مسائل متعددة بخصوص ” صندوق عائلة وقفي “
السؤال
تعتزم عائلتنا المباركة على إنشاء صندوق وقف خيري قائم على الاستثمار، بحيث يتم جمع مبالغ تصرف على ( جميع الأنشطة التي تهدف إلى تعزيز صلة الرحم بين أفراد العائلة )، وذلك من العوائد المتوقعة من المشاريع الاستثمارية، بحيث يتم تنمية رأس المال، والاستفادة من الأرباح، دون التأثير على رأس المال المستثمَر، فيهدف إنشاء الوقف الخيري أن يقوم بتمويل نفسه من خلال استثمارات لرأس مال يتبرع به المحسنون من العائلة ( الأحياء والأموات ) للصرف على تحقيق أهداف الوقف، بحيث يكون العمل مؤسَّسي، قائم على مجموعة من الشباب يتم ترشيحهم من مجلس العائلة بمسمَّى ( مجلس الوقف ) بحيث يستهدف الآتي:
- تحقيق التعارف، والتآلف، والترابط بين أفراد الأسرة.
- تنمية صلة القربى، وصلة الرحم، وتثبيت ودعم العادات، والتقاليد الحميدة، وغَرس قيَم التسامح، والإخاء في نفوس أفراد العائلة، وتعهد النشء، ورعاية الشباب، واحترام الكبير، وحماية المُسنّ.
- العمل على رفع المستويين الاجتماعي، والمعيشي لأفراد العائلة.
- العمل على حل مشاكل أفراد العائلة معنويًّا، وماديًّا بما يتناسب مع قدرات الوقف.
- رفع المستويات الثقافية، والتعليمية، والدينية لأطفال وشباب العائلة، من خلال توجيه اللجان المختصة.
- فتح فرص العمل أمام شباب العائلة، من خلال معارف العائلة، وقدرات مجلسها، بحيث تغطي كافة قطاعات العمل.
- تنمية المشاريع الاستثمارية الصغيرة للعائلة.
ففكرة عمل الوقف تقوم على استثمار المبلغ في مشاريع ذات عوائد جيدة، وخطورة قليلة، على أن يتم الصرف من الأرباح فيما يحقق أهداف الوقف أعلاه.
فنرجو منكم التكرم بالإفادة في جواز ذلك من عدمه.
أحسن الله لكم جزيل الأجر، والمثوبة.
الجواب
الحمد لله
- هذه الصناديق الأسرية التي تقوم على إنشائها الأسرة الكبيرة – القبيلة -، أو الأسرة الصغيرة – الفخذ -: كلها من العمل النافع الطيب، وهو من التعاون على البر والتقوى، ومن التقوي بالمسلمين بعضهم ببعض، وفيه التخلص مما وقع فيه كثيرون في مهاوي الردى بالأخذ للقروض الربوية، ويُرجى أن يكون في مثل هذه الصناديق أجور متعددة، وصرف لكثير من أسباب الإثم والسخط من الرب تعالى.
قال تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) المائدة/ 2.
وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ). رواه البخاري ( 467 ) ومسلم (2585).
* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:
وهذا التشبيك من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كان لمصلحة وفائدة، لم يكن عبثًا؛ فإنه لمَّا شبَّه شدَّ المؤمنين بعضهم بعضًا بالبنيان: كان ذلك تشبيهًا بالقول، ثم أوضحه بالفعل، فشبَّك أصابعه بعضها في بعض؛ ليتأكد بذلك المثال الذي ضربه لهم بقوله، ويزداد بيانا وظهورًا .
” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 584 ).
وعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ: مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ: تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ). رواه البخاري ( 5665 ) ومسلم ( 2586 ).
* قال النووي – رحمه الله -:
هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين، بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم، والملاطفة، والتعاضد في غير إثمٍ، ولا مكروهٍ.
” شرح مسلم ” ( 16 / 139 ).
- وهذا الصندوق الوارد ذِكره في السؤال هو من الصناديق الوقفية، ومما لا شك فيه أن الشريعة حثَّت على الوقف، ورتبت عليه الأجور العظيمة، وهو المراد بالصدقة الجارية، والتي تجري أجورها على أهلها بعد موتهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ). رواه مسلم ( 1631 ).
* قال النووي – رحمه الله -: قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف. ” شرح مسلم ” ( 11 / 85 ).
- والوقف يجوز في الأراضي، والعقارات.
* قال الماوردي – رحمه الله -:
يجوز وقف العقار، والدور، والأرض، والرقيق، والماشية، والسلاح، وكل عين تبقى بقاءً متصلًا ويمكن الانتفاع بها. ” الحاوي الكبير ” ( 9 / 316 ).
- ولا بأس في انتفاع من يشارك منكم في الصندوق الوقفي من ريع الوقف.
* قال ابن عابدين – رحمه الله -:
وجاز جعل الغلة كلها، أو بعضها لنفسه. ” حاشية ابن عابدين ” ( 4 / 384 ).
* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:
إن الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق على نفسه: صح الوقف، والشرط، نص عليه أحمد. ” المغني ” ( 5 / 604 ) .
- ولا يشترط في الوقف أن يكون من شخص واحد، بل يجوز الاشتراك به من مجموعة.
* قال السرخسي – رحمه الله -:
وإذا كانت الأرض بين رجُلين، فتصدقا بها صدقة موقوفة على بعض الوجوه التي وصفناها ودفعاها إلى ولي يقوم بها: كان ذلك جائزًا.
” المبسوط ” ( 12 / 38 ).
- وما وضعتموه من شروط في الوقف، وأوجه منافعه: جاز لكم تغييره حسب المصلحة.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وفاسد، كالشروط في سائر العقود، ومن قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع: فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف، لا في وجوب العمل بها …
وأما أن تُجعل نصوص الواقف، أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها: فهذا كفر باتفاق المسلمين. ” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 47 – 49 ).
- ولا يجوز أن يكون من ريع الوقف ما يُنفق على محرَّم، أو باطل.
فلا تُدفع من الأموال لمن اقترض بالربا، إلا إن ثبتت توبته بيقين، ولا في قضايا ارتكب أصحابها منكرات وآثام، كقضايا الخمور والمخدرات، بل عليكم جعل الريع من ذلك المال الوقفي في أوجه الخير المختلفة.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
كل ما شُرط من العمل من الوقوف التي توقف على الأعمال: فلا بد أن تكون قربة، إما واجبًا؛ وإما مستحبًّا، وأما اشتراط عمل محرم: فلا يصح، باتفاق علماء المسلمين؛ بل وكذلك المكروه، وكذلك المباح، على الصحيح.
وقد اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح، وفاسد، كالشروط في سائر العقود. ” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 47 ).
* وقال – رحمه الله -:
لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشروط إن وافقت كتاب الله: كانت صحيحة، وإن خالفت كتاب الله: كانت باطلة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب على منبره وقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط ، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق )، وهذا الكلام حكمه ثابت، في البيع، والإجارة، والوقف، وغير ذلك، باتفاق الأئمة.
” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 48 ).
- لا زكاة في مال الصندوق الذي تسألون عنه؛ لأن المالَ مالُ وقف.
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
قبيلة من القبائل كوَّنوا مبلغًا من المال، وجعلوا هذا المبلغ خاصًّا لما يجري على هذه القبيلة من الدم، ومشوا هذا المبلغ للتجارة، والربح الناتج عايد للدم أيضًا، فهل يجب بهذا المبلغ زكاة أم لا؟ وإذا لم يتاجر فيه هل عليه زكاة أم لا؟ وهل يحق للقبيلة نفسها أن تدفع فيه زكاة أموالها من النقدين؟.
فأجابوا:
إذا كان الواقع كما ذُكر: فلا زكاة في المال المذكور؛ لكونه في حكم الوقف، سواء كان مجمَّدًا، أو في تجارة تدار، ولا يجوز أن تُدفع فيه الزكاة؛ لكونه ليس مخصصًا للفقراء، ولا غيرهم، من مصارف الزكاة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 291، 292 ).
ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه الخير والنفع لكم، ونوصيكم بأن يكون في ” مجلس الوقف ” من أهل العلم الشرعي؛ حتى يدلونكم على الحلال النافع في الأعمال، ويجنبونكم الحرام الضار منها.
والله أعلم.


