يعترض على القول بجواز التأمين على السيارات للضرورة والبديل عنده الجمال والخيول!
السؤال
سؤالي هو:
بالإشارة إلى تأمين السيارات في البلدان التي تُلزم كلَّ صاحب سيارة الحصول على تأمين سيارة، فكنت قد قرأت في فتوى لكم، وفي هذه الفتوى كانت هناك إشارة إلى: ” إلا أن تكون مجبرًا على سحب التأمين الحرام “، وأنا أسأل الآن: هل يضطر كل مسلم لامتلاك، واستخدام سيارة، رغم أن هناك وسائل مواصلات بديلة، مثل الدراجات، والجمال، والخيول، أو حتى المشي؟ وهل تعد حالة ضرورة؟ ولو أخذنا مثلا ما جاء في الفتوى الأخرى فيما يتعلق باضطرار شخص ما على حلق، أو تقصير لحيته في تلبية لشرط الوظيفة المتقدم إليها، فقد قيل: إن وجدت وظيفة أخرى: فتترك تلك، لغيرها؛ إرضاء لوجه الله، وفي مقارنة بموقف تأمين السيارة لا تجبر الحكومة الناس على تملك سيارة، فهم يجبرون في حال تملكك لسيارة أن تعمل تأمين للسيارة، ويمكن شرح الأمر بطريقة أخرى: لو اخترع شخصًا ما جهازًا يحمل شخصًا من النقطة ” أ ” إلى النقطة ” ب ” في وقت أسرع، لكنهم وضعوا شرطًا في عمل ذلك، وهو: لكي تستخدم هذا الاختراع في أرض معينة فيجب أن تشارك في الربا، في صورة التأمين، هل يجوز إذاً أن تشارك في هذا الاختراع فقط لأنه يقلك من النقطة ” أ ” إلى النقطة ” ب ” في زمن أسرع وأسهل؟ ( ضع في حسبانك أن هناك خيارات أخرى مما لا تفرض التعامل بالربا في شكل التأمين ) ودعنا نجلِّي الموقف أكثر بقول: لو اخترع شخص ما غدًا جهازًا جديدًا، كل ما ستفعله هو أن تضغط زر وتقول ” مسجد “: فيحملك إلى مسجد يبعد عن بيتك خمسة أميال، في دقيقة واحدة، وهو ما يعد أسرع من السيارة، ودعنا نقول: إن في هذا البلد ألغت التأمين القائم على الربا من السيارة، ورسموها على هذا الجهاز الجديد، وفي ظل هذا السيناريو: فلو أردت أن تتحرك من النقطة ” أ ” إلى النقطة ” ب ” مستخدمًا هذا الجهاز الجديد الأسرع من السيارة: فأنت مضطر حينئذ للتعامل بالربا في شكل هذا التأمين، فهل أنت مضطر للتعامل بالتأمين في تلك الحالة الجديدة ؟ وضع في حسبانك أنه يمكن إجراء مثل ذلك المثال على السيارات، والدرجات، والجمال، والخيول، والمشي، كوسائل بديلة، وهل من الصواب أن أقول الآن: إنه لا يوجد شخص مضطر لاستخدام الاختراع الأسرع طالما أن هناك خيارات أخرى لا تفرض فيها شهادات التأمين القائمة على الربا؟ فهل تقول بأنه ليس من الجائز أن تشارك في هذا النوع من وسائل المواصلات التي تجبر على عمل شهادات تأمين قائمة على الربا؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
بارك الله فيك على اهتمامك بما ينفعك في أمر دينك، فمَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وللأسف أن واقع هذا العصر فرضَ دخول كثير من المخالفات الشرعية في شؤون حياتهم, إما بسبب تقليد من وضع تلك الأنظمة للغرب، أو بسبب جهلهم بأحكام الشرع.
ثانيًا:
ومن هذه المخالفات التي لامست واقع الناس: مسألة التأمين الإلزامي الذي أصبح لازما لا مفر منه في أغلب البلاد الإسلامية، تبعًا لغيرها من دول الكفر، وهذه المسألة وقع فيها كثير من الناس بحكم الحاجة الماسَّة، أو الضرورة.
وقد تكلم العلماء عن حكم هذا النوع من التأمين، وأنه مخالف للشريعة في أصله؛ لمَا يتضمنه مِن غرر، وجهالة، وأكلٍ لأموال الناس بالباطل.
ثالثا:
ومن كمال الشريعة: أن الله تعالى قد بيَّن ما يحتاج إليه الناس في حياتهم إلى قيام الساعة, ولا شك أن مثل هذه المسائل تدخل في قواعد نصَّت عليها الشريعة، كما ورد في حديث النعمان بن بشي: ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ).
رواه البخاري ( 52 ) ومسلم ( 1599 ).
ومن كمال الإسلام: أنه نصَّ على ضوابط شرعية، وقواعد كلية في حالة الضرورة، والاضطرار، ومن ذلك قوله تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) البقرة/ من الآية 173، وكحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) رواه ابن ماجه ( 2045 )، وصححه الألباني رحمه الله في ” صحيح ابن ماجه “.
كل هذا مع بيان أن الأخذ بالعزيمة هو الأصل، وأن الترخص بالضرورة فرع, ولا يقدم الفرع على الأصل إلا بضوابط شرعية.
وحد الضرورة هو ما يغلب على الظن وقوع المرء بسببه في الهلاك، أو أن تلحقه بسببه مشقة لا يحتملها، وقد جعل العلماء للضرورة غاية تقدر بقدرها, وحيث زالت الضرورة زال الأخذ بالرخص.
ومن تلك القواعد: ” الضرورة تبيح المحظورات “، و ” الضرورة تقدَّر بقدرها “.
وقد ذكر العلماء أن الضرورة تختلف من بلدٍ لآخر، ومن شخصٍ لآخر, والحكم في ذلك لأهل العلم، فرب ضرورة تكون في بلد ولا تكون ضرورة في بلد آخر, وربما تكون لشخص ولا تكون لشخص آخر.
وعلى إثر ذلك: مَن احتاج إلى هذا الأمر الضروري، ولا مخرج لحاجته إلا بهذا الفعل: جاز له أن يرتكب هذا المحذور بقدَرٍ، ففي مسألة التأمين الإلزامي إذا احتاج الشخص إلى السيارة، ولا مناص إلا بدفع هذا التأمين: فيفعل، والإثم على الآخذ، كما نص عليه أهل العلم.
وبتطبيق قاعدة ” الضرورة تُقدَّر بقدرها ” هنا: قال أهل العلم: لا يجوز لذلك المضطر أن يؤمن على سيارته ” تأميناً شاملًا ” وهو يستطيع تأمين سيارته ” تأمينا اعتياديًّا “؛ لما في ” الشامل ” من دفع رسوم زيادة، في مقابل تحقيق منافع أكثر في حال وقوع حوادث مع الشخص المؤمِّن ، لكن لما كان التأمين محرَّمًا، ولم يجز للمؤمن أن ينتفع بأكثر مما أُخذ منه، ولم يكن التأمين الشامل إجباريًّا: لم يكن له تأمين سيارته بهذا النوع.
رابعًا:
وقول الأخ السائل إنه لا داعي للتأمين على السيارة لأن السيارة ليست ضرورة! فيوجد الدراجة، والجمل، والخيل، والمشي: فيرد عليه من وجوه:
- وماذا لو ألزمت الدولة من ركب الخيل، أو الدراجة الهوائية بالتأمين؟! وهل مثل هذا مستبعد، أو في الخيال؟! بل هو واقع في ما هو أقل شأنًا من هذا، وخاصة أن الأخ يريد لهذه الوسائل أن تعم وأن تنتشر، فمن الطبيعي بعدها أن تنظم أمورها بقوانين سير لها، ومن ذلك التأمين الإلزامي لمن قاد دراجته، أو ركب خيله!.
- وهل تظن أيها الأخ السائل أنه تتوفر الخيول، والجمال بقدَر هذه الأمة المحتاجة لها؟! وهل تظن أنه كل دولة يُمكن أن تسمح بهذا في شوارعها؟! إنهم يريدون التخلص من عقدة التخلف باتباعهم أسفه ما عند الغرب: فكيف تريدهم الرجوع لهذه الوسائل؟!.
- وماذا عن الرجل الذي يريد أن يخرج بعائلته لمكان بعيد، أو في سفر؟! فأين سيضع زوجته وبناته؟! وهل ترضى مثل ذلك التكشف للنساء المسلمات هروبًا من تأمين لا دخل لنا به، فلم نشرِّعه، ولم نرض به؟!.
- وماذا عن السفر بالطائرات وهي مؤمَّن عليها؟ وماذا عن السفر بالبواخر؟ وإن لم يكن لك حاجة بالسفر في تلك الوسائل: فاعلم أن غالب بضائعك التي تشتريها، من طعام، ولباس، إنما تأتي بتلك المواصلات المؤمَّن عليها، فماذا ستفعل مع هذا الوضع؟!.
إن ما تذكره ليس له واقع في النظر، ولا في الذهن، فضلًا أن يكون له واقع في دنيا الناس وحياتهم، وقد يصلح في بادية، أو قرية، أما أن يصلح حلاًّ لمواجهة مشكلة التأمين: فلا يمكن أن يكون، وهو من السذاجة بحيث يخطر في بال أحد من أهل العلم ليقترحه بديلًا.
وحتى ما ذكرته من أجهزة ووسائل تنقل الناس من مكان إلى آخر: هو من الباب نفسه، وسنذهب إلى ذلك الجهاز، ونشتريه، لنوفِّر علينا أوقاتنا، ولنساهم في خدمة الدين، وإنما يأثم من فرض عليه رسوم ” جمرك “، أو ألزمنا بالتأمين في حال استعماله، ولا نجد غضاضة في هذا، فنحن في حال الاضطرار لتلك الوسائل من المواصلات لحفظ أعراضنا، ونحن نحتاج للبيع والشراء بفتح المحلات، وما يفرض علينا من رسوم محرَّمة، في الجمرك، ورسوم الرخصة، والتأمين عل البضائع، والسيارات: كل ذلك إثمه على من شرَعه، وعلى من رضيه، ونفَّذه، وعاقب عليه، لا على المحتاج لاستعماله، الكاره لفرض تلك الرسوم المحرمة.
وبكل حال:
إن مسألة الضرورة، والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، وما يكون الحال فيه واقعاً أنه كذلك: فمرجع الحكم عليه لأهل العلم الثقات، وإلا فقد وجدنا – وهم قلة – من قال بأن شراء بيت بالربا جائز؛ لأنه ضرورة! والعلماء الثقات لا يعرفون هذا القول الشاذ، ولا يعتقدونه موافقًا للحال الذي ذكره أهل العلم في هذا الباب، وفرق بين أن يقال إن ” السكن ” ضرورة، وبين قولنا ” تملك السكن ” ضرورة، فأي ضرورة في أن سكن في بيت ملك مع ارتكاب جريمة كبرى، وهي الربا؟! ولماذا لا ينسحب هذا على شراء سيارة بالربا؟! وشراء المحل الذي أبيع به بالربا؟! وكل ذلك لا يقول به ذلك المفتي بذلك القول الشاذ.
ولا فرق بين التأمين، وبين حلق اللحية، ونزع الحجاب، إذا كان الأمر عند أهله قد وصل لحال الضرورة، والتي يخاف فيها على العرض، أو النفس، بالسجن، والتعذيب، والفتنة عن الدين، وكل ذلك يقدَّر بقدره، فلا يفتى لمسلم بحلق لحيته ليشتغل مضيفًا! أو موظف استقبال! والله تعالى قد وسَّع أبواب الرزق عليه، ولا يفتى لامرأة بنزع حجابها لتدرس في جامعة! والله تعالى لم يجعل ذلك واجبا عليها، ولن يصيبها سوء لو جلست في بيتها كحال الملايين غيرها، لكن قد تصل الحال بالملتحي لأن يفتى له بحلق لحيته إذا جزم، أو غلب على ظنه أن يعذَّب بسببها، وقد يفتى للمرأة أن تنزع حجابها إذا اضطرت للخروج من بيتها، وكان لبسها للحجاب يعرضها للإهانة، والتعذيب، والاغتصاب! وكل ذلك له ضوابط، وقواعد، في شرعنا المطهر، وليست الأمور على هوى أصحابها، وعلى خاضعة لتمييع المفتين بالتساهل؛ كسبًا لقلوب الناس.
ونرجو أن يكون قد اتضح لك خطأ ما ذكرتَ في سؤالك، وأن يكون تبين لك صحة ما ذكرناه لك، ولا نظنك إلا كذلك، ونسأل الله لك التوفيق، وأن يزيدك هدى، وتوفيقًا، وسدادًا.
والله أعلم.


