صوَّر بحثًا، وحذف منه أشياء، وأوهم القراء أنه له، فهل يأثم على فعله؟
السؤال
ما حكم عملي هذا، فأنا في حيرة، وماذا يجب عليَّ بعدما فعلته؟:
ذهبت إلى مكتبة ” الملك فهد الوطنية ” بالرياض، قسم ” الرسائل الجامعية “، ووجدت رسالة جامعية رائعة في موضوعها، وقوة الباحث العلمية واضحة في رسالته، فأعجبتني جدًّا، وأنا أعرف الباحث، وأنه يريد طبعها، ونشرها قريبًا، لكني صورت الرسالة من المكتبة بطريقتي الخاصة؛ لأنهم لا يسمحون بتصوير الرسالة كاملة، لكن صورتها كاملة بطريقتي، ثم حذفت صفحات من الرسالة، فمِن كل باب أحذف من خلال فصول الباب، ومباحثه: عددًا كبيرًا من الصفحات، من باب اختصار الرسالة، وأصبحت الرسالة مختصرة في كتيب، فالأسلوب في الكتيب هو أسلوب صاحب الرسالة، وكذلك توثيقاته، وتراجمه للأعلام، وتعليقاته … الخ، ثم أضفت مقالًا لي، وفتوى في موضوع قريب من الرسالة، ثم طبعت الكتيب في مطبعة عن طريق فاعل خير، ووزعته مجانًا، ونشرت الكتيب في الإنترنت قبل صاحب الرسالة أن ينشر رسالته، والتي وعد بصدورها في قادم الأيام، وفعلتُ هذا في رسالته بدون إذنه، فلم يأذن لي صاحب الرسالة، وجعلت في الغلاف الأمامي للكتيب اسمي وكأني المؤلف، ولم أجعل في الغلاف الأمامي اسم الباحث صاحب الرسالة، ولم أجعل ما يوحي إلى أنه اختصار في الواجهة، وإنما قلت في هامش المقدمة بأن هذا اختصار من رسالة جامعية لفلان، وأعلنت في الغلاف الخلفي عن رسالة الباحث، ولكني سميتها باسم غير اسمها، ثم بلغني بأن صاحب الرسالة غير راضٍ على فعلي، خصوصًا، وأن هناك أخطاء فظيعة حينما مسحت الأسطر والصفحات، حيث تداخلت بعض الصفحات في غير أماكنها التي أريد، وأمرني صاحب الرسالة بأن أتوقف عن توزيع الكتيب، ونشري له في الإنترنت حتى لا تتضرر رسالته التي سيطبعها ويطرحها في الأسواق، ولم أتوقف، وبلغني بأن صاحب الرسالة قد يلجأ للجهات المختصة إن لم أعتذر منه وأتوقف عن نشر الكتيب، لكني لم أفعل ذلك؛ لأني لست مقتنعًا بكلامه، وأخبرني أحد الإخوة بأني مخالف لقرارات المجامع الفقهية، والأنظمة المرعية، فما هي نصيحتكم لي؟ وما حكم عملي هذا؟ أقنعوني إن كنت مخطئًا، وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
لا شك ولا ريب أنك أخطأتَ خطأً شنيعًا بفعلك ذاك، وليتك سألتَ عن الحكم الشرعي قبل أن تستولي على بحث ذلك الباحث، وتشوهه، وتوهم القراء نسبته لنفسك، وليتك توقفت عن نشره بعد أن بلغك إنكار صاحب البحث عليك فعلك، لكنك لم تفعل شيئًا.
وإن كنتَ تسأل لتستجيب لما يجب عليك فعله: فإن الواجب عليك:
أولًا: الاستغفار والتوبة الصادقة، والعزم على عدم العود لمثل هذا الفعل.
ثانيًا: التوقف عن نشر الكتيب بتلك الصورة المشوهة.
ثالثًا: الاعتذار لصاحب الكتاب عن فعلك، وأن تطلب منه مسامحتك.
وقد ضمنت الشريعة – والقوانين والأنظمة الأرضية – الحقوق الأدبية والمعنوية لأصحابها، ومن ذلك ما يشقى به المؤلفون من البحث، والدراسة، والكتابة، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يستولي على تلك الجهود، فيطبعها دون الرجوع لأصحابها، والاستئذان منهم، وأما طبعها ونسبتها لمن استولى عليها: فهذا إثم إضافي، ومعصية أخرى، ويشتمل هذا الفعل على مخالفات شرعية كثيرة، وفيها من الوعيد الشيء الكثير، ومن ذلك:
- شهادة الزور، وذلك في نسبتك الكتاب لنفسك، وإصرارك على ذلك.
عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ – أَوْ: سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ – فَقَالَ: ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ – أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ – ).
رواه البخاري ( 5632 ) ومسلم ( 88 ).
- التشبع بما لم تُعطَ، وذلك أنك نسبتَ لنفسك ما ليس لك، وأوهمت القراء أنه من تعبك.
عَنْ أَسْمَاءَ قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ ). رواه البخاري ( 4921 ) ومسلم ( 2130 ).
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قوله ( المتشبِّع ) أي: المتزين بما ليس عنده، يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل … .
وأما حكم التثنية في قوله ( ثوبي زور ): فللإشارة إلى أن كذب المتحلِّي مثنَّى؛ لأنه كذَب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يُعطِ، وكذلك شاهد الزور، يظلم نفسه، ويظلم المشهود عليه …. ” فتح الباري ” ( 9 / 317، 318 ).
- الغِش، وذلك بإخفاء الحقيقة، وإظهار الباطل.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا). رواه مسلم ( 102 ).
- الظلم، وذلك في سلبك لحق صاحب الرسالة، وتأثير فعلك على علمية رسالته، وطباعتها، وبيعها.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ).
رواه مسلم ( 2577 ).
* قال النووي – رحمه الله -:
قوله تعالى ( وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) هو بفتح التاء، أي: لا تتظالموا، والمراد: لا يظلم بعضكم بعضا، وهذا توكيد لقوله تعالى ( يا عبادي ) (وجعلته بينكم محرمًا )، وزيادة تغليظ في تحريمه. ” شرح مسلم ” ( 16 / 132 ) .
- ادعاء ما ليس لك، وهو واضح في ادعائك الجهد الذي بذله صاحب البحث الأصلي.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ). رواه البخاري ( 3371 ) ومسلم ( 61).
فها أنت الآن لعلك وقفت على حكم ما فعلتَ، وهي آثام كثيرة، وكم رأينا وسمعنا عن كتَّاب فعلوا مثل فعلك، واكتسبوا من وراء ذلك شهرة ومالًا، لكنها شهرة زائفة، سرعان ما فضحهم الله على رؤوس الأشهاد، وهو مال حرام، سرعان ما ظهر أثر الحرام عليهم في أنفسهم، وأهليهم.
فاعمل بما نصحناك به، ونرجو الله أن يتقبل منك توبتك، وأن يتقبل ذلك الباحث اعتذارك.
والله أعلم.


