تزوجت بأمريكي أعلن إسلامه ثم ترك الصلاة وأنكر خلق الله للسموات، فماذا تصنع؟
السؤال
أنا سعودية، ومتزوجة من أمريكي، أعلن إسلامه حينما تزوجنا، والآن لا يصلي، ولا يريد الكلام عن أي شيء يخص الإسلام، ولي أربعة أطفال، وأنا أعلمهم شيئًا، وهو لا يهمه ولا شيء، لقد زنا! وقال لي: بأني لا أعني له أي شيء، وأصبح لا يقترب مني، أنا أعلِّم أبنائي القران والصلاة، ولكنهم يسألوني: لماذا نحن نصلي وأبونا لا يصلي؟! وفي يوم من الأيام جلسنا مع زوج ابنتي وزوجي، ووجدت بأن زوجي لا يؤمن بأنه الله هو الذي خلق السموات والأرض، خائف كثيرًا من اتخاذ قرار الطلاق لأني لا أعمل! وأهلي قالوا لي: أنتِ التي اخترت فعيشي حياتك، وقرري ما هو صالح لك، حاولت الكثير مع زوجي، ونصحه, ويرفض الاستجابة، لي سنة وأنا أحاول، وأعلم بأنك سوف تقول لي: لماذا الآن قررت؟ لأني تعبت كثيرًا من غضب ربي، وأن أعمل شيئًا لربي.
أرجوك، ثم أرجوك، أريد منك المساعدة، أبكي ليلًا، ونهارًا، أريد الهداية، ورضى ربي، أسعفني، أرجوك.
الجواب
الحمد لله
لا ندري كيف يمكن لزوجة مسلمة تؤمن بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا أن تمكث دقيقة مع مثل ذلك الزوج الخبيث الملحد؟! ولا ندري كيف وصل الحال بأهل تلك الزوجة إلى أن يتخلوا عنها، ويجعلوا الأمر لها, بدلًا من أن يقفوا معها في محنتها هذه مع ذلك الزوج الملحد.
وإذا كان ثمة خلاف بين العلماء في حكم تارك الصلاة، وحكم استمرار عقد الزوجية مع من لا يصلي من الأزواج – والراجح أنه يكفر بتركها -: فإنه ليس ثمة خلاف في كفر من أنكر خلق الله تعالى للسموات والأرض، وبذا يكون حال عقدك البطلان، والفساد، بلا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم؛ لأنه يصير بذلك مرتدًّا إن كان قد أسلم أولًا.
قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) الممتحنة/ من الآية 10.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
أي: لم يحلَّ الله مؤمنةً لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة، وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فُرقة المسلمة من زوجها: إسلامها، لا هجرتها.
” تفسير القرطبي ” ( 18 / 63 ) .
وعليه: فلا يسعكِ الآن عمل شيء سوى التخلص من ذلك الملحد بفراقه بالطريقة التي تتيسر لك، وأما عقد الزوجية: فهو في حكم الشرع مفسوخ، ولا يحل لك الظهور أمام ذلك الملحد، وهو أجنبي عنك، وليس له ولاية على أولادك، واحذري من جعل الأولاد عائقًا بينك وبين طلب الفسخ؛ فإن هذا ليس بمعذرك عند ربك.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وكثير من النساء – والعياذ بالله – يمنعهن وجود الأولاد عن طلب الفسخ، وهذه مسألة عظيمة، فيقال: افسخي النكاح، ولا يجوز أن تبقي مع هذا الكافر الذي لا يصلي، وأولادك لن يفارقوك ما دام أبوهم على هذه الحال، فلا ولاية له عليهم، فالكافر لا ولاية له على مؤمن: ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاًً ) النساء/ 141، فلن يفرق بينك وبين أولادكِ، وأما هذا الزوج : فلا خير فيه، زوج كافر تتركيه يستحل منك ما يحرم! هذا منكر عظيم.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 250 ).
وأما طرق التخلص منه، وأخذ ولاية الأولاد: فمرجع ذلك إلى ما يتيسر من سبيل بحسب القوانين المعمول بها في البلد الذي تعيشين فيه، والمهم في كل ذلك أن تبدأ إجراءات فراقه فور وصول جوابنا إليك، وأن تمتنعي من البقاء معه فورًا دون تردد، إما بمغادرتك البيت، أو مغادرته هو، ولا بدَّ أن يقف أهلك معك، ولا بدَّ أن تعرضي أمرك هذا على المسلمين ليقفوا بجانبك، ولا يحل لأحد يقدر على مساعدتك منهم أن يتخلى عنك، وإن طلب هذا الملحد مالًا وجب عليهم أن يؤدوه له؛ لتخليصك منه.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
فإن وصل – أي: الزوج – إلى الكفر: فإن الخلع هنا واجب، فيجب أن تفارقه بكل ما تستطيع، ويجب على من علم بحالها من المسلمين إذا كان زوجها – مثلًا – لا يصلي: أن ينقذوها منه بالمال؛ لأنها في مثل هذه الحال في الغالب لو حاكمته إلى القاضي: فإنها لن تحصل على طائل ….
ففي مثل هذه الحال: إذا علمنا صدق المرأة، وأن الزوج قد طلب لفراقها كذا من المال: فإنه يجب علينا – فرض كفاية – أن نخلصها منه؛ لأن بقاء المسلمة تحت الكافر: أمرٌ محرم، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، ولا يمكن أن تبقى عند هذا الرجل الكافر يتمتع بها. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 459 ).
* وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:
وموقع قوله: ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) موقع البيان والتفصيل للنهي في قوله: ( فلا ترجعوهن إلى الكفار ) تحقيقاً لوجوب التفرقة بين المرأة المؤمنة وزوجها الكافر.
وإذ قد كان المخاطَب بذلك النهي جميع المؤمنين كما هو مقتضى قوله: ( يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ) إلى آخره: تعين أن يقوم بتنفيذه من إليه تنفيذ أمُور المسلمين العامة في كل مكان، وكل زمان، وهم ولاة الأمور، من أمراء، وقضاة، إذ لا يمكن أن يقوم المسلمون بما خوطبوا به من مثل هذه الأمور العامة إلاّ على هذا الوجه، ولكن على كل فرد من المسلمين التزام العمل به في خاصة نفسه، والتزام الامتثال لما يقرره ولاة الأمور. ” التحرير والتنوير ” ( 28 / 156 ).
وإن كنتِ تعيشين في ” أمريكا ” – كما هو في بيانات السؤال -: فهذه ضريبة العيش في مثل تلك الديار الخربة، وعليك أن تسعي في مغادرة تلك الديار دون تأخير، وترجعين إلى أهلك، وبلدك، تربينهم على الإسلام، وتحفظينهم كتاب الله تعالى، دون أن يروا قدوة سيئة تصدهم عن الاستمرار، ودون أن توجد موانع تمنعهم من المتابعة فيما هو خير لهم.
ولذا فحقَّ لك أن تبكي ليل نهار على ما وصل إليه حالك، ولكن البكاء لا يجدي نفعًا، فبادري بالعمل، واسعي لتغيير ذلك الحال، بنقض عقد الزوجية، وعدم تمكينه منك، ومن رؤيتك، وبالرجوع إلى أهلك وبلدك.
ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، وأن يحفظ عليك دينك، وأن يرزقك برَّ أولادك.
والله أعلم.


