هل يستدل بحديث الذي أمر أبناءه بحرقه على أن النية الحسنة لها أجر مع العمل السيّء؟

السؤال

هل صحيح القول بأن النية الحسنَة غير كافية في صحة مشروعية العمل؟ لو كان الأمر كذلك: فإن المرء لا يمكن أن يقول إنه يحب الله كثيرًا, ومِن ثَم فإنه سيصلي العشاء اليوم خمس ركعات! ولا من يقومون بالدعاء الجماعي بعد كل صلاة مفروضة ولا يمكن أن يبرروا فعلهم هذا بأنهم يقصدون خيرًا، وعليه يجب أن يكون عملهم مقبولًا!، فهل يمكن أن تقوم بشرح الحديث القدسي الآتي الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: يا أولادي إذا مت فحرقوني، حتى إذا صرت فحماً فاسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فأذروني ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فلما مات فعل به بنوه ذلك فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر الله البر فجمع ما فيه ثم قال الله له: كن فإذا هو رجل قائم بين يديه – جل وعلا – فقال له ربنا: ما حملك على ذلك؟ قال مخافتك يا رب ) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فغفر الله له بذلك ).

فما طلبه الرجل هنا هو حرق جسده، فقد كانت نيته في فعل ذلك هو الخوف من الله، فقد كانت له نية حسنة لكن فعله خطأ، ورغم هذا غفر له، فهل هناك استثناءات للقاعدة؟ ولو كان الأمر كذلك : فكيف نصحح فعل المبتدعين الذين يستخدمون هذا الحديث كمبرر لاستحداث البدع في الإسلام؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن النية الحسنة – مع عدم القدرة على تطبيقها عمليًّا -: ثوابها عظيم, ومن الأدلة على ذلك:

عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ:

عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُول: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ.

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلاَ عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ ).

رواه الترمذي ( 2325 ) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه ( 4228 ).

فأحد هؤلاء الأربعة كتب الله له أجر نيته الحسنة، والتي صرَّح بها صادقًا أنه لو ملك مالًا لصرَّفه في طاعة الله تعالى، وهو ليس له أجر العمل بلا شك، بل له أجر النية.

فهذا أجرٌ كتب لصاحبه على نية من غير عمل.

ثانيًا:

وأما إذا اقترنت النية بعملٍ: فقد ذكر العلماء أن ضابط النية الحسنة التي يؤجر عليها صاحبها أن يكون العمل المصاحب لها صحيحًا، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوَى ) رواه البخاري ( 1 ).

وقد ذكر العلماء تقديرًا للأعمال: وهي أن تكون صالحة: أي: مشروعة، حتى يؤجر الإنسان فيها بنيته، وأما إذا كان العمل غيرَ مشروع: فلا يؤجر عليه الإنسان, وإن كانت نيته حسنة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد اختلف في تقدير قوله: ( الأعمالُ بالنياتِ )، فكثيرٌ مِنَ المتأخِّرين يزعُمُ أنّ تقديرَه: الأعمالُ صحيحةٌ، أو معتَبَرةٌ، أو مقبولة بالنِّيَّاتِ، وعلى هذا: فالأعمالُ: إنّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرعيَّةُ المفتَقِرةُ إلى النِّيَّة ….

ويحتمل أن يكون التَّقدير في قوله: ( الأعمال بالنيات ): الأعمالُ صالحةٌ، أو فاسدةٌ، أو مقبولةٌ، أو مردودةٌ، أو مثابٌ عليها، أو غير مثاب عليها، بالنيات، فيكونُ خبرًا عن حكمٍ شرعي، وهو أنَّ صلاحَ الأعمال وفسادَها بحسب صلاحِ النِّياتِ وفسادِها، كقوله صلى الله عليه وسلم: ( إنّما الأعمالُ بالخواتيم ) – متفق عليه -، أي: إنَّ صلاحَها، وفسادَها، وقَبُولَها، وعدمَه بحسب الخاتمة. ” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 10 ).

ومعنى كون العمل شرعيًّا: أي: في ذاته، أو كمِّه، أو كيفه، أو زمانه، أو مكانه، أو سببه.

وفي حديث عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيُعِدْ ). رواه البخاري ( 5241 ) ومسلم ( 1962 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة من ذبح قبل الصلاة : ” وفيه: أن العمل وإن وافق نية حسنة: لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع “. ” فتح الباري ”  ( 10 / 17 ).

ولذا فمن جاء بعملٍ غير مشروع فإنه لا يُثاب عليه، بل هو باطل مردود، ولو كانت نية صاحبة حسنة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ).

رواه البخاري ( 2550 ) ومسلم ( 1718 ).

وفي رواية عند مسلم ( 1718 ): ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ).

* قال النووي – رحمه الله -:  

قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود, ومعناه: فهو باطل، غير معتدٍّ به, وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام, وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم؛ فإنه صريح في رد كل البدع، والمخترعات.

” شرح النووي ” ( 12 / 16 ).

ثالثًا:

وأما حديث الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه، ويذروا نصفه في البحر، ونصفه في البر، ثم غفر الله له لما أخبر عن عذره بأنه حمله على فعله مخافة الله: فالحديث صحيح، رواه البخاري ( 3291 ) ومسلم ( 2757 )، ولكنه لا يدل على أن من فعل عملًا غير مشروع أنه يؤجر عليه إذا كانت نيته حسنة، وأيسر ما يرد به على هذا: أن الله تعالى لم يؤجره على عمله! فلم يكتب له أجر أمره بنيه بحرقه، وإلقاء رماده في البر والبحر، وعليه: فلا يصلح الدليل للاستدلال على أن صاحب النية الحسنة يؤجر على فعله المخالف للشرع، بل يحمل هذا الحديث على أنه مَن جهل حكمًا شرعيًّا: فإنه لا يعاقب عليه, وفرْق بين الأمرين.

ثم إن ما جاء به ذلك الرجل كفرٌ أكبر بحد ذاته، وإنما عذره الله بجهله، فكيف يستدل به على فعلٍ يعلم صاحبه أنه غير جائز له؟! وكيف سيكون فعل الكفر بنية حسنة يؤجر صاحبه عليه؟! هذا غاية في البُعد، لذا لم نر أحدًا من أهل البدع يستدل به، ولا نظن عاقلًا يفعله.

* قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدِر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك, وأنه لا يبعثه, وكلٌّ مِن هذين الاعتقادين كفر، يكفر مَن قامت عليه الحجة؛ لكنه كان يجهل ذلك, ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله, وكان عنده إيمان بالله، وبأمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، فخاف مِن عقابه، فغفر الله له بخشيته. ” الاستقامة ”  ( ص 165 ).

أما مَن فعل أمرًا غير مشروع، وهو يعلم أنه غير مشروع، أو لا دليل عليه في الشرع، ثم فعله تقرُّبًا إلى الله: فلا يؤجر عليه، بل هو آثم على فعله.

روى البيهقي ( 2 / 466 ) بسندٍ صحيح عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلا يصلِّي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنَّة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة