معاناة مسلمة جديدة مع أهلها, وتسأل هل يجوز لها نزع الحجاب من أجل العمل؟
السؤال
أسلمت منذ عام، بفضل الله، وأحاول أن أكون مسلمة، ملتزمة بأوامر الله، بقدر استطاعتي، مع أن والداي يرفضان فكرة إسلامي، حتى عندما أصلي أمامهما يصرخان في وجهي، ويأمراني أن أكف عن هذا، كذلك عندما أرتدي الحجاب يطلبان مني أن أنزع الحجاب، قمت بالتحول الى مدينة أخرى، حيث يوجد المسلمون بكثرة، ولكن مشلكتي أنني لا أحد يعولني، وأحتاج إلى عمل، وأرباب الأعمال هنا يرفضون توظيفي لأني مرتدية للحجاب، فهل يجوز لي أن أتخلى عن الحجاب في هذه الحالة؟ كما أن عليَّ بعض الديون للبنك من قبل أن أُسلم، والفوائد طبعاً تزداد يومًا بعد يوم، فهل أنا آثمة بسبب هذه الفوائد الربوية والحالة هذه ( عاطلة عن العمل )؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نحمد الله ونشكره أن وفقك للإسلام، خاتَم الأديان، ونسأله تعالى أن يثبتك على الحق، وأن يسددك، وأن يصبِّرك على ما تلقينه من مشاق، وأن يكتب لك الأجر كاملًا.
ثانيًا:
واعلمي أيتها الأخت المهتدية أن طريق الهداية وإن كان سلوكه بمشقة وجهد، لكن عواقبه إلى راحة وسعادة، والمسلم في سبيل سعادته الأبدية، وراحة باله السرمدية يبذل ما في وسعه لنيل ذلك المطلوب المحبوب.
واعلمي أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن جزء من تلك السعادة التي يثاب بها المسلم في الجنة، مقارنة مع ما عاناه في دنياه من بؤس وشقاء، فقال لنا: (يُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ ) رواه مسلم ( 2807 ).
– والصَّبغة هي: الغمسة.
فإذا كان أبأس أهل الأرض من أهل الجنة ينسى ما عاناه في دنيا ولو استمر طويلًا بغمسة يُغمسها في جنة الله تعالى: فكيف تكون حاله عندما تكون الجنة مستقرَّه، ومأواه، أبد الآبدين؟!.
وما أصابك ويصيبك من معاداة أهلك لهدايتك، واستقامتك: قد أصيب الأنبياء عليهم السلام فيما هو أعظم منه، وكذا أتباعهم الذين استقاموا واهتدوا.
قال تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) إبراهيم/ 13.
قال: ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) الذاريات/ 52.
وقال: ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ ) الأنعام/ 34.
وقال الله تعالى عن قوم إبراهيم عليه السلام لما دعاهم إلى التوحيد: ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ ) الأنبياء/ 68 – 70.
وهذا كان بعضًا مما لقيه رسل الله من أقوامهم، وإنما ذكرنا من ذلك أمثلة، وانظري كيف كانت العاقبة للمتقين، والخزي والنار للكافرين.
* وقد قال تعالى في بعض ما أصاب به الكفارُ المؤمنين بسبب إيمانهم:
( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ . وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) المطففين/ 29 – 36.
وقال تعالى: ( قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) البروج/ 4 – 9.
ومثل قلنا في الرسل الكرام نقول في صحبهم وأتباعهم، وما كانت عاقبة المؤمنين إلا خيرًا، وقد يجدون ذلك في دنياهم، أو يؤخر لهم ليجدونه في الآخرة، في جنات ربهم تعالى.
ثالثًا:
وأما بخصوص ما تسألين عنه من نزع الحجاب من أجل العمل: فهو ما لا ننصحك بفعله، وننصحك بالصبر على ما تجدينه من عنَت كما صبر من قبلك من الأنبياء وأتباعهم، تصبرين على ما تعانينه من أهلك، وتصبرين على عدم وجود عمل يتناسب مع التزامك واستقامتك، وبعد العسر يكون اليسر إن شاء الله.
ولا تظنين أن وجودك لعمل مختلط، ويَشترط عليك أصحابه نزع الحجاب أن هذا هو سبيل النجاة مما تعانينه من عنت ومشقة، بل قد يكون هذا بداية لأبواب أخرى من المشاق تُفتح عليك، ومنه ما سترينه مما يحصل عادة في أماكن الاختلاط، وبخاصة في بلدانكم التي تعاني النساء منها كثيرًا، من التحرش الجنسي بهن بأنواعه، اللفظي، والعملي، والنسَب في ذلك مهولة، وهي ليست من عندنا، بل من عندهم، وهم في الغالب يقولون بأن الحقائق أكثر من هذا، والسبب هو عدم تبليغ النساء عما يقع لهن من تحرش الرجال بهن.
وهذا كله مع عدم جواز ذلك شرعًا، والتنازل عن الحجاب سيفتح الباب للتنازل عن أشياء أخرى قد يطلبها أرباب العمل، كالخلوة بالرجال، وحضور الاحتفالات الصاخبة، وشرب الخمر، والتعرف على الأجانب، والسفر وحدك، أو مع موظفين ممن يعملون معك، وهكذا في سلسلة طويلة من المخالفات الشرعية، والتنازل عن الحجاب قد يسهِّل ذلك كله، ويكون مدخلا كبيرًا للشيطان لتنفيذ قائمة طويلة من تلك المخالفات.
ولذا فقد جاء الأمر بالصبر على الطاعة، والوصية به في مواضع كثيرة من كتاب الله؛ لما للصبر من عواقب طيبة على الصابر، ومن ذلك:
- قال تعالى: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) طه/ 132.
- وقال تعالى: ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) لقمان/ 17.
رابعًا:
والذي ننصحك به إجمالًا، وباختصارا:
- الصبر على طاعة الله، وعن معصيته.
- ملازمة الدعاء أن يفرِّج الله كربك.
- مداومة دعوة أهلك للإسلام، والتلطف في ذلك، والصبر عليه.
- احرصي على البحث زيادة، فلعل الله أن ييسر لك عملًا شرعيًّا في مدرسة إسلامية، أو في مكان خاص بالنساء، أو وأنت في بيتك، ونرجو منك مراسلة المراكز الإسلامية القريبة منك والبعيدة؛ فقد يوجد عندهم من الفرص الشرعية ما يخفى عليك العلم به إلا من طريقهم.
– ونسأل الله أن يصبرك، ويسددك.
- أن تعرضي نفسك على رجل مسلم صالح ليتزوجك، وليس في ذلك ما يعيب في شرعنا، ونرى أن هذا الزواج سيحل مشكلاتك كلها إن يسَّر الله لك زوجًا صالحًا.
خامسًا:
وإذا عملتِ بما قلنا لك، ونصحناك به، وضاقت عليك الأمور حتى خفتِ على نفسك الهلاك، أو الفتنة في دينك، أو أنك ستعرضين نفسك للمذلة بالطلب من الناس المال، أو السكن في بيئة لا تصلح لك: فاعلمي أنه يجوز في شرعنا ارتكاب المحظور عند الضرورة، ومثل هذه الأشياء لو وصل حالك لها – لا قدَّر الله – فتكون الضرورة قد تحققت، فيجوز لك نزع الحجاب للعمل حتى تحافظي على دينك، وتجنبي نفسك الذل، والفتنة، قال الله تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة/ 173.
* على أن تأخذي بعين الاعتبار:
- أن حالك إن تغيَّر للأحسن بالزواج، أو بوجود عمل شرعي : فيرتفع عنك جواز فعل المحظور، ويجب عليك التزام الحجاب.
- أن الضرورة تقدَّر بقدرها، فاستري ما تستطيعين من بدنك، ولا تكشفي إلا ما يؤدي الغرض، فلا يلزم من قولنا بجواز نزع الحجاب أن تلبسي الضيق من الثياب، أو القصير، بل عليك أن تحافظي على سترك بما يمكنك ستره.
- أن تحرصي أن يكون العمل مباحًا في ذاته، حتى لا تجمعي على نفسك أمرًا آخر فيه إثم من غير حاجة، ولا ضرورة.
- أن تحرصي على أن تكون بيئة العمل بعيدة عن الفتنة، فتحرصين على عمل فيه نساء، أو يغلب على القِسم النساء، وهذا أدعى للأمان، والبعد عن الفتنة والريبة.
– ونسأل الله أن يفرِّج كربك، ويزيل همك، ويرزقك الصبر والاحتساب.
والله أعلم.


