رد تفصيلي على أدلة من أجاز التعامل بالربا مع الكفار في ديارهم

السؤال

أنا ساكن – يا شيخنا – في إحدى الدول الإسكندنافية، وقد انتشرت بين المسلمين فتنة الربا ، أو داء الربا – بتعبير أصح -، وذلك من خلال فتوى اعتمد عليها هؤلاء، أخذوها من ” دار الإفتاء المصرية “، بدعوى أن المعاملات المالية الفاسدة مع الكافر المحارب جائزة، وينسبون ذلك لأبي حنيفة رحمه الله، وتلميذه محمد بن الحسن، ويشهرون ذلك في وجوهنا – نحن أتباع السلف، ولا نزكي على الله أحدًا – ولكن كي تكون الأمور واضحة لسيادتكم, وأتوا بـ 6 أحاديث، يزعمون أنها الأدلة على جواز أخذهم الربا.

وهنا نص فتواهم من موقع ” دار الإفتاء المصرية “:

http://www.dar-alifta.org/Print.aspx?Type=1&ID=4402

نرجو الرد المفصل – شيخنا العزيز – فالفتنة أصابتنا، ونرجو منكم ردًّا، وعدم إرجاعنا إلى فتوى سابقة، لكي تكون فتواكم تبيانًا للحق.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الربا من كبائر الذنوب، وقد توعَّد الله المرابين بالمحق أموالهم في الدنيا، والعذاب في البرزخ، وفي المحشر بعد خروجهم من قبورهم، عدا عن توعدهم بنار جهنم. قال تعالى: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) البقرة/ 276.

وقال تعالى: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة/ 275.

وعن سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: ( هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا ) قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: ( إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا … قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ – حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ – أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ … وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ: فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا ).

رواه البخاري ( 1320 ) و ( 6640 ).

ثانيًا:

والرفض لهذا الحكم من الكفار، والتساهل فيه من قبل المسلمين أدَّى إلى كوارث في أموالهم، وها نحن الآن – شهر شوال 14229 هـ – نشهد دمارًا عالميًّا لدول قامت على الربا، وجاهرت بنظامها الاقتصادي المتين الذي أقامته عليه، وها هي مجتمعاتهم تئن وتتوجع جرَّاء محاربتهم لله تعالى بإعلان هذا المنكر العظيم، فقد أعلنت شركاتهم الربوية إفلاسها، وقد أغلقت أعتى البنوك العالمية أبوابها، وأعلنت فقدانها للسيولة النقدية! فهبَّت دولهم للوقوف بجانبها، وأنَّى لها أن تخرج من هذا الدمار بغير خسائر بشرية ومالية!.

ونعجب من مسلمين يلبسون العمائم، ويتكلمون باسم الدين، أصابهم الخوَر، وبحثوا عن أقوال من هنا وهناك لإرضاء المسلمين الذين يعيشون في الغرب، فأفتوا لهم بأخذ القروض الربوية من بنوك تلك البلدان، فشملت هؤلاء مصائب أولئك القوم، وها هم الآن قد اشتركوا معهم في الإفلاس، فلا هم بالذين نجوا من الوقوع في الحرام، ولا هم بالذين تملكوا بيوتهم التي اشتروها بالربا.

ثالثًا:

ومع تحريم الربا الصريح في كتاب الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أننا نجد من يأتي ويبيح هذا الربا الصريح بدعوى عدم شمول الربا لصورته، وبدعوى خروجه من عموم التحريم، وهو ما أفتى به بعضهم من جواز أخذ القروض الربوية من البنوك الربوية الجاثمة في ديار الكفر، بدعوى أن هذه فتوى أبي حنيفة رحمه الله! وهو بالإضافة إلى الافتراء على الشرع بإباحة هذه الصورة: فهو افتراء على أبي حنيفة وصاحبه، فإنهما لم يقولا بما نسبه إليه هؤلاء.

رابعًا:

* ولبيان ذلك باختصار نقول: إن من أفتى بتلك الفتيا خالف ما قاله أبو حنيفة من جهتين:

الأولى: أن هؤلاء المفتين لا يعدُّون دول الغرب ” ديار حرب ” – بل ولا يسمونها ” ديار كفر “! -، وفتيا أبي حنيفة إنما هي في مثل هذه الديار.

والثانية: أن أبا حنيفة يفتي بجواز إعطاء أصحاب تلك الديار أمولًا وأخذ الربا منهم! لا أن يدفع المسلمون لهم الربا! وما ذاك إلا لأن أموالهم حلال للمسلمين باعتبارهم دار حرب، فالاستيلاء عليها بهذه الصورة عنده جائز.

فانظر أيها المسلم، وقارن، بين ما أفتاه ذلك الإمام – مع مخالفتنا له – وبين ما يفتي به هؤلاء لترى الفرق الشاسع بينهما، في الصورة، والحكم.

* فالشروط عند أبي حنيفة ومن وافقه من الحنفية لجواز التعامل بالربا:

  1. أن يكون العقد في أرضهم.
  2. أن يكون العقد مع كافر حربي هناك.
  3. أن لا يكون المسلم موكِلا للربا.
  4. أن يكون هو الآخذ للفائدة الزائدة الربوية.

انظر ” المبسوط ” ( 14 / 56 ).

وهؤلاء المفتون لا يطلقون اسم ” دار الحرب ” على تلك الديار، ويقولون بجواز أن يكون المسلم هو المقترض بفائدة ربوية! فافترقا، واختلفا.

خامسًا:

والصحيح الذي لا شك فيه أن ما قاله الإمام أبو حنيفة خطأ ، وأن الربا محرَّم بين مسلم ومسلم ، وبين مسلم وكافر ، وسواء كان العقد في ديار الإسلام ، أو ديار الكفر ، أو ديار الحرب ، فلم تأت الشريعة المطهرة بما يخرج صور الربا الجاهلي ما ظنوه خارجاً عنها .

* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

ويحرم الربا في دار الحرب، كتحريمه في دار الإسلام، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: لا يجري الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب، وعنه: في مسلميْن أسلما في دار الحرب: لا ربا بينهما؛ لما روى مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب “؛ ولأن أموالهم مباحة وإنما حظرها اختلفا في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحا.

ولنا: قول الله تعالى ( وحرَّم الربا ) البقرة/ 275، وقوله ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) البقرة/ 275، وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من   الربا ) البقرة/ 278، وعموم الأخبار يقتضي تحريم التفاضل، وقوله ” من زاد أو ازداد فقد أربى ” عام، وكذلك سائر الأحاديث؛ ولأن ما كان محرما في دار الإسلام: كان محرما في دار الحرب، كالربا بين المسلمين. ” المغني ” ( 4 / 47 ).

* وقال:

من دخل إلى أرض العدو بأمان: لم يخنهم في مالهم، ولم يعاملهم بالربا.

 * وقال – أيضًا -:

أما تحريم الربا في دار الحرب: فقد ذكرناه في الربا، مع أن قول الله تعالى: (وحرَّم الربا )، وسائر الآيات، والأخبار الدالة على تحريم الربا: عامة، تتناول الربا في كل مكان، وزمان. ” المغني ” ( 9 / 237 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

ودليلنا: عموم الأدلة المحرمة للربا, فلأن كل ما كان حرامًا في دار الإسلام: كان حرامًا في دار الشرك, كسائر الفواحش والمعاصي; ولأنه عقد فاسد فلا تستباح به العقود عليه كالنكاح ….

وأما استباحة أموالهم إذا دخل إليهم بأمان: فممنوعة, فكذا بعقد فاسد, ولو فرض ارتفاع الأمان: لم يصح الاستدلال; لأن الحربي إذا دخل دار الإسلام يستباح ماله بغير عقد، ولا يستباح بعقد فاسد, ثم ليس كل ما استبيح بغير عقد استبيح بعقد فاسد, كالفروج تستباح بالسبي, ولا تستباح بالعقد الفاسد.

” المجموع ” ( 10 / 487 ، 488 ).

سادسًا:

وقد استدل الحنفية قديمًا – ومن قلَّدهم حديثًا – بأدلة ضعيفة من حيث السند، وضعيفة من حيث الاستدلال، واستدلوا بما توهموا أنه دليل، وليس كذلك.

ومن أدلتهم التي استدلوا – بحسب ترتيب ما في الرابط -:

1. ما روى مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب “.

الرد:

الحديث مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، وقد ضعفه الشافعي، وابن حجر، والنووي، وآخرون.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

وما احتج به أبو يوسف لأبي حنيفة ليس بثابت، فلا حجة فيه.

” الأم ” ( 7 / 358، 359 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

والجواب عن حديث مكحول: أنه مرسل ضعيف فلا حجة فيه ولو صح لتأولناه على أن معناه ” لا يباح الربا في دار الحرب “؛ جمعًا بين الأدلة.

” المجموع ” ( 9 / 488 ).

* وقال ابن حجر – رحمه الله -:

لم أجده.

” الدراية في تخريج أحاديث الهداية ” ( 2 / 158 ).

2. واستدلوا بحديث بني قينقاع، قالوا: ” فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أجلاهم قالوا: إن لنا ديونًا لم تحل بعد، فقال: ( تَعَجَّلُوا أو ضَعُوا )، ولمَّا أجلى بني النضير قالوا: إن لنا ديونًا على الناس، فقال: ( ضعوا أو تعجلوا ).

وبين السرخسي وجـه الدلالة فقال: ” ومعلوم أن مثل هذه المعاملة – الربا المتمثل في قوله: ” ضعوا أو تعجلوا ” – لا يجوز بين المسلمين؛ فإنَّ من كان له على غيره دَيْن إلى أجل فوضع عنه بشرط أن يعجل بعضه: لم يجُز، كره ذلك عمر، وزيد بن ثابت ، وابن عمر رضي الله عنهم، ثم جوزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم؛ لأنهم كانوا أهل حرب في ذلك الوقت ولهذا أجلاهم، فعرفنا أنه يجوز بين الحربي والمسلم ما لا يجوز بين المسلمين “. انتهى.

الرد:

أ. حديث بني قينقاع: لم أجده، وحديث بني النضير: رواه الحاكم في ” المستدرك ” (2 / 61 ) والدارقطني في ” السنن ” ( 3 / 46 ) والبيهقي في ” السنن ” ( 6 / 28)، وهو حديث ضعيف، لا يصح  فيه: مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ الْمَكِّيُّ، وهو ضعيف.

ب. هذه المسألة يُطلق عليها عند الفقهاء ” ضع وتعجل “، ويطلق عليها – أيضًا – : ” صلح الإسقاط “، أو ” صلح الإبراء “، أو ” صلح الحطيطة “.

وهي ليست من الربا في شيء حتى تكون جائزة فقط بين المسلم والحربي، ومن قال بتحريمها قد خولف من غيره، وعلى رأس المجيزين الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، وأيده بالجواز شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وأفتى به علماء اللجنة الدائمة، والشيخ العثيمين، وبالجواز صدر القرار من ” مجمع الفقه الإسلامي”، سواء كان الطلب من الدائن، أو من المدين.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

إذا كان له على رجل ديْن مؤجل، وأراد ربُّ الدَّين السفر، وخاف أن يَتْوى ماله – أي : يذهب ويضيع -، أو احتاج إليه، ولا يمكنه المطالبة قبل الحلول، فأراد أن يضع عن الغريم البعض، ويعجل له باقيه: فقد اختلف السلف، والخلف في هذه المسألة:

فأجازها ابن عباس، وحرمها ابن عمر، وعن أحمد فيها روايتان، أشهرهما عنه: المنع، وهي اختيار جمهور أصحابه. والثانية: الجواز، حكاها ابن أبي موسى، وهي اختيار شيخنا – أي: ابن تيمية.

وحكى ابن عبد البر في ” الاستذكار ” ذلك عن الشافعي قولًا، وأصحابه لا يكادون يعرفون هذا القول، ولا يحكونه، وأظن أن هذا إن صح عن الشافعي فإنما هو فيما إذا جرى ذلك بغير شرط، بل لو عجل له بعض دينه – وذلك جائز – فأبرأه من الباقي حتى لو كان قد شرط ذلك قبل الوضع والتعجيل، ثم فعلاه بناء على الشرط المتقدم: صح عنده؛ لأن الشرط المؤثر في مذهبه: هو الشرط المقارن، لا السابق، وقد صرح بذلك بعض أصحابه، والباقون قالوا: لو فعل ذلك من غير شرط: جاز، ومرادهم: الشرط المقارن.

وأما مالك: فإنه لا يجوزه مع الشرط، ولا بدونه؛ سدًّا للذريعة، وأما أحمد: فيجوزه في ديْن الكتابة، وفي غيره عنه روايتان … .

وهذا ضد الربا؛ فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدَّيْن، وذلك إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع عليه، فإن ضرره لاحق بالمدين، ونفعه مختص برب الدَّيْن، فهذا ضد الربا، صورة، ومعنى.

” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 11 – 13 ).

فالحديث الذي ذكروه ضعيف، والصورة التي فيه ليست محرَّمة أصلًا على الراجح، سواء بين المسلمين بعضهم مع بعض، أو بين المسلمين والكفار، في دار الإسلام، أو في دار الكفر.

3. ومما استدلوا به: ” ما وقع عند مصارعته صلى الله عليه وآله وسلم رُكانة حين كان بمكة، فصرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل مرة بثلث غنمه، ولو كان مكروهًا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لمـا صرعه في المرة الثالثة قال ركانة: ما وضع أحد جنبي إلى الأرض، وما أنت الذي تصرعني، فرد رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم الغنمَ عليه.

* يقول السرخسي: ” وإنما رد الغنم عليه تَطَوُّلًا منه عليه، وكثيرًا ما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين يؤلفهم به حتى يُؤمِنوا “.

ولا يخفى أن مكة حينئذ لم تكن دار حرب، بل كانت دار كفر.

الرد:

أ. هذا ليس استدلالًا منهم على جواز الربا بين المسلم والكافر، بل هو لبيان صحة العقود الفاسدة، كالقمار، وهو أعم من مسألة إباحة الربا، ومع ذلك: فالقول باطل في أصله، والاستدلال بمصارعة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة في مكة لا يدل على جواز التعامل مع الكافر في دار الحرب بما هو محرَّم في شرعنا بين المسلمين.

– ويحمل حديث ركانة على أحد وجهين:

الأول: أن هذا من الأحكام المنسوخة، وذلك قبل تشريع تحريم الميسر في المدينة، وهذا هو قول جمهور العلماء.

الثاني: أن هذا من الأفعال الجائزة إلى يوم القيامة، وهو داخل في الرهان المباح من الجانبين، إذا كان فيما يحبه الله من الأعمال، وهذا قول شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله، وبمثله يرد على استدلالهم بمراهنة الصدِّيق للمشركين في مكة – كما سيأتي إن شاء الله – وهذا الأفعال يُلحق حكمها بالحديث الوارد في السنن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ ) . رواه أبو داود ( 2574 ) والترمذي ( 1700 ) وقال: هذا حديث حسن، والنسائي ( 6 / 226 ) وابن ماجه ( 2827 ) دون ذكر ” النصْل “، قال الحافظ ابن حجر: وصححه ابن القطان، وابن دقيق العيد . أ.ه‍ ‍” التلخيص الحبير ” ( 4 / 161)، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

– السَّبَق: العِوض، والجائزة، يبذلان للسابق.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وإذا ثبت هذا: فهو دليل على المراهنة من الجانبين بلا محلل، وهو نظير مراهنة الصدِّيق؛ فإن كل واحدة منهما مراهنة على ما فيه ظهور الدين، فإن ركانة هذا كان من أشد الناس، ولم يُعلم أن أحداً صرعه، فلمَّا صرعه النبي صلى الله عليه وسلم علِم أنه مؤيد بقوة أخرى من عند الله، ولهذا قال: ” والله ما رمى أحد جنبي إلى الأرض “، فكان لا يُغلب فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بمصارعته إظهار آيات نبوته وما أيده الله به من القوة والفضل، وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصدِّيق، لكن قصة الصديق في الظهور بالعلم، وهذه في الظهور بالقوة، والقدرة، والدين إنما يقوم بهذين الأمرين: العلم، والقدرة، فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي، والركوب؛ لما فيهما من العون على إظهار الدين وتأييده، فهي مراهنة على حق، وأكل المال بها أكل له بالحق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره: ردَّ عليه المال، ولم يأخذ منه شيئًا، فأسلم الرجل، وهذه المراهنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدِيقه هي من الجهاد الذي يظهر الله به دينه، ويعزه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناة في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة جنسها يعد للجهاد، بخلاف جنس الصراع؛ فإنه لم يعد للجهاد، وإنما يصير مشابها للجهاد إذا تضمن نصرة الحق وإعلائه، كصراع النبي ركانة، وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض وظلم الناس: كانت مذمومة، فالصراع، والسباق بالأقدام، ونحوهما: إذا قصد به نصر الإسلام: كان طاعة، وكان أخذ السبق به حينئذ أخذاً بالحق، لا بالباطل، والأصل في المال أن لا يؤكل إلا بالحق، لا يؤكل بباطل، وهو ما لا منفعة فيه، فحديث ركانة هذا أحد طرقه صريحة في الرهان من الجانبين من غير محلل، والطريق الأخرى لم تنف ذلك، بل لم تكن عادة العرب وغيرهم وإلى الآن أن يبذل السبق أحد المتغالبين وحده، وإنما المعروف من عادات الناس التراهن من الجانبين، وقد جعل في طباعهم وفطَرهم أن الرهن من أحد الجانبين قمار، وحرام، والنفوس تحتقر الذي لم يبذل، وتزدريه، وتعدُّه بخيلًا، شحيحًا، مهينًا، ومما يوضح أن التراهن كان من الجانبين في هذه القصة: أن ركانة لما غلبه النبي وأخذ منه شاة: طلب ركانة العوْد، وإنما ذلك ليسترجع الشاة، ولم يكن له غرض في أن يغرم شاة أخرى، وثالثة، ولو كان البذل من ركانة وحده: لم يكن له سبيل لاسترجاع الشاة التي خرجت منه، بل إذا غُلب: غرم شاة أخرى، وإن غَلب: لم يفرح بأخذ شيء، فلم يكن ليطلب العود إلى صراع هو فيه غارم ولا بد، ولا سبيل له إلى استنقاذ ما غرمه ألبتة، وهذا بخلاف ما إذا كان التراهن من الجانبين، كما هو الواقع، كان المغلوب على طمع من استرجاع ما غرمه، فيحرص على العود ….

فهذا الأثر يدل على جواز المراهنة من الجانبين بدون محلل، في عمل يتضمن نصرة الحق، وإظهار أعلامه، وتصديق الرسول صلاة الله وسلامة عليه، وهذا بخلاف العمل الذي وجوده مكروه بغيض إلى الله ورسوله، متضمن للصد عن ذكره: فإن هذا لا يجوز فيه مع إخراج العوَض، وهذا على أحد الوجهين في مذهب الشافعي، وأحمد، ظاهر جدًّا. ” الفروسية ” ( 203 – 205 ).

فيتبين بهذا عدم صلاحية ما استدلوا به من مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة في مكة على جواز العقود الفاسدة مع الكفار في دار الحرب، فهو على قول الجمهور منسوخ بتحريم الميسر على اعتبار أن الرهان من جهتين من أنواع الميسر، أو على القول الآخر – وهو الأرجح -: أن الفعل جائز، وأن له حكم ما ذُكر في حديث أبي هريرة من جواز الرهان على سباق الخيل، والإبل، والرماية بالسهم، وما يشبه هذه مما يستعان بها على الإعداد للجهاد في سبيل الله.

4. ومما استدلوا به قولهم: ” وما قاله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( أَلاَ وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ).

ووجه الدلالة في هذا الحديث: أن العباس رضي الله تعالى عنه بعدما أسلم بعد أن جيء به أسيرًا في غزوة بـدر استأذن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرجوع إلى مكة بعد إسلامه، فأذن له، فكان يربي بمكة إلى زمن الفتح، وكان فعله لا يخفى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما لم ينهه عنه دل أن ذلك جائز، وإنما جعل الموضوع من ربا في دار الحرب ما لم يقبض، حتى جاء الفتح فصارت مكة دار إسلام؛ ولذا وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الربا عند الفتح “.

الرد:

أ. آيات تحريم الربا كانت آخر ما نزل من القرآن في العام العاشر من البعثة، وقد كان المسلمون يمارسون الربا على العادة الجاهلية، كما كانوا يشربون الخمر في مكة، والمدينة حتى جاءت الأحكام المحرَّمة لهذه الأفعال، فتركوا كل منهي عنه، وسارعوا إلى الاستجابة الكاملة، ولم يكن ذلك مقتصرًا على مكة، بل حتى في المدينة كانوا يفعلونه.

ب. قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب): إنما كان ذلك في حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة ، ولم يكن في فتح مكة.

ج. لا علاقة لممارسة العباس للربا بديار المسلمين أو ديار الكفر، والحرب، إن العباس رضي الله عنه لم يمارس الربا بعد تحريمه، ومن أين لهم تشريع تحريم الربا وفهم العباس أنه غير منطبق على ديار الكفر والحرب؟ إن كل ما هو محرَّم على المسلمين من العقود الفاسدة والأفعال المشينة هي حرام دون أن يكون لذلك تعلق بكونها بين المسلمين أو في ديارهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

والجواب: أن العباس كان له ربا في الجاهلية من قبل إسلامه فيكفي حمل اللفظ عليه وليس، ثم دليل على أنه بعد إسلامه استمر على الربا ولو سلم استمراره عليه; لأنه قد لا يكون عالما بتحريمه, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ. ” المجموع ” ( 10 / 488 ).

  1. ومما استدلوا به قولهم: ” ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قامر مشركي قريش قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى: ( الم . غلبت الروم … ) الآية ” فقالت قريش له: ترون أن الروم تغلب؟! قال: نعم، فقالوا: هل لك أن تُخاطِرَنا؟ فقال: نعم، فخاطرهم، فأخبر النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « اذهب إليهم فزد في الخَطَر »، ففعل، وغلبت الرومُ فارسًا، فأخذ أبو بكر خَطَرَه؛ فأجازه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القمار بعينه بين أبي بكر ومشركي مكة، وكانت مكةُ دارَ شرك.

ولا يخفى أن مكة هنا أيضا لم تكن دار حرب؛ حيث كان ذلك قبل شرع الجهاد أصلا”.

الرد:

أ. هو مثل ما قلنا في الرهان بين النبي صلى الله عليه وسلم، والوجه الأول في الرد على من استدل بهذا على جواز العقود الفاسدة مع الكفار في دار الحرب: أن هذا الرهان الذي جرى بين أبي بكر رضي الله عنه وبين المشركين: منسوخ بتحريم الميسر فيما بعد بالمدينة، وهو قول جمهور العلماء.

ب. والقول الآخر هو أن هذا الفعل يدل على الجواز مطلقًا، وأنه محكم غير منسوخ، وهذا القول هو قول أصحاب أبي حنيفة، وشيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، رحمهما الله.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

– وقد اختلف أهل العلم في إحكام هذا الحديث ونسخه على قولين:

فادعت طائفة نسخه بنهي النبي عن الغرر، والقمار، قالوا: ففي الحديث دلالة على ذلك وهو قوله: ( وذلك قبل تحريم الرهان ).

قالوا: ويدل على نسخه ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: ( لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل ) والسبَق بفتح السين والباء، وهو الخطر الذي وقع عليه الرهان، وإلى هذا القول ذهب أصحاب مالك، والشافعي ، وأحمد.

وادعت طائفة أنه محكم غير منسوخ، وأنه ليس مع مدعي نسخه حجة يتعين المصير إليها،  قالوا: والرهان لم يحرَّم جملة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم راهن في تسبيق الخيل – كما تقدم – يعني: حديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ ) رواه أبو داود ( 2577 ) وصححه الألباني، وزاد أحمد ( وَأَعْطَى السَّابِقَ ) كما في ” مسنده ” ( 9 / 471 ) وفي لفظ ( وَرَاهَنَ ) وصححها جميعًا الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 5 / 336 ) -، وإنما الرهان المحرَّم: الرهان على الباطل الذي لا منفعة فيه في الدين، وأما الرهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام، وأدلته، وبراهينه – كما قد راهن عليه الصدِّيق -: فهو من أحق الحق، وهو أولى بالجواز من الرهان على النضال، وسباق الخيل، والإبل: أدنى، وأثر هذا في الدين أقوى؛ لأن الدين قام بالحجة، والبرهان، وبالسيف، والسنان، والمقصد الأول: إقامته بالحجة، والسيف منفِّذ.

قالوا: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي، والمسابقة بالخيل، والإبل؛ لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية، وإعداد القوة للجهاد: فجواز ذلك في المسابقة، والمبادرة إلى العلم، والحجة التي بها تُفتح القلوب، ويعز الإسلام، وتظهر أعلامه: أولى، وأحرى. وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.

قال أرباب هذا القول: والقمار المحرم: هو أكل المال بالباطل، فكيف يُلحق به أكلُه بالحق؟!.

قالوا: والصدِّيق لم يقامر قط في جاهلية، ولا إسلام، ولا أقر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على قمار، فضلًا عن أن يأذن فيه.

وهذا تقرير قول الفريقين. ” الفروسية ” ( ص 96 – 98 ).

* وقال – رحمه الله -:

وقوله ( وذلك قبل تحريم الرهان ): من كلام بعض الرواة، ليس من كلام أبي بكر، ولا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ” الفروسية ” ( ص 95 ).

ج. وثمة ردٌّ حري بالنقل والذِّكر: وهو أن مراهنة الصدِّيق للمشركين ليست من باب الرهان الذي يدخل صاحبه مخاطرًا بما بذله؛ وذلك لأنه رضي الله عنه دخل وهو مطمئن لفوزه بالرهان؛ لأنه اعتمد في قوله على ما سمعه من كلام الله تعالى من أن الفرس سيغلبون في بضع سنين، وليس حاله كحال من راهن على شيء يجهله، بل هو قد دخل في الرهان على حق، ويقين بفوزه؛ لاعتماده على كلام ربِّه تعالى.

وبكل حال: فلا يصلح الاستدلال برهان الصدِّيق للمشركين على جواز العقود الفاسدة مع الكفار في دار الحرب؛ لما سبق ذِكره من الوجوه في تفسير تلك الحادثة.

6. ومما قالوه في إباحة العقود الفاسدة – ومنه الربا – في ديار الحرب: ” ولأن مالهم مباح فحُقَّ للمسلم أن يأخذه بلا غدر؛ لحرمة الغدر؛ لأن المسلمين لو ظهروا على ديارهم لأخذوا مالهم بالغنيمة “.

الرد:

إنما أبيحت أموالهم في الحرب بشرع الله تعالى، وليس مع من أباح أموالهم بالعقود الفاسدة دليل، فليس ثمة قياس صحيح.

سابعًا:

ومما سبق يتبين أنه ليس مع من أجاز العقود الفاسدة – ومنها: الربا – مع الكفار في دار الحرب دليل، ولا يصح لهم استدلال، والنصوص الواردة في تحريم الربا عامة، لا ينبغي لأحدٍ أن يستثني من التحريم مكانًا، ولا زمانًا، ولا أفرادًا.

وليتق الله تعالى كلَّ من يفتي للمسلمين في الغرب بأخذ القروض الربوية من البنوك التي رفعت راية الربا، وليعلموا أن أحوال المسلمين هناك – غالبًا – لا تسر، وهم ليسوا بصدد البحث عن فتوى بالجواز ليتخلصوا من الربا، ونظرة عامة إلى حياتهم، وأعمالهم، وتعاملهم بالدولار: تبين لك واقعهم، إلا من رحم الله منهم، وإذا كنَّا في بلاد الإسلام نرى زبائن البنوك الربوية بالملايين، ولا يتورع أحدهم عن سحب ماله من بنك ربوي، فكيف سيكون حال من عاش في تلك الديار التي تغيِّر الطبائع، والأخلاق، والدِّين، بقوة وتخطيط خبيث؟!.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة