عبارة ” يا رسول الله ” متى يجوز قولها، ومتى لا يجوز
السؤال
هناك سؤال في ” قسم التوحيد ” إجابته تقول: إنه لا يجوز أن يقول الشخص ” يا رسول الله ” إذا كان المقصود به الاستنجاد، أو التوسل، لكن ماذا لو كان في سياق شِعري، هل يجوز أن يُقال ذلك؟.
أرجو التدليل من الكتاب والسنَّة؛ لأن لدي صديقًا غير مقتنع، وأريد أن أبيِّن له الحكم في ذلك بالأدلة القاطعة الصحيحة؟.
الجواب
الحمد لله
استعمال عبارة ” يا رسول الله ” لها أحوال، ولكل حال حكم، ومن هذه الأحوال:
- أن تأتي في سياق نداء النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي، حاضر، مواجهة.
وأمثلة ذلك في الشرع أكثر من أن تُحصر، فالصحابة الذين يسألون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون ” يا رسول الله “، أو يخاطبونه بهذه العبارة: كل ذلك داخل تحت هذه الحال، ولا يخفى أن استعمالها ليس فيه محذور، وهو من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم.
ونذكر في هذا الباب حديثًا يحسن التمثيل به:
عن أنس بن مالك قال: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ….
رواه البخاري ( 967 ) ومسلم ( 897 ).
وهذا النداء للنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو في طلب الدعاء من النبي صلى الله وسلم، وهو من أنواع التوسل الجائزة، وهو التوسل بدعاء الرجل الصالح في حياته.
- أن تأتي في سياق خطاب لكن لحاضرٍ في القلب، والذهن.
والأمثلة على ذلك من الشرع كثيرة، ومنها:
أ. عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ ) فَقَالَ: ادْعُهُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ “.
رواه أحمد ( 28 / 487 ) وصححه الشيخ الألباني في ” التوسل ” ( ص 72 ).
وهذا الحديث في التوسل أيضًا، وفيه مخاطبة النبي صلى الله عليه بعينه، فهو من التوسل بدعاء النبي صلى الله وسلم ربَّه في حياته.
وقوله ” يا محمد إني توجهت بك إلى ربي ” أي: أتوجه بدعائك الذي وعدتني به، حين قلتَ لي ( إن شئتَ دعوتُ لك )، ومما يدل على هذا: قوله في نهاية الدعاء ” اللهم فشفّعه فِيَّ “، أي: اقبل دعاءَه فيَّ.
* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:
المعنى: اللهم اقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم فيَّ، أي: اقبل دعاءه في أن تردَّ عليَّ بصري، والشفاعة لغة: الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له صلى الله عليه وسلم، ولغيره من الأنبياء، والصالحين، يوم القيامة، وهذا يبيِّن أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره قال في ” لسان العرب “:
” الشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب، يقال تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه “.
فثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم، لا بذاته . ” التوسل ” ( ص 73 ).
والصحابي الضرير لما قال هنا ” يا محمد ” على أي الحالين السابقين يُحمل؟ قولان للعلماء:
- فمن العلماء من قال إنه من القسم الأول، وأن هذا الصحابي كان قد صلَّى بجانب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد الصلاة خاطبه بهذا القول، وصار قوله ” يا محمد ” على هذا الوجه: ليس دعاء، وإنما هو تكلم مع حي، حاضر.
- ومن العلماء من حمله على الحال الثانية، وأنه خطاب لحاضر في القلب كأنه يشاهده، وعلى هذا أكثر أهل العلم.
وفي كلا الحالين هو من استعمال العبارة في مكانها الشرعي الجائز، فليس هذا نداء لبعيد، ولا استغاثة، بل هو مخاطبة لحي، حاضر، إما مواجهة، أو لحاضر في القلب، والذهن.
* قال الشيخ سليمان بن سحمان – رحمه الله -:
قال الطِّيبي: الباء في ” بك ” للاستعانة، وقوله: ” إني توجهت بك ” بعد قوله: ” أتوجه إليك ” فيه معنى قوله: ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه ) البقرة/ 255، فيكون خطابًا لحاضر معاين في قلبه، مرتبط بما توجه به عند ربه، من سؤال نبيه بدعائه، الذي هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية، بعد الصيغة المضارعية، المفيد كل ذلك: أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيِّه في دعائه، فكأنه استحضره وقت ندائه، انتهى.
” الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق ” ( ص 539 ).
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وقوله ” يا محمد “، ” يا نبي الله “: هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطَب لشهوده بالقلب، كما يقول المصلي ” السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته “، والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا، يخاطِب مَن يتصوره في نفسه، إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 416 ).
ب. وأوضح مثال على هذه الحال الثانية: ما يقوله المصلون في مشارق الأرض ومغاربها، قديمًا وحديثًا، في صلاتهم في التشهد: ” السلام عليك أيها النبي … ” فهو ليس خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يخاطبه من لا يراه؟! إنما هو خطاب مع استحضار شخصيته صلى الله عليه وسلم كأن المصلي يراها، وهو ما يفعله الكتَّاب في مقدمات كتبهم من مخاطبة قرائهم كأنهم يرونهم، وهذا ما يفعله من يكتب رسالة لصاحبٍ له، ويخاطبه بكاف الخطاب، أو ياء النداء.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
هل هذا خطاب للرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كخطابِ النَّاسِ بعضِهم بعضًا؟.
الجواب: لا، لو كان كذلك: لبطلت الصَّلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيء من كلام الآدميين، ولأنَّه لو كان كذلك: لجَهَرَ به الصَّحابةُ حتى يَسمعَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ولردَّ عليهم السَّلام كما كان كذلك عند ملاقاتِهم إيَّاه، ولكن كما قال شيخ الإسلام في كتاب ” اقتضاء الصراط المستقيم”: لقوَّة استحضارك للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام حين السَّلامِ عليه، كأنه أمامك تخاطبه.
ولهذا كان الصَّحابةُ يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: ” السلام عليك “، وهم في بلد، وهو في بلد آخر، ونحن نقول: ” السلام عليك “، ونحن في بلد غير بلده، وفي عصر غير عصره.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 150، 151 ).
- أن تأتي في سياق الرثاء، والنُّدبة.
ولا يُقصد بهذه الحال مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم عيانًا، ولا النداء عليه، ولا يخفى أن الذي يرثي ويندب إنما يستحضر في ذهنه شخصية المرثي، والمندوب، كأنه يراها، وهي حال تلحق بحكمها الحال السابقة، فقائل العبارة هذه ومثيلاتها في هذه الحال من الموحدين لا يريد النداء الحقيقي؛ لعلمه بغيابه، وعدم سماع كلامه.
وعلى هذه الحال أمثلة متعددة من كلمات الصحابة الأجلاء، ومنها:
أ. عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: ” بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ “. رواه البخاري ( 4187 ).
* قال الشيخ محمد بشير السَّهسواني الهندي – رحمه الله -:
وفيه خطاب، لكن هذا الخطاب مجازي، من جنس ما يخاطِبون المندوبَ، ويعدُّون محاسنه الواقعية … .
ويؤيد هذا المعنى: قوله رضي الله عنه: ” بأبي أنت وأمي “، فإن حقيقة التفدية لا تتصور بعد الموت، فكما أن المراد بالتفدية معناها المجازي: كذلك الخطاب.
وأيضاً يؤيده قوله رضي الله عنه: ” وانبياه، واصفياه، واخليلاه، فإن لفظ ” وا ” لا تستعمل في النداء، إنما تستعمل في الندبة.
ويحتمل أن يكون ذلك الخطاب والنداء مثل الخطاب والنداء الواقعين في الأحاديث الواردة في زيارة القبور، والتوجيه فيه مثل ما ذكر في الأحاديث المذكورة.
” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ” ( 397 ، 398 ) مختصرا.
ب. ومنه قول فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة أبيها ” يا أبتاه “.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: ” وَا كَرْبَ أَبَاهُ “، فَقَالَ لَهَا: ( لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ )، فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: ” يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ “.
رواه البخاري ( 4193 ).
* قال الشيخ محمد بشير السَّهسواني الهندي – رحمه الله -:
هذا ليس من النداء في شيء، بل هو ندبة، يرشدك إلى هذا: كون هذا الكلام صادرا وقت الوفاة، ووقوع لفظ النعي فيه، وزيادة الألف في آخره لمد الصوت المطلوب في الندبة، فالقول بكونه نداء: أدل دليل على جهل قائله. ” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ” ( ص 400 ).
ج. ومنه قول صفية بنت عبد المطلب:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا … وكنت بنا برّاً ولم تك جافيا
وكان بنا برّاً رحيماً نبيُّنا … لبيك عليك اليوم من كان باكيا
رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 24 / 320 ) : عن عروة قال : قالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( فذَكَره ) في أبيات أكثر من هذا.
والأثر في إسناده: عبد الله بن لهيعة، وفيه كلام كثير من جهة ضبطه، وحفظه، وليس يروي هذا الأثر عنه أحدٌ من قدماء أصحابه الذين رووا عنه قبل احتراق كتبه، وله طريق أخرى في ” المجالسة ” ( 3 / 129 )، ولعله يكون الأثر به حسنا.
* قال الهيثمي – رحمه الله -:
رواه الطبراني ، وإسناده حسن.
” مجمع الزوائد ” ( 8 / 617 ) .
* قال الشيخ محمد بشير السَّهسواني الهندي – رحمه الله -:
وأما استدلال صاحب الرسالة – وهو القبوري ” زيني دحلان ” – بتلك المرثية على جواز النداء بعد وفاته فجوابه من وجوه:
( الأول ): أن ” يا ” هنا للندبة، لا للنداء، كما في قول فاطمة رضي الله عنها: ” يا أبتاه، أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه، مَن جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبرائيل ننعاه ” رواه البخاري من حديث ثابت عن أنس.
وكما في قول الصدِّيق رضي الله عنه: ” بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين “، رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها.
وفي رواية يزيد بن بابنوس عن عائشة عند أحمد – ( 6 / 31 ) وصححه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 3 / 157 ) – أنه أتاه من قبل رأسه فحدر فاه فقبل جبهته، ثم قال: ” وانبيَّاه “، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: ” واصفيَّاه “، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته، وقال: ” واخليلاه “، كذا في ” المواهب “.
ومنه قول علي رضي الله عنه حين توفي عمر رضي الله عنه وقد وضع على سريره: ” يرحمك الله، إن كنتُ لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيرا ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كنت وأبو بكر وعمر )، و ( فعلت وأبو بكر وعمر )، و ( انطلقت وأبو بكر وعمر )، فإني كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما “، رواه البخاري من حديث ابن عباس، وبعين ما ذكرناه كونها واقعة في الرثاء.
و( الثاني ): أنه لو سلم أنه نداء: فالنداء قد يُراد به غير المنادى، قال الحافظ في ” الفتح ” تحت حديث: ( إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ): وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ولده، مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب، بوجهين: أحدهما: صغره، والثاني: نزعه، وإنما أراد بالخطاب: غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق .اه.
ومن هذا القبيل ما روي عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال: ” يا أرض ، ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرِّك، وشر ما فيكِ، وشرِّ ما خلق فيك، وشرِّ ما يدب عليك ” رواه أبو داود.
ومنه ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: ( ما أطيبكِ من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ ) رواه الترمذي – ( 3926 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” -.
ومنه قول عمر رضي الله عنه: ” إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلكَ: ما قبلتكَ “، متفق عليه من حديث عابد بن ربيعة.
و( الثالث ): أنه لو سلِّم أن المراد به المنادى: فالنداء مجازي، كنداء السماء، والجبال، والأرض، والأطلال، والمنازل، والمطايا، والقبور، والمانعون إنما يمنعون النداء الحقيقي.
و( الرابع ): أنه لو سلم ثبوت النداء منها: فلا يثبت منه مطلوب الخصم، فإن النزاع إنما هو في نداء يتضمن الدعاء والطلب، بأن يقول: يا رسول الله اكشف عني السوء، واشف مريضي ، أو يقول: يا رسول الله ادع الله أن يشفي مريضي، ويكشف عني السوء، فالمانعون يقولون: الأول: شرك، والثاني: بدعة، والمجوزون يجوزونهما، وليس في المرثية دعاء شيء، ولا طلبه.
” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ” ( ص 295 – 298 ) باختصار.
* وقال الشيخ عبد الله أبا بطين – رحمه الله -:
وما ذكره من قول ” صفية “: ” ألا يا رسول الله كنت رجاءنا “: فهذه حال من يبكي شخصا ويرثيه، يخاطبه مخاطبة الحاضر، وتذكر حاله صلى الله عليه وسلم معهم؛ لأنه القائم بأمورهم، فهو أبوهم خاصة، وأبو المؤمنين عامة، ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) الأحزاب/ 6، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
” تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس ” ( 2 / 151 ).
- أن تأتي في سياق استثارة الهمم، أو الشِّعار في الحرب.
قال الشيخ عبد الله أبابطين – رحمه الله -:
وذكر المعترض أن في تاريخ ابن كثير أن الصحابة كان شعارهم في الحرب ” يا محمد ” ….
والحكاية الأولى: أن هذا كان شعارهم في الحرب، لم يقل أنهم كانوا يستغيثون به في الحرب، ولا أنهم يدعونه، بل قال: هذا شعارهم في الحرب ، فلا شبهة لك فيه؛ لأنهم كانوا يستعملون الشعار في الحرب باسم، أو كلمة؛ ليعرف بعضُهم بعضا، كما روي أن شعارهم في بعض غزواتهم ” حم لا ينصرون ” – رواه أبو داود ( 2597 ) وصححه الألباني -، وفي بعضها ” أمِت أمِت ” – رواه أبو داود ( 2596 ) وصححه الألباني -.
” تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس ” ( ص 148 ، 149 ).
ومع هذا فإنه لم يثبت من طريق صحيح أن مثل هذا كان شعارا للمسلمين، والوارد من طرق تالفة أن هذا كان شعار المسلمين في معركة ” اليمامة ” ضد مسيلمة الكذاب.
واستثارة الهمم بمثل هذه الكلمات وإن كان لا يريد بها الموحدون ما يريد المشركون من الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ينبغي عدم استعمال هذه الألفاظ، والتي معناها صحيح في الاستعمال، لكنها تشبه استعمال المشركين والقبوريين لها، فتمنع سدّاً للذريعة، على نسق قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ) البقرة/ 104.
- أن تأتي في سياق الاستعانة عند التعثر، أو للقيام، أو الجلوس.
ولا شك في حرمة هذا، وكونه شركا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وأما قول القائل إذا عثر: ” يا جاه محمد “، ” يا للست نفيسة “، أو ” يا سيدي الشيخ فلان “، أو نحو ذلك مما فيه استعانته، وسؤاله؛ فهو من المحرمات، وهو من جنس الشرك، فإن الميت سواء كان نبيّا، أو غير نبي: لا يُدعى، ولا يُسأل، ولا يُستغاث به ، لا عند قبره، ولا مع البُعد من قبره، بل هذا من جنس دين النصارى الذين ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون )، ومِن جنس الذين قال فيهم ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً ).
” الرد على البكري ” ( 1 / 446 ، 447 ).
- أن تأتي في سياق نداء لغائب، ميت.
ولأن الكلام عن عبارة ” يا رسول الله ” تحديداً قلنا ” لغائب ميت “، ولو كان الكلام عموما: لكان التفصيل في ذلك بقولنا ” لغائب، أو ميت “؛ لاشتراكهما في الحكم نفسه، وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو غائب بالموت قطعا، ولا احتمال له آخر، وقد سبق الكلام عن مخاطبته بتلك العبارة حال حياته، وهو حاضر في بدنه، وبعد موته وهو حاضر في القلب.
وهذه الحال لها قسمان:
الأول: أن تستعمل العبارة فيما يقدر عليه النبي صلى الله وسلم في حياته، عند قبره، كأن يُطلب منه أن يستغفر له الله تعالى.
وهذه بدعة، وطريق قد تؤدي بصاحبها إلى الشرك، وإنما لم نقل بكفر الفعل: لأن المسألة مبنية في أصلها على ” سماع الموتى “، والجمهور على أنهم يسمعون، والطلب هنا ليس فيما لا يقدر عليه إلا الله، فأما إن كان النداء للنبي صلى الله عليه عند قبره للطلب منه تفريج الكرب، ومغفرة الذنب، وشفاء المريض: فهو كفر، وشرك، يخرج صاحبه من الملَّة؛ لأنه جعل للنبي صلى الله عليه وسلم منزلة الرب.
والصحيح أنه لا تعلق للمسألة بسماع الموتى، بل ولا بكونهم قادرين على الفعل في حياتهم، فإنه ليس كل ما يقدر الحي من الأنبياء على فعله يُشرع لنا سؤاله إياه بعد موته، بل وحتى الله تعالى يُسأل كل ما يقدر على فعله، فأنَّى لغير الموحدين أن يعرفوا هذا ؟!.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
مجرد سماع الميت للخطاب لا يستلزم أنه قادر على ما يَطلب الحيُّ منه، وكونه قادرا عليه: لا يستلزم أنه شرع لنا أن نسأله ونطلب منه كل ما يقدر عليه، فليس لنا في حياة الرسل أن نسألهم كل ما يمكنهم فعله، بل ولا نسأل الله تعالى كلَّ ما يمكنه فعله، بل الدعاء عبادة شرعية فكيف يجوز أن نسألهم ذلك بعد مماتهم؟! وليس لنا أن نسألهم كل ما يقدر الله عليه من المفعولات ليسألوا ربهم إياه ، كما سأل قوم موسى: موسى أن يريهم الله جهرة، وسألوا المسيح إنزال المائدة، وسألوا صالحا الناقة وسألوا الأنبياء الآيات.
” الرد على البكري ” ( 1 / 95 ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أيضا -:
المرتبة الثالثة: أن يسأل صاحب القبر أن يسأل الله له ، وهذا بدعة باتفاق أئمة المسلمين. ” الرد على البكري ” ( 1 / 146 ).
الثاني:
أن تستعمل العبارة من بعيد عن القبر، وهذه من لأفعال المشركين، ولو طلب صاحبها ما يقدر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته، وهذا خرج عن كونه ” نداء ” إلى أن صار ” استغاثة “، ومثل هذا مجمع على كفر فاعله، ولو كان المدعو غائبا مع حياته؛ لأنهم يجعلون له صفات الله تعالى من سماع الاستغاثة أينما كان المستغيث، ويفهم عليه بأي لغة استغاث! ، ويعتقدون أن هذا المستغاث به يفرِّج الكروب، ويشفي المرضى، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمع الصلاة والسلام عليه حتى تبلغه إياهما الملائكة، فكيف يثبت هؤلاء المشركون له سماعا لكل نداء، ولكل خطاب، واستغاثة، وبأي لغة كانت؟!.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بعد أن ساق نصوصا في سماعه صلى الله عليه وسلم سلام القريب من قبره، وتبليغ الملائكة سلام البعيد -:
فهذه النصوص التي ذكرناها: تدل على أنه يسمع سلام القريب، ويبلَّغ سلام البعيد، وصلاته، لا أنه يسمع ذلك من المصلِّي، والمسلِّم، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة: فإنه لا يسمع دعاء الغائب، واستغاثته، بطريق الأولى، والأحرى، والنصُّ إنما يدل على أن الملائكة تبلِّغه الصلاة والسلام، ولم يدل على أنه يبْلُغه غيرُ ذلك، والحديث الذي فيه ( ما من رجل يسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام ): فهِم العلماء منه السلام عند قبره خاصة ، فلا يدلُّ على البعيد … .
الرد على البكري – (1 / 107).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أيضا -:
فليس لأحدٍ أن يدعو شيخا ميِّتا، أو غائبا؛ بل ولا يدعو ميتا، ولا غائبا: لا من الأنبياء، ولا غيرهم، فلا يقول لأحدهم: ” يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو في جوارك ” ولا يقول: ” بك أستغيث، وبك أستجير “، ولا يقول إذا عثر: ” يا فلان “، ولا يقول : ” محمد “، و ” علي “، ولا ” الست نفيسة “، ولا ” سيدي الشيخ أحمد “، ولا ” الشيخ عدي “، ولا ” الشيخ عبد القادر “، ولا غير ذلك، ولا نحو ذلك، مما فيه دعاء الميت، والغائب، ومسألته، والاستغاثة به، والاستنصار به، بل ذلك من أفعال المشركين، وعبادات الضالين. ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 499 ، 500 ).
وقال الشيخ الصنعاني – رحمه الله -:
وكذلك أصحابه مِن بعده لا يُعلم عن أحدٍ منهم أنه استغاث به صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته، ولا يمكن أحدٌ يأتي بحرفٍ واحدٍ عن أصحابه أنه قال: ” يا رسول الله “، و ” يا محمد ” مستغيثا به عند شدة نزلت به، بل كلٌّ يُرجع عند الشدائد إلى الله تعالى، حتى عُبَّاد الأصنام إذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه، … .
وهذه الأدعية النبوية المأثورة ، قد ملأت كتب الحديث ، ليس منها حرفٌ واحدٌ فيه استغاثة بمخلوق، وسؤال بحقه.
” الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف ” ( ص 105 ، 106 ).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين – رحمه الله -:
قال المعترض – وهو القبوري ” داود بن جرجيس ” -: ” فدلَّ على أن نداء النبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد أمر معهود “!.
يعني: الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم، وإنما عبَّر بـ ” النداء ” طردا لقوله الباطل المتناقض: ” إن طلب المخلوق من المخلوق يسمى نداءً لا دعاء “!.
وقد بيَّنا بطلان قوله هذا، ومخالفته للكتاب، والسنَّة، ولإجماع العلماء، والنحويين، وأن الدعاء بطلب رفع المكروه، أو دفعه يسمَّى ” استغاثة “، كما يسمى ” دعاء “، فلما قال: إن نداء النبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد أمر معهود، يعني: أنه يُطلب منه صلى الله عليه وسلم كشف الشدائد: فهذا حقيقة الاستغاثة، فليسمِّه المبطل ” نداء “، أو ” طلبا “، أو ” توسلا “، أو ” تشفعا “، أو ما شاء من الأسماء؛ فإن ذلك لا ينفعه، ولا يغير الحكم، فهذا الضال يزعم أن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد بعد موته أمر معهود، يعني: معروف مشهور معمول به عند الصحابة، والتابعين!، فجعل هذا الصحابة والتابعين أشد غلوّا في النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين الأولين في الملائكة والأنبياء والجن والأصنام؛ لأن الله سبحانه أخبر في كتابه أن المشركين يخلصون الدعاء لله في حال الشدة ، وينسون آلهتهم من الملائكة ، والأنبياء، والجن، والأصنام، قال سبحانه: ( وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ) الإسراء/ 67 ، وقال تعالى: ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) العنكبوت/ 65 ، وقال: ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ . بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ) الأنعام/ 40 ، 41 ، وقال : ( وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) الروم/ 33 ، ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ) يونس/ 12 … .
” تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس ” ( ص 150 ، 151 ).
والخلاصة:
هذه أحوال هذه العبارة، وقائليها، وقد عرفت أن قائليها مختلفون، بحسب قصدهم، واعتقادهم، والشعر فيه الشرك، وفيه التوحيد، ولا يمكن الإجابة على هذا السؤال إلا بمعرفة ما ذكرناه من تفصيل، فمن عرف من الشعراء المحذور تجنبه، ومن عرف ما يجوز له قولها من الأحوال فعلها، وما كان محتملا، أو فيه مشابهة في ظاهره لعبَّاد القبور: تركه، فهو أسلم له.
والمهم في كل ما سبق ذِكره: تجنب أن يكون النداء حقيقيّا، وتجنب طلب شيء من المنادَى لا يقدر عليه إلا الله، وهذا الأمر عام يشمل كل منادى، ومخاطَب، ولو كان جمادا.
قال الشيخ محمد بشير السَّهسواني الهندي – رحمه الله -:
المانعون لنداء الميت، والجماد، وكذا الغائب إنما يمنعونه بشرطين:
( الأول ): أن يكون النداء حقيقيّا، لا مجازيّاً
و( الثاني ): أن يقصد ويطلب به من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله، من جلب النفع، وكشف الضر، مثلاً يقال: ” يا سيدي فلان اشف مريضي، وارزقني ولدا “، ولا مرية أن هذا النداء هو الدعاء، والدعاء هو العبادة، فكيف يشك مسلم في كونه كفرا، وإشراكا، وعبادة لغير الله؟! وأما إذا قصد بهذا النداء: أن يدعو الميت، والجماد، والغائب، في حضرة الرب تعالى للمنادِين ( بالكسر ): فنداء الميت بعيدا عن القبر، وكذا نداء الغائب: يقتضي اعتقاد علم الغيب بذلك الميت، والغائب، واعتقاد علم الغيب لغير الله: شرك، وكفر، مع أنه من محدثات الأمور، وأما نداء الجماد، والأموات بهذا القصد: فإن لم يكن كفرا وشركا: فلا أقل من أن يكون بدعة، وحمقا، وأما إذا لم يقصد بالنداء لا جلب النفع، وكشف الضر، ولا الدعاء من المنادَين ( بالفتح ) للمنادِين ( بالكسر ) في حضرة الرب سبحانه وتعالى: فيكون النداء الحقيقي جنونا، وسفها، وأما النداء المجازي: فلا يمنعه أحد
” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ” ( ص 373 ).
والله أعلم.


