ضابط العمل بتجارب العلماء والرقاة في العادات والعبادات
السؤال
تجارب العلماء و التي ليس لها نص مباشر من السنَّة مثل استشفاء ابن القيم بماء زمزم بعد قراءته عليه فاتحة الكتاب، واستحسان السيوطي صلاة ركعتين بعد صلاة العشاء بسورة المُلك والسجدة.
السؤال: هل يشرع العمل بتجربة العلماء؟
الجواب
الحمد الله
أولًا:
الأحكام الشرعية لا تثبت بمجرد التجربة، إذا لم يدل عليها دليل من الكتاب، أو السنَّة.
* قال الشوكاني- رحمه الله-:
السنَّة لا تثبت بمجرد التجربة.
” تحفة الذاكرين ” ( ص 140 ).
ثانيا:
يُفرِّق العلماء بين الأمر الذي لم يأت في الشارع تحديده, مع بيان جوازه، وبين ما جاء محدَّداً على صفة معيَّنة.
فالأول: يمكن أن يكون للتجربة دورٌ فيه، وأما الثاني: فلا، ومثال الأول: أنه قد ثبت في الشرع أن العسل، وماء زمزم، والحبة السوداء، فيها شفاء للناس، فمن خلطها جميعاً –مثلاً– أو تناول العسل مع الحبة السوداء بمقدار معيَّن، وفق تجارب ناجحة: فلا مانع من ذِكر تجربته للناس، لكن لا على أنه على القطع كأنما جاء بها الوحي!.
وأما الثاني: فلا يجوز الزيادة على ما جاءت به الشريعة المطهرة، وإلا كان ابتداعًا.
ولعل ما يضبط الأمرين، ويفرِّق بينهما: أن الأول – الجائز – يكون في العادات، أو ما له أصل في الشرع، والثاني – الممنوع – يكون في العبادات التوقيفية، أو فيما لا أصل له في الشرع.
وعليه: فيكون فعل ابن القيم هو من الباب الأول المشروع، واستحسان السيوطي – إن صح عنه – من الباب الثاني غير المشروع.
وبيان ذلك:
أ. أن فعل ابن القيم رحمه الله من الاستشفاء بالفاتحة، وبماء زمزم: فيقال: كلا هذين الأمرين له أصل في السنَّة.
فقد ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه رقى كافراً بفاتحة الكتاب، وأقرَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: ( وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ).
رواه البخاري ( 2156 ) ومسلم ( 2201 ).
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ماء زمزم: ( إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ ). رواه أبو داود الطيالسي في ” مسنده ” ( 61 )، وأصله في مسلم ( 2473 )، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 3585 ).
وعليه: فما فعله ابن القيم هو من التصديق لما جاء في الشرع أنه علاج، وليس في فعله مخالفة للشرع بأي وجه.
ومثله في الجواز: تجربة العلاج بأعشاب، ونباتات، لأمراض معينة، وبمقادير معينة، فهذا من الأمور المحسوسة، وليس من الأمور التعبدية، على أن يُتجنب المبالغة – فضلًا عن الكذب – في هذا الباب، من أجل تسويق أدوية، وخلطات.
وأما التجربة: فإن كان المجرَّبُ له أصل: فإن التجربة تكون تصديقاً له، وإن لم يكن له أصل: فإن كانت هذه التجربة في أمور محسوسة: فلا شك أنها عمدة، وإن كانت في أمور شرعية: فلا، القرآن الكريم الاستشفاء به له أصل، قال الله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) الإسراء/ 82 ، فله أصل، فإذا جُربت آيات من القرآن لمرض من الأمراض، ونفعت: صار هذا النفع تصديقاً لما جاء في القرآن من أنه شفاء للناس.
أما غير الأمور التعبدية: فهذه خاضعة للتجربة، بلا شك، فلو أن إنساناً مثلاً له بصيرة فيما يخرج من الأرض من الأعشاب، ونحوها، خرج إلى البرِّ وجمَّع ما يرى أن فيه مصلحة وجرَّب: فإنه يثبت الحكم به.
” اللقاء الشهري ” ( 37 / السؤال رقم 28 ).
ب. وأما ما ذُكر أن السيوطي رحمه الله قد استحسنه، وهو صلاة ركعتين بسورتي السجدة، والملك: فيقال: إن العبادات التي جاء في الكتاب والسنة فعلها على وجه معين: لا يشرع مخالفة هذا الوجه المعيَّن, وإلا دخل فعلها في الابتداع.
* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:
والمتابعة لا تتحقق إلا إذا كانت العبادة موافقة للشرع في ستة أمور:
- السبب. 4. الكيفية.
- الجنس. 5. الزمان.
- القدْر. 6. المكان.
” الشرح الممتع ” ( 1 / 410 ).
وعلى ذلك: فقراءة سورتي ” المُلك “، و ” السجدة ” مشروع أن يقرأها المسلم كل ليلة, ولكن بالصفة الثابتة بدون صلاة؛ ولو صلَّى المسلم مرة بهما ركعتين تطوعاً: فلا بأس, ولكن إذا داوم على ذلك: كانت غير مشروعة.
فينبغي أن يفرق بين ما أَذن الشارع بفعله ولم يحدَّه بحد, وبين ما ورد على كيفية معينة، كالعبادات، والأصل في العبادة: التوقيف؛ فلا يتعبد الله إلا بالوارد الثابت.
والله أعلم.


