مسبقًا؟.

جزاكم الله خيرًا وبانتظار جوابكم مفصلًا، وأرجو ألا تحيلوني على أسئلة مسبقة.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الزواج من ثانية – في الأصل – ليس ظلمًا للزوجة الأولى، والزواج من ثالثة ليس ظلمًا للأولى والثانية، والزواج من رابعة ليس ظلمًا لمن سبقها، ومن قال ذلك: فقد نسب للشرع المطهر ترغيبه بالظلم! وهذا مُحال، فالظلم قبيح وهو محرَّم بالإجماع، والظلم هو التعدي على الآخرين، وأخذ حقوقهم، فأين حق الأولى المأخوذ منها ظلمًا وبغيًا بتزوج زوجها عليها من أخرى؟!.

فالتعدد في الزوجات ليس ظلمًا بحد ذاته وفي أصل تشريعه، وإنما يأتي الظلم من سلب حقوق الزوجة الأولى – مثلًا – وعدم الإيفاء بما أوجب الله تعالى عليه تجاهها، وهذا الظلم قد يقع على الزوجة الثانية!، وقد يقع الظلم من صاحب الزوجة الواحدة، بل هو الأكثر، وهذه المحاكم الشرعية تعج بالقضايا، والنسبة العظمى منها هي لزواجات لأصحاب زوجة واحدة، فالظلم يقع في تصرفات الزوج وليس في أصل تزوجه، فمن يميل مع الزوجة الثانية مع سلب الأولى حقوقها من المبيت والنفقة والمسكن: فيكون ظالمًا لها، ومن يعطي كل واحدة حقَّها: فلا يكون ظالما.

قال علماء اللجنة الدائمة – وسئلوا إن كان في تزوج الزوج من أخرى يعد ظلمًا للأولى -:

ليس في النكاح المذكور ظلم للزوجة الأولى؛ لأن الله سبحانه أباح التعدد، فقال تعالى: ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ). الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 444 ، 445 ).

ثانيًا:

وأما تزوج الزوج من أخرى بعد أن أغناه الله وصار قادرًا على العدل بين زوجتيه: فهو أمر طبيعي، وكان يمكن أن يكون ظالمًا لو أنه تزوج قبل أن يغنيه الله تعالى! إذ الفقر مظنة عدم القدرة على القيام بحقوق الزوجتين، ولهذا فقد أمر الله تعالى غير القادرين على القيام بالعدل بين الزوجات الاكتفاء بواحدة، بل ومن كان غير قادر على إعطاء الزوجة الواحدة حقوقها أن يكتفي بمِلك اليمين! وهذا كلُّه في تأسيس الشريعة للنهي عن الظلم وإعطاء أصحاب الحقوق حقهم.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: إباحته تعدد الزوجات إلى أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن: لزمه الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه، كما قال تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) النساء/ 3، ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها: هي إباحة تعدد الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كلَّ العُقَلاء.

– وساق بعضًا من تلك الأمور كتعرض المرأة للحيض والنفاس الليالي ذوات العدد .

ثم قال:

فإن خاف الرجل ألا يعدل بينهن: وجب عليه الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه؛ لأن الله يقول: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ ) النحل/ 90.

” أضواء البيان ” ( 3 / 22 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمِن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن، فإن خاف شيئًا من هذا: فليقتصر على واحدة، أو على ملك يمينه؛ فإنه لا يجب عليه القسْم في ملك اليمين.

– ( ذَلِك ) أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين.

– ( أَدْنَى أَلا تَعُولُوا ) أي: تظلموا.

وفي هذا أن تعرُّض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب – ولو كان مباحًا -: أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية؛ فإن العافية خير ما أعطي العبد.

” تفسير السعدي ” ( ص 163 ).

وما يحصل بين الضرات من خصومات يحصل مثله بين أفراد الأسرة الواحدة، ونحن على علم واطلاع على قطيعة بين أشقاء بعضهم مع بعض، وأولاد مع أبيهم، وتستمر تلك القطيعة إلى موتهم جميعًا!.

وأما ما تظنه الزوجة الأولى أن زوجها ظلمها بمشاركة الزوجة الثانية لقلبه أو لماله: فليرد هذا على الأبناء! فإن الولد الثاني سيشارك الولد الأول قلب أبيه وأمه وسيكون شريكه في الميراث! وهكذا الولد الثالث والرابع، فهل يتوقف عاقل عن إنجاب الولد الثاني خشية أن يَظلم الأول في الحب والميراث؟! إن المصالح العظيمة في النكاح من أخرى والمصالح العظيمة في الإنجاب تجعل ذلك التفكير ساذجًا كما هو واضح بيِّن.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وما يزعمه بعض الملاحدة من أعداء دين الإسلام من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلى نكد الحياة لأنه كلما أرضى إحدى الضرتين سَخطت الأخرى فهو بين سخطتين دائمًا، وأن هذا ليس من الحكمة: فهو كلام ساقط، يظهر سقوطه لكل عاقل؛ لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه ألبتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين أولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة، فهو أمر عادي ليس له كبير شأن، وهو في جنب المصالح العظيمة التي ذكرنا في تعدد الزوجات من صيانة النساء، وتيسير التزويج لجميعهن، وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكثير في وجه أعداء الإسلام: كلا شيء؛ لأن المصلحة العظمى يقدَّم جلبها على دفع المفسدة الصغرى.

فلو فرضنا أن المشاغَبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة، أو أن إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة مفسدة: لقُدمت عليها تلك المصالح الراجحة التي ذكرنا … .

فالقرآن أباح تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطّل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمَّة ليكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة الله هي العليا، فهو تشريع حكيم خبير، لا يطعن فيه إلا من أعمى الله بصيرته بظلمات الكفر.

” أضواء البيان ” ( 3 / 23 ، 24 ).

ثالثًا:

ولتعلم الزوجة الفاضلة أن كثرة المال مظنة الفتنة، وأن تفكير الزوج في تصريف شهوته بنكاح شرعي مما ينبغي أن يُشجع عليه خشية وقوعه في الفتنة التي يقع فيها كثير من أهل الأموال، فوجود بيوت متعددة لهذا الرجل الغني ووجود أولاد له من كل واحدة من شأنه أن يضبط شهوته وتصرفاته فلا يجد من الوقت ما يجده أصحاب الأموال من أهل الدنيا ليصرفه في غير حلال ومباح، فنرى أن تفكير الزوج الذي أنعم الله تعالى بالمال بالتزوج من ثانية وثالثة هو في صالح دينه فلا ينبغي التثريب عليه ولا صده عما ينويه من قضاء وطره مع امرأة يتزوجها على الكتاب والسنَّة.

سئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

الرجل عندما يكثر ماله فأول ما يفكر فيه هو الزواج على زوجته ليس لغاية بناء أسرة ولكن للمتعة.

فقال الشيخ رحمه الله:

فيها العافية، فيها العافية، فيها العافية.

فقال السائل:

مباح يعني؟.

قال الشيخ:

نعم، وهل تريد تصرفه إلى الحرام؟!.

فقال السائل:

لا.

ثم قال الشيخ:

مباح، وليس عليه أي شيء، لكن نحن نأمره بأن يضم إلى هذا المباح: مستحب، وهو أن يكثِّر سواد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويكثِّر الأجر عند ربِّه بتربيته لنفسه وذريته.

” أشرطة سلسلة الهدى والنور ” ( شريط رقم 521 ).

والخلاصة:

ليس في تزوج الزوج من ثانية بعد أن أغناه الله تعالى ظلم للزوجة الأولى، بشرط أن يقوم بالعدل الذي أوجبه الله تعالى عليه، وهو: أن يعدل في النفقة، وفي المبيت، وفي السكن، وفي الكسوة.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة