حلف بوضع يده على المصحف ألا يفعل معصية وفعلها ناسيًا وذاكرًا

السؤال

كنت أرتكب معصية فوضعت يدي على المصحف، وأقسمتُ أني لن أعود إلى هذا الفعل مرة أخرى، علمًا أنى أريد إرضاء الله، والتشديد على نفسي بالامتناع عن ذلك الفعل بالقسم، ثم وقعت في تلك المعصية، مرة ناسيًا القسم، ومرتين متذكرًا القسم، فهل من توبة؟ هل من كفارة؟ وما هي؟ علمًا بأني طالب، وما زلت آخذ أموالي من والدتي، ولا أعلم مساكين في بلدي – لكن يوجد أكيد الكثيرين، لكن لست أعرفهم – كما أن تلك الأموال قد ترهق أمي ماديًّا، ولكنها ستعطيني إياه إن طلبتها، وأسألكم الدعاء لي بأن تدمع عيني، ويخشع قلبي، ويستجاب لي.

جزاكم الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يطهِّر قلبك وجوارحك، وأن يحفظ عليك دينك، وأن يجنبك الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

واعلم أن القسم على عدم فعل المعصية هو بمعنى العهد تعقده بينك وبين ربك تعالى، وقد نقضت ذلك العهد بفعلك لتلك المعصية بعد أن عاهدت ربك تعالى على تركه، والكف عنه، – مع حنثك في يمينك – وهذا الفعل منك عظيم، وينبغي أن تعلم أن نقض العهد مع الله أشد إثمًا من نقضه مع خلقه، وأن الله تعالى قد ذكر ذلك أنه من صفات المنافقين، أو أنه قد يعاقب الفاعل عليه بالنفاق.

قال تعالى: ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) البقرة/ 27.

وقال تعالى: ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ ) التوبة/ 75 – 77

*قال القرطبي – رحمه الله -:

قال علماؤنا: لما قال الله تعالى: ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه، ولم يعتقده بقلبه، واحتمل أن يكون عاهد الله بهما، ثم أدركته سوء الخاتمة؛ فإن الأعمال بخواتيمها، والأيام بعواقبها.

و ( مَن ) رفع بالابتداء والخبر في المجرور، ولفظ اليمين ورد في الحديث، وليس في ظاهر القرآن يمين، إلا بمجرد الارتباط، والالتزام، أما إنه في صيغة القسم في المعنى: فإن اللام تدل عليه، وقد أتى بلامَيْن: الأولى للقسم، والثانية لام الجواب، وكلاهما للتأكيد. ومنهم من قال: إنهما لاَ مَا القسم؛ والأول أظهر، والله أعلم.

” تفسير القرطبي ” ( 8 / 210 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله تعالى: ( بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد، وكذبهم، كما جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان )، وله شواهد كثيرة، والله أعلم.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 184 ).

فالواجب عليك أن تتقي الله ربك في يمينك، وفي الوفاء بعهدك معه تعالى، والمعصية التي أقسمت على عدم فعلها هي محرَّمة عليك بيمين، وغيره، ولكن إن فعلتها بعد يمين: كان عليك إثم فعلها، وإثم نقض العهد مع الله، والحنث في تلك اليمين.

ثانيًا:

وبخصوص فعلك للمعصية مع نسيانك لليمين: فإنك لا تؤاخذ عليه، ولا تلزمك كفارة يمين.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

رجل حلف بالله ألا يصافح الحريم بيده، وبعد مدة دخل مجلسًا فيه حريم، جيران لهم، وصافحهم وهو ناسي يمنيه السابق، ويسأل ماذا يترتب عليه؟.

فأجابوا:

إذا كان الأمر كما ذكره السائل من أنه صافح بيده الحريم بعد حلفه اليمين لعدم مصافحتهن، وأن ذلك كان منه على سبيل النسيان: فلا حرج عليه لقوله تعالى: ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنًا ) الآية، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” عُفى من أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه “.

