هل تلتقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات في المنام؟ وهل ما يرونه من حال يصدَّق؟
السؤال
هل تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام؟ لأن الإنسان يرى أمواتاً من أقاربه، ويتحدث إليهم في منامه، أو يطلبون صدقة، أو يرى الميتَ في نعيم، وبساتين، هل هذه منازله؟ وهل هذه روحه التقت مع روح الميت لأن النوم هو الموتة الصغرى؟
الجواب
الحمد لله
أولا:
ثبت في الشرع، والواقع، ما يدل على التقاء أرواح الأحياء والأموات، وذلك في قول طائفة من أهل السنَّة.
- أما ثبوت اللقاء في الشرع: ففي قوله تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الزمر/ 42.
* وفي هذه الآية قولان مشهوران:
الأول: ” وهو أن المُمْسَكة: مَن توفيت وفاة الموت أولًا، والمرسَلة: مَن توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول: أنه يتوفى نفس الميت، فيمسكها، ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم، ثم يرسلها إلى جسده إلى بقية أجلها، فيتوفاها الوفاة الأخرى “.
وهذا كلام ابن القيم في كتابه ” الروح ” ( ص 20، 21 ) وترجيحه.
والقول الثاني – وعليه الأكثرون -: ” أن كلا من النفْسين: الممسَكة، والمرسَلة توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت : فتلك قسم ثالث؛ وهي التي قدَّمها بقوله: ( الله يتوفى الأنفس حين موتها)، وعلى هذا يدل الكتاب، والسنَّة …
فإن الله ذكر توفيتين: توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة، وإرسال الأخرى، ومعلوم أنه يمسك كل ميتة، سواء ماتت في النوم، أو قبل ذلك؛ ويرسل من لم تمت. وقوله: ( يتوفَّى الأنفس حين موتها ) يتناول ما ماتت في اليقظة، وما ماتت في النوم؛ فلما ذكر التوفيتين: ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين، ويرسلها في الأخرى؛ وهذا ظاهر اللفظ، ومدلوله، بلا تكلف “.
وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمة في ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 452، 453 ) وترجيحه.
والآية على كلا القولين تصلح دليلا لالتقاء أرواح الأحياء بالأموات، فقد ذكر ابن القيم المسألة، وانتصر لها بقوة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – بعد ترجيحه القول الثاني -:
وما ذُكر من التقاء أرواح النيام والموتى: لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه. ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 453 ).
كما أن طائفة كبيرة من السلف رحمهم الله رأت في الآية دليلا على ذلك اللقاء بين أرواح الأحياء في منامهم، مع أرواح الأموات في برزخهم.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد: أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها.
وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى ) أي: يعيدها. ” تفسير القرطبي ” ( 15 / 260 ).
* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
وفي هذه الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف اللّه فيها في الوفاة، والإمساك، والإرسال، وأن أرواح الأحياء، والأموات، تتلاقى في البرزخ ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل اللّه أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات.
” تفسير السعدي ” ( ص 725 ).
وثمة قول آخر في الآية: وهو أن الروح الممسَكة، والمرسَلة: هي روح الميت، وهو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ثانيًا:
- وأما ثبوت اللقاء في الواقع: فقد قال ابن القيم رحمه الله:
شواهد هذه المسألة، وأدلتها: أكثر من أن يحصيها إلا الله تعالى، والحس، والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء، والأموات، كما تلاقي أرواح الأحياء. ” الروح ” ( ص 20 ).
* وقال – رحمه الله -:
وقد دلَّ التقاء أرواح الأحياء والأموات: أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيُّ، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي، والمستقبل، وربما أخبره بمالٍ دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدَيْن عليه، وذَكَر له شواهده، وأدلته.
وأبلغ من هذا: أنه يخبر بما عملَه من عملٍ لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا، فيكون كما أخبر، وربما أخبره عن أمورٍ يقطع الحى أنه لم يكن يعرفها غيره. ” الروح ” ( ص 21 ).
وما يوجد من الحكايات والأخبار الحقيقية في هذا الباب أشهر من أن تُنكر، وأكثر من أن تُذكر، ومن هنا قال ابن القيم رحمه الله:
وهذا باب طويل جدًّا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه، وقلتَ: هذه منامات، وهي غير معصومة: فتأمَّل مَن رأى صاحباً له، أو قريبًا، أو غيره، فأخبره بأمرٍ لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا، أو أخبره بمالٍ دفنه، أو حذَّره من أمر يقع، أو بشَّره بأمرٍ يوجد، فوقع كما قال، أو أخبره بأنه يموت هو، أو بعض أهله إلى كذا وكذا، فيقع كما أخبر، أو أَخبره بخصبٍ، أو جدبٍ، أو عدوٍّ، أو نازلة، أو مرض، أو بغرضٍ له، فوقع كما أخبره، والواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذاك عجائب.
وأبطل من قال: إن هذه كلها علوم، وعقائد، في النفس، تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم، وهذا عين الباطل، والمحال؛ فإن النفس لم يكن فيها قط معرفة هذه الأمور التي يُخبِر بها الميتُ، ولا خطرت ببالها، ولا عندها علامة عليها، ولا أمارة بوجه ما، ونحن لا ننكر أن الأمر قد يقع كذلك.
” الروح ” ( ص 29 ).
ثالثًا:
وما قاله الإمام ابن القيم، ونقلناه عن السلف، هو الذي يقول به أئمتنا المعاصرون، وينفون ما يُزعم من لقاء الأحياء بالأموات عن طريق ” التنويم المغناطيسي “، أو ما يسمَّى ” تحضير الأرواح “، أو اللقاء في المقابر في أيام معينة، وإنما يحصرون هذا اللقاء في المنام فقط.
