صورة لقرض ربوي في مؤسسة أمريكية، مع بيان حكم العقد.
السؤال
على فرض أني اشتريت منزلًا بخمسمائة ألف دولار أمريكي، وأريد أن أدفع تكاليف دراسة ابني – على سبيل المثال -, وسوف أقوم بأخذ مئة ألف دولار من إحدى المؤسسات, وسوف يقومون بتوقيع عقد معي بما يتعلق بمنزلي، وهذا العقد يتضمن الآتي:
بعد خمس سنوات إذا قمتُ ببيع المنزل فسوف يكون الربح، أو الخسارة، مناصفة بيني، وبينهم، والنسبة تكون بنفس القيمة التي كانت عليه عندما تم توقيع الاتفاق, وإذا قمتُ ببيع المنزل بعد سنَة واحدة: فسوف يأخذون مني قيمة جزائية قيمتها 25 % من المائة ألف دولار، إضافة إلى مناصفة الربح والخسارة بيني بينهم، وإذا بعتُ المنزل بعد سنتين سوف تكون القيمة الجزائية قيمتها 20 % وهلم جرًّا، وحتى الخمس سنوات فسوف لن يكون هناك أي قيمة جزائية إلا المناصفة في الربح، أو الخسارة.
فما حكم هذه الصفقة من حيث الحل والحرمة ؟ وما حكم الشرط الجزائي الذي تم وضعه ؟ بالمناسبة, هذا الأمر هو حقيقي، فإن هذا العرض تقوم به أحد المؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا يمكن تخيل وجود مؤسسات إقراض في العالم الغربي تخلو من تحقيق أرباح لها، تأخذها مقابل ما تقوم به من إقراض الآخرين؛ وليس عندهم ” حرام ” يقفون عنده، ولا ” استغلال ” يوقفهم عن أخذ المزيد من أموال غيرهم، وقد سرى ذلك للمؤسسات في الدول الإسلامية – وللأسف – فلم تعد تجد شيئاً منها يقرض الناس قرضًا حسنًا، وما وُجد فهو قليل.
وهذا القرض الوارد ذِكره في السؤال هو من القروض التي يحرم على المسلم أن يأخذ منها شيئًا؛ لاشتمال القرض على منفعة لصاحبه، وقد اتفق العلماء على توصيف هذه القروض بأنه ربوية، والمنفعة هنا: مالية، ولهم طريقان في تحصيلها:
- عن طريق أخذ نسبة مئوية على القرض، عند بيع البيت.
- مشاركة المقترض في أرباح بيته عند بيعه بعد خمس سنوات.
والقروض التي تحتوي على منافع لأصحابها: لا شك بأنها ربوية.
والشرط الجزائي الذي تضعه مؤسسة الإقراض الربوية: شرط محرَّم، وهو من الربا المحرَّم، وإنما يجوز من الشروط الجزائية ما هو متعلق بالأعمال، لا المال؛ ففرض غرامة تأخير على المقاولين – مثلًا – في أعمالهم: جائز، بخلاف فرض غرامة على التأخر في سداد الديْن – مثلًا -؛ لأن من شأن استيفاء مال زائد على القرض بهذا الشرط أن يجعل العقد ربويًّا محرَّمًا، حتى لو كان المقترض يعلم من نفسه أنه لا يتأخر في السداد؛ إذ مجرد وجود مثل ذلك الشرط يفسد العقد.
* وقد أصدر ” المجمع الفقهي ” قراره رقم: 108 ( 2 / 12 ) بشأن بطاقة الائتمان غير المغطاة برصيد، فقالوا: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة، ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازمًا على السداد ضمن فترة السماح المجاني. انتهى.
ثانيًا:
ومع وضوح وجه الربا في العقد الوارد في السؤال : فإنه قد اشتمل – كذلك – على أمرٍ آخر محرَّم ، وهو ” المقامرة ” ؛ وذلك أنه لا يُدرى أيربح صاحب البيت عندما يبيع بيته ، أم يخسر ، والمؤسسة الربوية تلك قد اتفقت مع المقترض على مناصفة الربح والخسارة في حال باه البيت من السنة الأولى إلى الخامسة ، وهذه – لا شك – دخول في عقد مقامرة .
* والخلاصة:
لا يجوز لمسلم الاقتراب من تلك المؤسسات الربوية، وحتى لو كان القرض ليس يترتب عليه فوائد ربوية إلا في حال أن يبيع المقترض بيته فيتم استيفاء زيادة على القرض؛ لأن مجرد وجود هذا الشرط الربوي يجعله فاسدًا، وها هو العالَم يجني تعديه على شرع الله، وعلى ظلم الناس، باستحلال الربا، وها هي البنوك الربوية العالَمية تعلن إفلاسها، والمؤسسات القائمة على الربا غيرها تُعلن خرابها! فسرِّح الموظفون من وظائفهم، وخسر المودعون أموالهم، وطُرد أصحاب البيوت المرهونة للبنوك الربوية منها، ولعلَّ ذلك أن يكون عبرة لمعتبر، فيقف عند حدود الله تعالى، ولا يتعداها، ويسأل ربه تعالى أن يغنيه بالحلال عن الحرام.
والله أعلم.


