ابن الزنى إلى من يُنسب؟ وهل لو تزوج الزاني بالمزني بها يُنسب إليه؟

السؤال

إلى من يُنسب الطفل الذي جاء عن طريق الزنا، هل إلى أبيه أم إلى أمه؟ أم أنه يُنسب لا إلى شخص بعينه؟ وهل زواج الأب بالأم فيما بعد يُثبت لهذا الطفل نسبه إلى أبيه؟.

وما هو الاسم المناسب – في رأيكم – لتسمية هذا الطفل، هل مثلًا اسم ” سلام ” مناسب؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

ليس ثمة ” أب ” لابن الزنا، على الصحيح من أقوال العلماء؛ لأن ماء الزاني ماء سفاح، وإنما يكون الرجل أبًا إن كانت نطفته من نكاح.

* والمزني بها إما أن تكون زوجة، أو بلا زوج:

أ. فإن كانت زوجة: فقد أجمع العلماء على عدم نسبة ابن الزنا للزاني.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

فلما جاء الإسلام أبطل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمَ الزنى، لتحريم الله إياه، وقال ( لِلْعَاهِرِ الحَجَرُ ) فنفى أن يُلحق في الإسلام ولد الزنى، وأجمعت الأمة على ذلك، نقلًا عن نبيِّها صلى الله عليه وسلم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ولد يولد على فراشٍ لرجل: لاحقاً به على كل حال، إلى أن ينفيه بلعان، على حكم اللعان.

وقال:

وأجمعت الجماعة من العلماء: أن الحرَّة فراش بالعقد عليها، مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل: فالولد لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبدًا بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه، إلا باللعان.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 8 / 183 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

وأجمعوا على أنه إذا وُلد على فراش، فادَّعاه آخر: أنه لا يلحقه، وإنما الخلاف فيما إذا وُلد على غير فراش. ” المغني ” ( 7 / 130 ).

ب. وإن كانت غير ذات زوج: ففي المسألة خلاف، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُنسب للزاني، ولو استلحقه، وادعاه، وأنه إنما يُنسب لأمه، وتترتب عليه أحكام البنوة بالنسبة لها كاملة، وهو القول الصحيح الراجح.

وذهب آخرون – ومنهم إسحاق بن راهويه، شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم – إلى أن الزاني إن استَلحق ابنه من الزنا: فإنه يُلحق به.

ولا خلاف بين العلماء إلى أن ابن الزنى لا يُلحق بالزاني إن لم يستلحقه بنسبه.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإن استلحق ولده من الزنا، ولا فراش: لحقه، وهو مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وإسحاق. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 508 ).

والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو ما يفتي به علماء اللجنة الدائمة.

وعمدة هذا القول:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاش، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَة.

رواه البخاري ( 1948 ) ومسلم ( 1457 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِر الحَجَرُ ) نصٌّ في أن العاهر ليس له إلا الخيبة، أو الرجم، وأنه لا يُلحق به من تخلق من مائه الفاجر.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

فكانت دعوى ” سعد ” سببُ البيان من الله عز وجل، على لسان رسوله، في أن العاهر لا يُلحق به في الإسلام ولد يدَّعيه من الزنا، وأن الولد للفراش على كل حال.

” الاستذكار ” ( 7 / 163، 164 ).

ثانيًا:

والنسبة للأم في زماننا هذا قد تكون متعذرة ؛ لما في قوانين أكثر الدول – إن لم يكن كلها – من اشتراطهم النسبة للأب، وعليه: فقد أفتى أهل العلم بسبب هذا إلى جواز تسمية ابن الزنى هذا اسمًا عامًّا، ولا يكون فيه نسبةً لأحدٍ بعينه من الناس.

واسم: ” سلام ” لا بأس به.

– وانظر جملة من الآداب في تسمية المولود في أجوبتنا الأخرى.

ثالثًا:

وزواج الزاني بمن زنى به لا يخلو من أن يكون أثناء حملها منه – إن كانت غير متزوجة – أو بعد وضعها.

فإن تزوجها وهي حامل منه – أو من غيره -: فالنكاح باطل؛ لأنه لا يحل نكاحها حتى تضع حملها.

وإن تزوجها بعد وضعها للحمل: جاز ذلك، لكن لا بدَّ أن يكون ذلك بعد توبتهما من فعلتهما، وإلا كان الزواج باطلًا.

وفي كلا الحالتين – سواء تزوجها وهي حامل منه، أو بعد الوضع -: لا يستفيد الزاني شيئًا من زواجه بالمزني بها؛ لأنه لا يكون بالزواج منها جواز نسبة ابنه من الزنا إليه.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم عقد الزواج على امرأة ثيب حامل من الزنا في شهرها الثامن، هل يعتبر العقد باطلًا أو فاسدًا أو صحيحًا؛ فإنه قد تنازع في ذلك عندنا عالِمان فأبطل أحدهما العقد، وصححه الآخر إلاَّ أنه حرُم على من تزوجها الوطء حتى تضع الحمل؟.

فأجابوا:

إذا تزوج رجل امرأة حاملًا من الزنا: فنكاحه باطل، فيحرم عليه وطؤها؛ لعموم قوله تعالى: ( ولا تعزموا عقد النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله )؛ وقوله تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن )؛ وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره ) رواه أبو داود ، وصححه الترمذي، وابن حبان؛ ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا توطأ حامل حتى تضع ) رواه أبو داود، وصححه الحاكم، وبذلك قال مالك، وأحمد رضي الله عنهما، وقال الشافعي، وأبو حنيفة – في رواية عنه -: يصح العقد غير أن أبا حنيفة حرم عليه وطأها حتى تضع الحمل؛ للأحاديث المتقدمة، وأباح الشافعي له وطأها؛ لأن ماء الزنا لا حرمة له، ولا يلحق الولد بالزاني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وللعاهر الحجر )، كما أنه لا يلحق بمن تزوجها؛ لأنها صارت فراشاً بعد الحمل.

بهذا يتبين سبب الخلاف بين الشيخين، وأن كلًا منهما قال بالحكم الذي قال به من قلده، ولكن الصواب: الأول؛ لعموم الآيتين، والأحاديث الدالة على المنع.

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 153 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة