هربت من أهلها لبلاد كافرة، وتعلقت بشاب كافر، وتركت الصلاة، وتبرجت، فماذا نقول لها؟
السؤال
أنا فتاة مشكلتي أني عاقة لوالديَّ، تسببت لهم في كثير من المتاعب، عندما بلغت من العمر 16 سنة أرسلنا أبي إلى ” السودان ” خوفًا عليَّ, وكنتُ أصلي، ومحجبة، وأصوم, ولكني في ” السودان ” لم أجد طموحاتي؛ فاتصلتُ بمدرِّستي اليهودية الأصل، فدبرتْ لي الهروب إلى ” كندا ” بتدخل الحكومة, وأهلي لا يدرون شيئًا, وعندما وصلت إلى ” كندا ” بدأت الاتهامات على أهلي, وقُدِّم أبي إلى المحكمة عدة مرات من جرَّاء ما كتبتُ في حقه، شيء من الحقيقة، وشيء من الكذب، فكانت حياتهم جحيمًا، وتعلقت بشابٍّ كافر! وتحديت به أهلي؛ لأن القانون معي، ورغم توسلات أبي، وأمي، والبحث عني في كل مكان: لم أهتم، فكان أبي تارة يدعو لي بالهداية, وتارة عندما يراني لا أعبءُ بكلامهم: يدعو, ويقول: أنت معك قوة الأرض, وأنا معي قوة السماء, وتسببتُ له في كثير من الآلام النفسية؛ لأني تركت الحجاب، وعريت جسمي، حتى أنه كان يبكى ويقول: موتك خير لي من حياتك بهذه الصورة, وعندما ضاقت به الحياة: باع ( محلَّه )، وترك المدينة إلى منطقة لا يعرفه فيها أحد, وتشتت الأسرة، ووعدت أمي أن تجلس معي إلى نهاية الدراسة, وبعدها نلتحق بوالدي, ولكني لم أكن صادقة، بل كنت أرتب كيف أعيش مع هذا الشاب، وسافرت أمي وبقيت أنا مع هذا الشاب, ولم يكف أهلي عن نصحي ولكني لم أتغير؛ فكان والدي يقول: سيصيبك عذاب الله، وغضبه في الدنيا والآخرة, ولن توفقي في شيء طالما أغضبت الله، والوالدين, ولكن إلى الآن لم أر غضب الله عليَّ! مما جعلني أستمر فيما أنا فيه, ولذلك طلب مني أن أكتب لأهل العلم, وهم يبكون النهار، ويرفعون الأيدي ليلًا, ويقولون: ما في أيدينا إلَّا سهام الليل, وما أدرى ما تفيد سهام الليل! أريد حلًّا لمشكلتي، شيئًا محسوسًا، شيئًا ربما يجعلني أرى الحق حقًّا، والباطل باطلًا, وهل هم على حق أم هذه حياتي وأنا حرة؟.
أخيرًا: كل ما يزعجهم الآن علاقتي المحرمة مع هذا الشاب الذي يمنيني بالزواج، وأنا أريد أن أعلمه الإسلام! وما يزعجهم أيضا تركي للصلاة، وخلاعة ملابسي، وكشف رأسي، وعورتي، هم يرونه محرَّمًا, وأنا أراه هيِّنًا، فهل أجد من أهل العلم من يأخذ بيدي، ويشرح لي أخطائي، ويرشدني، ويوضح لي غضب الله بمعصيتي لله، وللوالدين؟ وهل حقًّا غضبهم هذا أراه بعد وفاتهم؟ أنا ضائعة ما بين حبي للكافر، وغضب الله، والوالدين.
الجواب
الحمد لله
نعمة الهداية من أعظم النعم على الإنسان, فوالله الذي لا إله غيره مهما عاش الإنسان في ملذات الدنيا؛ من شهوات، ومتاع، من غير نعمة الهداية والإيمان: لهي حياة زائفة، ونعيم زائل، وسعادة وهمية؛ وإن لم يتدارك الإنسان أمره ويحاسب نفسه: لسوف يرى مغبة العصيان؛ فقد قال السلف الصالح مقولة عظيمة وهي: ” أبى الله إلا أن يذل من عصاه؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه ؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه؛ عاجلًا أم آجلًا “.
تقول السائلة عن عصيان رب الأرض والسماء، بالتبرج، والسفور، وعقوق الوالدين، وعلاقة محرمة مع شاب كافر لا يحل لها الزواج منه! وهروب عن الأهل، وسفر من غير محرَم، والتسبب لوالديها بالأذى، والذل، والإهانة، ورفع قضايا في المحاكم، وأعظم من ذلك كله: تركك للصلاة التي بها التحقت بركب الكفار! حيث إن تارك الصلاة ليس من المسلمين: تقول السائلة: إنها ترى كل ذلك هيِّنًا!! الله أكبر، كبرت هذه الكلمة والله، وعظمت أن ينطق بها لسان عرف الإسلام يومًا في حياته.
قفَّ شعر اللبيب، ودمعت عين القريب، والبعيد، من شدة قسوة القلوب، وجرأتها على حرمات الله، حتى تمنينا أن لو كانت تلك القلوب حجارة، فلعله تتسلسل منها الهداية من خلال شقوقها، أو لعلها تأتيها لحظة تخشى فيها ربها تعالى، لكنَّ الواقع أن تلك القلوب كانت أقسى من الحجارة، قال تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) البقرة/ 74.
أي قلب هذا الذي يتكلم بلا مبالاة؟! وأي قلب سطر هذه الحروف؟! إنه جرٌّ للبلاء، وتعجيل للعقاب والعذاب، كحال أولئك الذين تعجلوا لأنفسهم الهلاك من كفار قريش، فقال تعالى عنهم: ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) الأنفال/ 32.
أتعلمين يا أمّة الله أن الله سمَّى نفسه ” الحليم “؟ يمهل عبده مرة، بعد مرة, وكرة بعد كرة؛ لكريم إحسانه، وعظيم لطفه؛ فإذا بلغ العذر مداه: أخذه أخذ عزيز مقتدر.
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الله لَيُمْلِي للظَّالِمِ حتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) قال: ثم قرأ ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) هود/ 102.
رواه البخاري ( 4409 ) ومسلم ( 2583 ).
وقال تعالى: ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ. وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَاب فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) إبراهيم/ 42، 43.
أتعلمين أن عقوق الوالدين من أعظم الذنوب، وعقابه معجل بالدنيا قبل الآخرة؟!.
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ). رواه الترمذي ( 2511 ) وصححه، وأبو داود ( 4256 ) وابن ماجه ( 4211 ).
وأي قطيعة أعظم من عقوق الوالدين؟! وأي ظلم أعظم من ظلم الوالدين؟!.
ثم أي سعادة تزعمين أنك تعيشينها في البُعد عن حنان الوالدين، وأُنس الإخوة، والأخوات ، والعمات، والخالات، والأقرباء؟! ألا ترين عيشة البهائم في الدولة الكافرة التي سافرتِ إليها؟! هل رأيتِ عائلة تسير في الطريق؟ هل يعرف ذلك الشاب الكافر – الذي فتنتِ به – خالته، وعمته، بل وأمه؟ هل ترين روابط الأسرة كما هي في بلاد الإسلام؟! هل رأيتِ الأمان والاطمئنان في تلك البلاد التي لا يأمن أهلها على أنفسهم، فضلا عن الغريب فيها؟! ألا تشعرين بالخجل من نفسك بعرض زينتك وعورتك على الرجال الأجانب ليرونهما، ويتمتعون بالنظر إليهما؟! أيشعرك هذا بالفخر، والحرية؟ نود لو أنك تفكرين للحظة ما هو حكم أولئك الرجال عليك، وعلى أمثالك من النساء الكاسيات العاريات، لو تعلمين نظرة الدونية إليكم، والاحتقار، وأنكم سلع رخيصة: لعلمتم حاجتكم إلى العفَّة، والستر، والحياء، وهي التي تقطع طمع الطامعين فيك، وفي أمثالك، وهي التي تفرض احترامك عليهم.
وأي لذة في قضاء شهوة محرمة، تبيع فيه الحرة أعظم ما تملك، وهو عفتها، وشرفها وطهارتها، معلقة الآمال بالزواج؟! فوالله لا خير في لذة من بعدها النار.
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام *** ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها *** لا خير في لذة من بعدها النار
* ومع هذا كله:
نجد بصيص أمل هداية من خلال كلماتك؛ وتوبة ترتجينها تحاولين إخفاءها؛ وشعورًا بالذنب، والمعصية، والتقصير، تحاولين أن تخفيه، وأن تظهري عدم المبالاة؛ ولكن في صميم قلبك تودين الخلاص من هذه الحياة التي تعيشينها، ظاهرها السعادة, وباطنها الحسرة والكآبة؛ ونحن نعلم علم اليقين بهذا الباطن؛ لأننا نصدق بقول الله تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) طه/ من الآية 124.
* اسمعي أيتها السائلة:
لا تزال لديك فرصة لإصلاح ما فات، والتوبة مما كان، والله هو الغفار، التواب، قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53، وقال تعالى: ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 68 – 70.
تعجلي الرجوع إلى الله، جربي لذة المناجاة، والوقوف بين يدي الوهاب، جربي ما يجده أهل الهداية من لذة، وسعادة، وراحة، وطمأنينة، جربي طهارة الإسلام التي أرادها الله لشقائق الرجال، من عفة، وستر.
أدخلي الفرحة إلى قلب والديك، كما أدخلت الألم، والقهر، والوجع؛ قبل أن يبقى ألم الحسرة يلاحقك إلى الممات، بل وبعد الممات.
ابحثي عن أسرة تكونين أحد أعمدتها بزوج يعرف قدرك؛ ويصون عفتك؛ ويغار عليك، وأولاد يملئون حياتك بالحب، والرأفة، والحنان.
عودي إلى ديارك حيث الأمن، والأمان؛ ومحبة الإسلام، وسماع الأذان, وإقامة الصلوات، وهذه نعم لا تقدر بأغلى الأثمان.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، يا الله، يا حي يا قيوم: أن تصلح هذه السائلة، وأن ترد عنها كيد الشيطان؛ وأن ترجعها إلى أهلها, وأن تكتب لها السعادة، والأمان.
والله الموفق.