- * قال الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله -:
قال ابن القيم رحمه الله: ” وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيَّ ، فيصادف خبره كما أخبر “، فهذا هو الذي عليه السلف، من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله، وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام، كما أنه لا صحة لما يدَّعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاءون من الأموات، ويكلمونها، ويسألونها، فهذه ادعاءات باطلة، ليس لها ما يؤيدها من النقل، ولا من العقل، بل إن الله سبحانه وتعالى هو العالم بهذه الأرواح، والمتصرف فيها، وهو القادر على ردِّها إلى أجسامها متى شاء ذلك، فهو المتصرف وحده في ملكه، وخلافه لا ينازعه منازع، أما مَن يدعي غير ذلك: فهو يدعي ما ليس له به علم، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح؛ إما لكسب مال، أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره، أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة.
” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 311، 312 ).
- * قال علماء اللجنة الدائمة:
دنو أرواح الأموات من قبورهم يوم الجمعة، أو ليلتها، ومعرفتهم مَن زارهم، أو مرَّ بهم، وسلَّم عليهم، أكثر من معرفتهم بهم في غير يوم الجمعة، أو ليلتها، والتقاء الأحياء والأموات ذلك اليوم: كل هذا من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، فلا تُعلم إلا بوحي من الله لنبيٍّ من أنبيائه، ولم يثبت في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، ولا يكفي في معرفة ذلك الأحلام؛ فإنها تخطئ، وتصيب، فالقول بها، والاعتماد عليها: رجم بالغيب. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 646 فما بعدها )، وقد نقدوا الروايات الواردة في لقاء الأحياء بالأموات في المقابر، وكذا ما جاء في ذلك من منامات، وهو أضعف من أن يُحتج به على أمر غيبي.
- * قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وقد تكون الرؤيا صحيحة، فإن الإنسان قد يرى الميت في المنام، ويحدثه بأحاديث، ومن ذلك ما حدث لثابت بن قيس بن شماس رضى الله عنه حين استشهد في اليمامة، وكان عليه دِرع فمرَّ به رجل من الجند، وأخذ درعه، ووضعه في رحله تحت برمة – والبُرمة شيء يشبه القِدر لكنه يكون من الطين، أو الحجارة – المهم: أنه وضع هذا الدرع تحت هذه البرمة، وكان حوله فرس يستن، فرأى رجل من أصحاب ثابت بن قيس – رآه في المنام – وأخبره بالخبر، وقال: إنه مرَّ بي رجل، وأخذ الدرع، ووضعه تحت برمة في جانب العسكر، وحوله فرس تستن، فلما أصبح ذهب إلى المكان، ووجد الأمر كما قال ثابت بن قيس، وهناك قضايا تُذكر لنا، تتلاقى فيها أرواح الأحياء والأموات، ويتحدث الأموات بشيء يكون حقيقة، ولكن لو تحدث الميت إلى الشخص بأمرٍ لا يحلُّ شرعًا، أو بأمر لا يمكن أن يكون، أو بأمرٍ من أمور الغيب المستقبلة ، مثل أن يقول: سيحدث كذا، وسيحدث كذا: فإن هذا ليس بشيءٍ، ولا يُركن إليه، ولا يُقبل. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 206، وجه: أ ).
رابعًا:
وما يراه النائم من حال الميت، أو منزلته في الجنة: فإنه إن كانت رؤيا صحيحة: فما يراه هو الواقع، وقد ثبت عن كثير من السلف أنهم رأوا أمواتاً في المنام، فسألوهم عن أحوالهم، فأخبروهم بها، ثم نقلوا ذلك لنا، وهم أئمة أعلام، ولولا أن ذلك مما يؤخذ به: لما كان لهم ذِكر ذلك للناس، على أننا نقول: قد يكون ما رأوه هو حال ذلك الميت في تلك اللحظة، أما الخير والنعيم: فإما أن يثبت، أو يزيد، وأما حال الشر والسوء: فقد يتغير للأحسن بفضل الله ورحمته، ومما ورد في ذلك من نقل العلماء الثقات الأثبات، ونبدأ بما يقطع بصحة الأمر شرعًا، وذلك بالنقل عن صحابي رأى آخر في منامه، وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم:
- عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ.
فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ. رواه مسلم ( 116 ).
* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:
والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتْهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فغُفِرَ ليدَيْهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدْتَ ما لم يَدْعُ لك النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 1 / 324 ).
- * قال أبو داود – صاحب ” السنن ” -:
محمَّد بن محمد بن خلاَّد – وهو من شيوخه – قتله الزِّنج صبرًا، فقال بيده هكذا – ومدَّ أبو داود يده، وجعل بطون كفيه إلى الأرض -، قال: ورأيتُه في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة.
أبو داود بعد الحديث رقم ( 3281 ).
- * وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
رئي عمرو بن مرَّة الجملي – وهو من خيار أهل الكوفة، شيخ الثوري وغيره – بعد موته ، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بحبِّ علي بن أبي طالب، ومحافظتي على الصلاة في مواقيتها.
” منهاج السنَّة النبوية ” ( 6 / 201 ).
- * وقال الذهبي – رحمه الله -:
قال حبيش بن مبشر – أحد الثقات -: رأيتُ ” يحيى بن معين ” في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أعطاني، وحبَاني، وزوَّجني ثلاث مائة حوراء، ومهَّد لي بين البابين. ” تذكرة الحفَّاظ ” ( 2 / 15 ).
والله أعلم.


