يتحرش بها والدها مستدلا بحديث ( أنت ومالك لأبيك )! فماذا تصنع معه؟

السؤال

لي أب يعاكسني! كما لو كنت بنت عاهرة من الشارع! علمًا بأنه مريض, وتكفلت بمصاريف علاجه الباهظ عسى أن تتغير تصرفاته معي، لكن الحال بقي كما هو، ويقول لي: ” أنت ومالك لأبيك “! فكرتُ أن أهجر البيت خوفًا على عرضي، لكن إلى أين أذهب؟! وأمِّي لا تحس بي, وتميز إخوتي عليَّ، وهم بدورهم يغارون مني, ويؤثِّرون عليها؛ لا أحد منهم يكلمني، أثَّر هذا على نفسيتي, وأنا مريضة, وعصبيَّة جدًّا, أقرأ في القرآن ( وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناَ )، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم بر الوالدين واجب حتى ولو ظلما, أحاول برَّهم، وأجد لهم أعذارًا.

ما يحصل لأبي هو مرض نفسي، وأمي لم تتعلم، ولا تعرف كيف تتصرف في هذه الحالات، أحضر الهدايا، والأكل, لكن كل ما فعلت شيئاً صالحًا يقلبوه، ويسبوني به، أنا إنسانة ضعيفة الإيمان, أحاول التهرب من ظلمهم، حين أعود من العمل: ألزم الفراش، حتى إذا أردت الذهاب إلى المطبخ أتأكد من أن أبي ليس هناك كي أتجنب نظراته لي! علمًا أنه يصلي، هو مَن علمني الصلاة، أنا لست جميلة، حتى جسمي ضعيف ليس فاتنًا، أعرف أنه ابتلاء, أريد مرضاة ربي، أنا لست صبورة؛ أبكي، وأصيح، أحس في داخلي بركانًا.

علِّموني الصبر؛ كي لا أخسر الدنيا، والآخرة.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما يفعله والدك معكِ من المعاكسة والتحرش: من أكبر الآثام عند الله، وهو ذنب يستحق عليه العقوبة في الدنيا، والعذاب في الآخرة؛ وإن من الخطأ أنكِ لم تخبري أحدًا من أهلكِ ليوقفوا هذا الفعل من أبيكِ، فسكوتك مؤداه التمادي، والله المستعان.

           فالنصيحة: أن تلجئي إلى الله بالدعاء أن يهدي والدك، وأن يشفيه، ثم بعد ذلك لا بد من إخبار الأهل عن صنيع الوالد، ويجب عدم السكوت عن فعله؛ حتى لا يتكرر فعله معك، أو مع غيرك من إخوتك, ويجب عليك خلال ذلك: المحافظة على الحجاب الشرعي الكامل، أو الستر قدر الإمكان؛ فإنَّ كثيرًا من حالات التحرش بين المحارم يكون سببها التساهل في كشف العورات أمامهم، فتجد الفتاة تلبس اللباس الضيق جدًّا، وتكشف ساقيها، وذراعيها، وأكثر من ذلك، بدعوى أنها تجلس مع محارمها، أو أهلها، وهي لا تدري أن الشيطان يسول للنفس كل محرَّم، وأن المحرَم قد يفتن بما يراه من محاسن محارمه، وخاصة كما ذكرتِ أنه مصاب بمرض نفسي.

وكذلك يجب عليك الحرص على عدم الخلوة معه؛ فإن من شأن الخلوة أن تجرأ والدك على فعل الحرام، لا قدَّر الله.

ثانيًا:

وإن من أعظم الأعمال الصالحة، وأحبها إلى الله: برُّ الوالدين, ولا يمكن لأحد أن يجزي والديه على ما قدموه من رعاية، وتربية.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ). رواه مسلم ( 1510 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

أي: لا يكافئه، بإحسانه، وقضاء حقه، إلا أن يعتقه.

” شرح مسلم ” ( 10 / 153 ).

ثالثًا:

ولا شك أن من أعظم النفقة أجورًا وثوابًا: نفقة الإنسان على أهله، من الوالدين، والإخوة، والأخوات، وإذا احتسبها المسلم: فله أجر عظيم.

عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا: الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ ). رواه مسلم ( 995 ).

وحقيقة الصلة للأقارب من الوالدين وغيرهما عدم انتظار الصلة من طرفهم، بل حتى لو قطعوها أن يصلها ه .

عن عبد الله بن عمرو عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ).

رواه البخاري ( 5645 ).

فالمسلم لا ينتظر أجرًا، ولا ثوابًا إلا من الله، ولعل الله أن يرزقه، ويوسع عليه من خلال هذه النفقة إذا احتسبها, وأن يفرِّج كربه، وهمَّه بما يقدِّم.

* وإنما ذكرنا لكِ هذا، والذي قبله؛ لأمرين اثنين:

الأول: تثبيتك على ما تقدمينه من معروف، وصلة لأهلك.

والثاني: أن كل ما ذكرناه لا يعني بحال أن تبقي مع والدك إن كان بقاؤك معه يسبب لك فتنة في دينك، وتخافي على عرضك منه، بل يجب عليك قطع ذلك، إما بردعه بقوة حتى يرعوي، أو أن تغادري البيت إلى مكانٍ تأمنين فيه على نفسك، ولستِ بالصغيرة، ولا العاجزة، ولله الحمد، ولا يُفتى لك بالبقاء مع ذلك الوالد المريض إلا حيث تتأكدين أنه لن يتعرض لك بسوء، مع أخذ ما نصحناك به في الاعتبار، من اللباس، وعدم الخلوة معه.

رابعًا:

وأما حديث ( أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ ) فليس يراد به – والعياذ بالله – بدن الابن والابنة! أنه للوالد يفعل به ما يشاء! فهذه زندقة، وفهم منحرف، لا يقول به إلا أفَّاك، وإنما المراد به: الخدمة، والعناية، والرعاية، وحتى المال ليس للوالد كله، بل ليس له إلا ما يحتاج إليه، إن كان عند الولد فائض عن نفقته، ونفقة أهله، من زوجة، وأولاد.

خامسًا:

ربما تكون بعض الظروف التي يعيشها الإنسان، وما يصاحبها من غمٍّ، وهمٍّ: تُشعر الإنسان أن مَن حوله لا يكنُّون له المودة، والمحبة، أو لا يهتمون به, والحقيقة قد تكون غير ذلك، فلا يُتصور أن أمًّا لا تكنُّ محبةً لابنتها, وهي تراها ليل نهار تقوم بخدمتهم، وتلبي حاجاتهم، نعم، ربما يكون الحظ الأوفر من الحبِّ، والحنان، للصغار – مثلًا -, ولكن لا يعني ذلك بغضًا للأكبر، أو تخلٍّ عنه؛ وربما يكون السبب في ذلك: انطواءٌ من الإنسان على نفسه, وصاحَبَ ذلك عدم رفق, وسرعة غضب، كما ذكرت السائلة عن نفسها، وهو لعله ما جعل الآخرين يتجنبون الحديث معك؛ خوفًا من غضبك، أو من الاصطدام معك، وهذا معلوم بالتجربة.

والنصيحة للأخت:

أن تغيِّر من نمط حياتها, وأن تتخلى عن انطوائها، وعصبيتها, وأن تبادر هي الحديث مع إخوتها, وأن تجرب أسلوب الملاطفة، والود؛ وسوف ترى ما يكنُّه لها الأهل، من الأم، والإخوة، من حبٍّ، وحنان, وليس العلاج في ذلك: بالهرب، والانطواء، بل بالصبر، والإحسان؛ والود، والملاطفة.

وعليكِ الاستعانة قبل ذلك كله بالله تعالى ربك، بالدعاء، والإنابة، والعمل الصالح، وخاصة: الصلاة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) البقرة/ 156.

سادسًا:

وأما الصبر وما يعين عليه: فقد أمرك الله تعالى – كما سبق في الآية – بالاستعانة به؛ لما فيه من الأجور العظيمة، ولما فيه من منع المسلم من التعدي على شرع الله، ومن القيام بما أوجبه الله عليه.

كما نوصيك أن تتفكري في حقيقة هذه الدنيا, وأنها دار ابتلاء، واختبار، قال الله تعالى: ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت/ 1 – 3.

واعلمي أن الصبر يمكن تحصيله بتعويد النفس عليه، ولو علم المسلم ما للصبر من أجور: لجاهد نفسه حتى يكون من الصابرين.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ).

رواه البخاري ( 1469 ) ومسلم ( 1053 ).

وعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ).

رواه مسلم ( 2999 ).

ونوصيك بالتأمل في قصص الصابرين من الأنبياء، والصالحين؛ ففيها إعانة على الصبر.

سابعًا:

واعلمي أن حقيقة الجمال هو جمال الروح، وليس جمال الجسد, والله تعالى لا ينظر يوم القيامة لصور الخلق، ولا لأجسادهم، بل لقلوبهم، وأعمالهم، فهنا الميزان، وبهما يكون الثواب، والعقاب.

عَنْ أَبي هُرَيرَة رَضِي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأَعْمَالِكُم ).

رواه مسلم ( 2564 ).

فالجمال الحقيقي: في كرم الأخلاق، والأفعال الحسان، وفي طاعة الرحمن.

فالنصيحة للأخت:

أن تستعين بالله، ولا تعجز, وأن تعمل على حل مشكلتها مع أبيها بأن تخبر أهلها بذلك, وأن تستعن بأولي الأحلام والرشد من أهلها، وأن تصبر على أذى الأهل من الإخوة وغيرهم, وأن تغير من نمط حياتها من الانطواء والعزلة, وأن تحتسب أجر فعلها للخير من النفقة، وغير ذلك, وأن تبادرهم بالود والحنان، وإن حرموهما من ذلك, والعاقبة للمتقين.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة