التوفيق بين قوله تعالى ( لا إكراه في الدِّين ) وحديث ( مَن بدَّل دينه فاقتلوه )
السؤال
إنني ألاحظ أنه في إجابتكم على بعض الأسئلة فإنكم قد استشهدتم بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يقول فيه أنه ( إذا بدل المسلم دينه فاقتلوه )، ولكن هناك بعض المسلمين أخبروني بأن هذا الحديث لا يعد دليلا؛ لأنه يتعارض مع القرآن الذي يقول: ( لا إكراه في الدين )، فهل يتعارض الحديث مع الآية القرآنية؟.
الجواب
الحمد لله
ليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي، فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو من عند الله تعالى، وإنما التعارض في ذهن من لم يفهم النصوص على وجهها المراد منها، وهنا يقول بعض العلماء ” ظاهرها التعارض “، وأما في الحقيقة والواقع: فلا يمكن لنصوص الوحي الثابتة أن تتعارض فيما بينها، ومن أجل ذلك الظاهر ألَّف العلماء كتب ” المشكل ” و ” المختلف “؛ لإزالة ذلك الظاهر عن ذهن من يرى ذلك فيها.
وبخصوص السؤال فإننا نقول: لا تعارض بين الآية الكريمة: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ من الآية 256، وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) والذي رواه البخاري ( 6524 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وبيان ذلك: أن الآية في الكافر لا يُكره على الدخول في الإسلام، والحديث في المسلم يُمنع من الخروج منه، فأين التعارض؟!.
ومما يدل على ذلك:
* ما جاء في سبب نزول الآية:
عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مِقْلاتًا – لا يعيش لها ولد – فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت ” بنو النضير ” كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ ). رواه أبو داود ( 2682 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ ): وأنه فيمن دَخل في الإسلام، أو كان مسلمًا في الأصل، فارتد عن الإسلام، فيُقتل لذلك إن استتيب فأصرَّ على كفره: فيبينه ما جاء في الرواية الأخرى، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ الله إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والثَّيّبُ الزَانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ ).
رواه البخاري ( 6878 ) ومسلم ( 1676 ).
* فعُلم من ذلك :
أنَّ أهل الكتاب – وغيرهم من الكفار -: لا يُكرهون على الدخول في الإسلام، وكيف يُكره أحد منهم والله تعالى يشترط الصدق، والإخلاص، فيمن ينطق بالشهادتين ليدخل في الإسلام؟! وأن المسلم لا يحل له الارتداد عن دينه، فإن أصرَّ استحق القتل ردَّة، فلا يُغسَّل، ولا يورَّث، ولا يُدفن في مقابر المسلمين.
وهذا التشريع العظيم فيه حماية للدين من عبث العابثين من أهل الكفر، والإلحاد، والذين يريدون اتخاذ هذا الدين هزوًا، ويريدون تشكيك الناس بصحته، وقد فُضح أمرهم في ذلك قديمًا حين قال الله تعالى عن بعضهم: ( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) آل عمران/ 72.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
هذا مِن منَّة الله على هذه الأمة، حيث أخبرهم بمكر أعدائهم من أهل الكتاب، وأنهم – من حرصهم على إضلال المؤمنين – ينوعون المكرات الخبيثة.
فقالت طائفة منهم: ( آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ ) أي: أوله، وارجعوا عن دينهم آخر النهار؛ فإنهم إذا رأوكم راجعين، وهم يعتقدون فيكم العلم: استرابوا بدينهم، وقالوا: لولا أنهم رأوا فيه ما لا يعجبهم، ولا يوافق الكتب السابقة: لم يرجعوا.
هذا مكرهم، والله تعالى هو الذي يهدي من يشاء، وهو الذي بيده الفضل، يختص به من يشاء، فخصكم – يا هذه الأمة – بما لم يخص به غيركم.
ولم يدر هؤلاء الماكرون أن دين الله حق، إذا وصلت حقيقته إلى القلوب: لم يزدد صاحبه – على طول المدى – إلا إيمانًا، ويقينًا.
ولم تزده الشبه إلا تمسكا بدينه، وحمدًا لله، وثناء عليه حيث من به عليه.
” تفسير السعدي ” ( ص 969 ).
* وهذا جواب جامع في المسألة للشيخ صالح الفوزان حفظه الله، فقد سئل:
ما مدى صحة الحديث القائل: ( مَن بدّلَ دينَه فاقتلوه )، وما معناه؟ وكيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ 256، وبين قوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) يونس/ 99، وبين الحديث القائل: ( أَمِرْتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل )، وهل يفهم أن اعتناق الدين بالاختيار لا بالإكراه؟.
فأجاب:
الحديث ( مَن بدّلَ دينه فاقتلوه ): حديث صحيح، رواه البخاري، وغيره من أهل السنَّة بهذا اللفظ: ( مَن بدل دينه فاقتلوه )، وأما الجمع بينه وبين ما ذُكر من الأدلة: فلا تعارض بين الأدلة، ولله الحمد؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: ( من بدل دينه فاقتلوه ) في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، فيجب قتله بعد أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وأما قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) البقرة/ 256، وقوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ ) يونس/ 99: فلا تعارض بين هذه الأدلة؛ لأن الدخول في الإسلام لا يمكن الإكراه عليه؛ لأنه شيء في القلب، واقتناع في القلب، ولا يمكن أن نتصرف في القلوب، وأن نجعلها مؤمنة، هذا بيد الله عز وجل، هو مقلب القلوب، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لكن واجبنا: الدعوة إلى الله عز وجل، والبيان، والجهاد في سبيل الله لمن عاند بعد أن عرف الحق، وعاند بعد معرفته، فهذا يجب علينا أن نجاهده، وأما أننا نكرهه على الدخول في الإسلام، ونجعل الإيمان في قلبه: هذا ليس لنا، وإنما هو راجع إلى الله سبحانه وتعالى، لكن نحن أولًا: ندعو إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، ونبيّن للناس هذا الدين، وثانيًا: نجاهد أهل العناد، وأهل الكفر، والجحود، حتى يكون الدين لله وحده عز وجل، حتى لا تكون فتنة.
أما المرتد: فهذا يقتل؛ لأنه كفر بعد إسلامه، وترك الحق بعد معرفته، فهو عضوٌ فاسد يجب بتره، وإراحة المجتمع منه؛ لأنه فاسد العقيدة، ويُخشى أن يفسد عقائد الباقين؛ لأنه ترك الحق لا عن جهل، وإنما عن عناد بعد معرفة الحق، فلذلك صار لا يصلح للبقاء، فيجب قتله.
فلا تعارض بين قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ 256، وبين قتل المرتد؛ لأن الإكراه في الدين هنا عند الدخول في الإسلام، وأما قتل المرتد فهو عند الخروج من الإسلام بعد معرفته، وبعد الدخول فيه، على أن الآية – وهي قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) – فيها أقوال للمفسرين، منهم من يقول: إنها خاصة بأهل الكتاب، وأن أهل الكتاب لا يكرهون، وإنما يطلب منهم الإيمان، أو دفع الجزية، فيقرون على دينهم إذا دفعوا الجزية، وخضعوا لحكم الإسلام، وليست عامة في كل كافر، ومن العلماء من يرى أنها منسوخة بقوله تعالى: ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) التوبة/ 5، فهي منسوخة بهذه الآية، ولكن الصحيح: أنها ليست منسوخة، وأنها ليست خاصة بأهل الكتاب، وإنما معناها: أن هذا الدين بيِّنٌ، واضحٌ، تقبله الفطَر، والعقول، وأن أحدًا لا يَدخله عن كراهية، وإنما يدخله عن اقتناع، وعن محبة، ورغبة، هذا هو الصحيح.
” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 116 – 118 ).
والله أعلم.


