أخت معاقة تعاني من ضعف علاقاتها الاجتماعية وتفكر في الانتحار!
السؤال
أنا فتاة معاقة، وعلاقتي الاجتماعية ضعيفة، ودائمًا ما تدور في ذهني أفكار الانتحار، حتى أني أشك أن أحداً ما فعل لي سحرًا, كما أني أخاف من المستقبل، وماذا سيحصل لي إذا مات والدي لأنه هو الشخص الوحيد الذي يعولني، ويهتم بي، هو، ووالدتي، لا أدري ما العمل على الرغم من أني أصلي الصلوات الخمس، وأقرأ القرآن، ما هي نصيحتكم؟ وهل سيعاقبني الله على هذه الوساوس والأفكار؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أختي الفاضلة
نستثير فيك الإيمان، ومحبة الرحمن، أيكون المؤمن ضعيفًا إلى درجة تمني الانتحار، والهلاك، الموجب لغضب الرحمن؟! أمِن أجل فقدان نعمة من لذات الدنيا يجرُّ الإنسان على نفسه خسران الدنيا، والآخرة؟! ألا يعلم المسلم أن هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار؟! وهذه الدنيا بما فيها من نعَم، ومتاع، وزخارف، وشهوات: لا شيء بالنسبة لنعيم الآخرة.
عَنْ المُسْتَوْرد رَضِيَ الله عنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا الدُّنْيا إِلاَّ مِثْلِ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُم إصْبَعَهُ فِي اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يَرْجَع ).
رواه الترمذي ( 2323 ) وصححه، وابن ماجه ( 4108 ).
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ.
رواه مسلم ( 2807 ).
ثانيًا:
ثم إن عِظَم الجزاء والثواب من عِظَم البلاء, ولو يعلم الإنسان ما له من ثواب وجزاء في حال صبره على البلاء: لم يجزع.
عن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَوَدُّ أَهلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَو أَنَّ جُلُودَهُم كَانَت قُرِّضَت فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ ). رواه الترمذي ( 2402 )، وحسَّنه الألباني في” صحيح الترمذي “.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ ). رواه الترمذي ( 2396 ) وحسَّنه، وابن ماجه ( 4031 ).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ). رواه الترمذي ( 2399 ) وصححه.
ثالثًا:
والمسلم جنته في صدره، بإيمانه، وتقواه، ويقينه بالله، ويستطيع الإنسان أن يجد السعادة ولو كان مكبَّلًا بأمراض الدنيا كلها، فلا نعيم يعدل نعيم الإيمان بالله، والرضا بقضائه.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: ” إنَّ في الدنيا جنَّة مَن لم يدخلها: لا يدخل جنة الآخرة “، وقال لي مرة: ” ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، إن رحتُ فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبْسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة “. ” الوابل الصيِّب ” ( ص 67 ) .
ويَقصد – رحمه الله – بجنة الدنيا: حلاوة الإيمان، والتقوى، ولذة الأعمال الصالحة.
رابعًا:
قال تعالى: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) إبراهيم/ 34، فنِعَمُ الله على الإنسان كثيرة، فيتخيل المسلم أن لو كان سليماً معافى, وقد سلبه الله الإيمان بالله: فأي سعادة، وأي لذة تكون في هذا الدنيا بغير الإيمان، وطاعة الرحمن؟!، وليتخيل المسلم لو أن الدنيا بما عليها كانت في ملكه، وتحت تصرفه, وقد منعه الله التوفيق للهداية: فأي حياة هذه التي سيعيشها؟!؛ فنِعمة الإيمان، ونعمة الاستقامة: لا يعدلها نِعم الدنيا أجمع.
ولذلك فالمعوق على الحقيقة هو من لم ينتفع بنعم الله عليه في استعمالها بما أوجب الله عليه، كما قال تعالى: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) الأعراف/ 179.
وقال تعالى: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) الحج/ 46.
خامسًا:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ). رواه مسلم ( 2664 ).
فالمؤمن الحق صاحب عزيمة, ولا يستسلم للأمر الواقع الذي يُضعفه، بل يسعى، ويجد، ويبذل، ويقدم ما استطاع, فأن يخلق الإنسان معاقاً فكان ماذا؟! ألم يهب الله لكِ العقل لتفكري, واللسان لتنطقي, واليد لتكتبي؛ هذه الأدوات يستطيع بها المسلم – بعد عون الله وتوفيقه – أن يتحصل على المجد، والرفعة، والفضائل التي لا تحصى.
فهذا عطاء بن أبي رباح كانت فيه مجموعة من الإعاقات, ومع ذلك ساد أهل زمانه بالعلم, وكان ينادى في موسم الحج: ” لا يُفتي الناسَ إلا عطاء بن أبي رباح “.
جاء في ترجمته في ” سير أعلام النبلاء ” ( 5 / 80 ): أنه – رحمه الله – كان أعور، أشل، أفطس، أعرج، أسود، وقطعت يده مع ابن الزبير، وأصابه العمى بعد ذلك.
ومع ذلك ساد أهل العافية والسلامة في زمانه، فكم من معاق في بدنه تحصَّل على ما لم يتحصل عليه الأصحاء الأقوياء، وفي تاريخنا المعاصر أمثلة كثيرة لذلك، فهذا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله فقد بصره في صغره, ولكنه ملأ الدنيا بعلمه، وأخلاقه، وبذله.
* وهذا مثال آخر:
يقول الشيخ عائض القرني: قرأت في ملحقِ عُكاظٍ العددُ 10262 في 7 / 4 / 1415 هـ، مقابلةٌ مع كفيف يُدعى: محمود بن محمدٍ المدنيّ، درس كتب الأدبِ بعيونِ الآخرين، وسمع كتب التاريخِ، والمجلاتِ، والدورياتِ، والصحف، وربما قرأ بالسماعِ على أحدِ أصدقائِه حتى الثالثةِ صباحًا، حتى صار مرجعًا في الأدب، والطُّرفِ، والأخبار. ” لا تحزن ” ( ص 395 ) ترقيم الشاملة.
وهذا الشيخ أحمد ديدات رحمه الله، لم تبلغ إعاقتك ما بلغت إعاقته، فقد أصيب بجلطة في الدماغ، فشُلَّ بدنه بالكامل، لم يكن يتحرك منه إلا أجفان عينه! واستمر ذلك معه قريباً من عشر سنوات، ومع هذا فهل ترك الدعوة؟ وهل قنط من رحمة الله؟ وهل رغب بالانتحار؟ كل ذلك لم يكن، بل استمر في الدعوة إلى الله أجفان عينه، حتى آخر رمق من حياته، فكان يرد على الأسئلة، ويكلم الزوار، ويدعو إلى الله بجفني عينيه! في لغة خاصة يحادث بها الناس، حتى إنه أوصى بعض زواره بحركة جفونه بما ترجمته: ” احذروا أن تزهدوا في الدعوة، أو تدَعوها، مهما كانت الظروف صعبة، فانظروا إليَّ، انقطع عنِّي كل شيء، حتى حركة اللسان، ولم يبق إلا حركة العين، وأنا أبلغ الدعوة، وأكملها، بحركة العين “.
فلا ييأس إلا ضعيف القلب والإيمان؛ فالمؤمن قوته في إيمانه ويقينه، وفي قلبه ورجاحة عقله.
فالنصيحة للأخت أن تستعين بالله, وأن تشمر عن ساعد الجد, وأن تبني مجدًا وعزًّا؛ وأن تقهر وساوس الشيطان، وذلك بأن تجتهد على نفسها بتحصيل علم ديني، أو دنيوي – مع ما يجب عليها من علوم الشرع -، وأن تنظم وقتها لتحصيل ذلك؛ وسترى النتيجة بنفسها بعد صبر، وجد، واجتهاد, إن شاء الله، فالعزيمة الصادقة، والرغبة المؤكدة، يحقق بها الإنسان ما لا يحققه جماعة من الناس، مع احتساب الأجر والثواب من الله على البلاء.
سادسًا:
واحرصي أيتها الأخت السائلة على انتقاء صحبة صالحة من بنات جنسك، وعلى انتقاء بعض قريبات لك؛ لفك وحشتك، والقضاء على وحدتك، وإن للصحبة الصالحة أثرها الطيب عليك، تعينك على طاعة الله، وتقضي أوقاتها معك في المفيد لك دنيا وأخرى، تطالعون كتاباً، وتسمعون شريطاً، وتتحدثون في المباح لكم من الأحاديث، وبذا تتخلصين من ضعف علاقتك الاجتماعية التي تشكين منها.
وأما بخصوص العناية، والنفقة، من والديك، وأنك تخشين فقدانها بموتهما: فلا تجعلي ذلك همًا تعيشين معه؛ فإن من شأن ذلك أن يصيبكِ بالإحباط، وتذكري دومًا رحمة الله بعباده، وعظيم فضله على خلقه، وأنه تعالى يرزق الطير في السماء، والسمك في البحار، وأنه ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، فهو الكفيل سبحانه بكل جميل، فوكلي أمرك لربك تعالى، وسليه المزيد من فضله، وسليه أن يرزقك الصبر على البلاء، والأجر يوم اللقاء، ولا يخيب الله دعوة عباده الصادقين، وفي تقوية قلبك بهذا اليقين تقضين على وساوس الشيطان، وتنطلقين في العمل المثمر الجاد، وما ذكرناه لك سابقًا كافٍ لك إن شاء الله.
* قال الشيخ عبد الرحمن الخالق – حفظه الله -:
– يجب على كل من ابتلاه الله بآفة أو تعويق:
- الاعتقاد بأن ما أصابه لم يكن ليخطِئَهُ، فإنَّ القضاء مكتوب قبل أن يُخلق، قال تعالى: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكـم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) الحديد/ 22، 23، وقال تعالى: ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم ) التغابن/ 11.
فعلى المسلم الذي يصاب بأمرٍ يكرهه أن يقول كما علَّمنا الله سبحانه وتعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالـوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) البقرة/ 156 ، 157.
وإذا استقر في نفس المسلم الإيمان بقضاء الله وقدره وأن الذي أصابه لا بد وأن يصيبه، وأنه أمر لا مفرَّ منه، ولا مهرب منه؛ لأن الله قد كتبه في الأزل: فإن نفسه تهدأ، وقلبه يسكن، ويكون هذا بداية، ومقدمة للرضى بقضاء الله، وقدره.
- أن يوقن بأن اللهَ إذا ابتلى المؤمنَ فلأنه يحبه، ويؤثره على غيره ممن لم يبتله، ولذلك كان الرسل هم أشد الناس بلاًء ، وأكثرهم تحمُّلًا للأذى، وصنوف الغم، والكرب العظيم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( أشد الناس بلاًء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه إن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني في ” الصحيحة ” ( 143 ).
فقد ابتليَ الرسل بالجبابرة المنكرين، والكفار المعاندين، والمكذبين الذين سبُّوهم، وشتموهم، وأخرجوهم، وتمالئوا على قتلهم، فمِن الرسل مَن هُدِّدَ بالإحراق بالنار، وألقي فيها، ومنهم من هدد بالإخراج من بلده، ومن هدد بالرجم ( لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) الشعراء/ 116، ومَن تآمر به المجرمون ليقتلوه، وشرعوا في تنفيذ إجرامهم، ومنهم مَن ابتُلي في بدنه كأيوب عليه السلام حتى تأذى منه أولاده، وزوجه، فأهملوه، وتركوه، ومنهم، ومنهم.
ومِن الكفار مَن عاش سليمًا، قويًّا، مجتَمِع الخلق، حتى قصمه الله مرة واحدة، كما جاء في الحديث: ( مثَل المؤمن كالخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة ) متفق عليه، وشجرة الأرز من أشد الأشجار قوة وصلابة، وقد جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا للكافر الذي يبقى قويًاً منيعًا متماسكًا حتى يموت، وهو كذلك، فيأتي الله موفورًا ذنبه لم يأت عليه يوم يتذكر قدرة الله عليه فيستغفر، أو يتوب.
وأما المؤمن فإنه لا يزال به البلاء يميله يمنةً ويسرةً حتى يأتي يوم القيامة وليس عليه ذنب.
* والخلاصة:
إن المؤمن إذا كان محلًا للبلاء، من مرض، أو نقص، أو عاهة: فهو محل لرضوان الله، وإيثاره له، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيراً يُصب منه ) رواه البخاري.
- أن يعلم المصاب بنقص، أو عاهة، أو إعاقة: أن الله يؤجر المؤمن على كل مصيبة مهما صغرت ولو كانت شوكة يُشاكها، كما جاء في الحديث: ( ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزَنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) متفق عليه.
وكلما عَظُمَ المصاب والبلاء: عظم الأجر والثواب، كما جاء في الحديث القدسي: ( من أذهبتُ حبيبتيه فصبر فاحتسب لم أرض له ثوابًا دون الجنة ) وحبيبتيه يعني: عينيه، رواه الترمذي، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 1959).
- أن يعمل المؤمن المصاب على تجـاوز هذا النقص والاستفادة بما بقي، وهذا باب عظيم جدًّا للإحسان، وتفجير الطاقات.
ففقـد البصر لا يعني نهاية الحياة، وتعطل القوى، وانسداد الأمل، بل إن تنمية بقية الحواس قد يعوض فقـد النظر؛ فإن تنشيط السمع، واللمس، وتقوية الفؤاد والقلب، إطلاقٌ لطاقات وإمكانيات سمعه، ولمسه، وذوقه، وعقله، وكذلك الحال في فقد السمع، أو فقد طرف من الأطراف، أو حاسة من الحواس.
وفي الحديث: ( المؤمن القوي خـيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ) رواه مسلم.
ومِن معاني الحديث: أن المؤمن إذا أصابه شيء يكرهه: فإن عليه أن يستعين بالله، ولا يعجز، أي يستسلم إلى العجز، بل عليه أن يَجِدَّ وينشط، ويعمل في استكمال ما فاته من النقص. ” الشوق في أحكام المعوق ” ( ص 5 – 7 ).
والله أعلم.