وإن حصل منه شيء مستقبلًا وهو ذاكر عامد: لزمته كفارة اليمين، مع العلم أنه لا يجوز له شرعًا مصافحة النساء، إلا أن يكنَّ من محارمه، كأمه ، وأخته، وبنته، ونحوهن. الشيخ عبد العزيز بن بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 23 / 62 ).

ولا يترتب على نسيانك لليمين هذا شيء؛ لأنك فعلت المعصية بعد ذلك عامدًا، وهو ما أوجب عليك كفارة يمين.

ثالثًا:

وأما ما فعلته من المعصية عامدًا، ذاكرًا ليمينك: فإن عليك كفارة يمين، وليس تكرار الفعل لها يوجب عليك كفارتين، بل هي كفارة واحدة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الواجب على من حلف على ألا يفعل معصية: أن يثبت على يمينه، وألا يعصي الله عز وجل، فإن عاد إلى المعصية مع حلِفه ألا يفعلها: فعليه كفارة يمين، وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، والصوم لا يجزئ في كفارة اليمين إلا مَن عجز عن هذه الأشياء الثلاثة: العتق، والإطعام، والكسوة، وأما مَن قدِر: فلو صام ثلاثة أشهر: لا يجزئه.

وإني أنصح هذا الأخ أن يكون قوي العزيمة، ثابتًا، وألا يجالس أهل المعصية التي تاب منها، بل يبتعد عنهم، حتى يستقر ذلك في نفسه.

” فتاوى نور على الدرب ” لابن عثيمين – ( الشريط رقم 374 ، وجه ب ).

وبما أنك تخبر أنك طالب، وأنك لا تستطيع الإطعام ولا الكسوة: فعليك بصيام ثلاثة أيام عن حنثك في يمينك، وليس شرطًا أن تكون متتابعة، مع التنبيه على أن هذه الكفارة هي مقابل حنثك في يمينك، لا في مقابل ذات المعصية، وإنما تحتاج لتوبة صادقة عن فعل تلك المعصية.

رابعًا:

وأما الحلف ووضع اليد على المصحف: فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحدٍ من أصحابه، بل الظاهر أنه بدعة، واليمين ينعقد بالقسم نفسه، وما يُزعم أنه وضع اليد هي من باب تغليظ اليمين: لا أصل له.

* قال القرطبي – رحمه الله -: وزاد أصحاب الشافعي التغليظ بالمصحف، قال ابن العربي: وهو بدعة، ما ذكرها أحد قطُّ من الصحابة.

” تفسير القرطبي ” ( 6 / 354).

* وقال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله – رادًّا على من أجاز تغليظ اليمين بالمصحف-: قال الشافعي: رأيتهم يؤكدون بالمصحف، ورأيتُ ” ابن مازن ” وهو قاضي بصنعاء يغلظ بالمصحف. قال أصحابه: فليغلظ عليه بإحضار المصحف؛ لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه. وهذا زيادة على ما أمر به رسولُ الله صلى الله عليه و سلم في اليمين، وفعلُه الخلفاء الراشدون، وقضاتُهم، من غير دليل، ولا حجة يستند إليها، ولا يترك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لفعل ابن مازن، ولا غيره. ” المغني ” ( 12 / 119 ).

خامسًا:

ونرجو الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يحبب إليك الإيمان، ويزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.

واعلم أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده النادمين، وأنه تعالى يحب التوابين، ويحب المتقين، فإذا أريت الله صدقًا في توجهك وتقربك لك: أعانك، ووفقك، وسددك، ورقق قلبك، وأدمع عينك.

واعلم أنه إن قسا القلب: قحطت العين، فإذا أردت رقة القلب، ودمع العين: فعليك بالطاعات، فافعلها، وعليك هجر المعاصي، والكف عن فعلها، واحرص على الصحبة الطيبة، وعلى أذكار الصباح والمساء، وعلى ورد قرآني، واحرص على القيام والصيام، فهما يرققان القلب، ويهذبان الجوارح، بتوفيق الله، وفضله.

واحذر من القنوط من رحمة الله، فالله تعالى عفوٌّ، يحب العفو، فسارع إلى ربك بتوبة صادقة، واعزم على عدم العود لكل ما يُسخط ربك تعالى.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة