بلدها يجبرها على خلع حجاب الرأس في صورة الجواز فهل تفعل ذلك من أجل الحج؟
السؤال
أنا أقيم بـ ” تونس “، وأريد الذهاب إلى الحج، ولكن في بلدنا يحتّمون علينا إعطاء الصور الشخصية بدون حجاب! ولا يقبلون غير ذلك، فماذا أفعل يا شيخي، مع العلم أني أتوق لزيارة بيت الله؟!.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نسأل الله تعالى أن يفرِّج كرب المسلمين حيثما كانوا، وإنه ليؤلم القلب مثل هذا السؤال، وقد وصلت محاربة الشرع إلى هذا الحد، وفي الوقت الذي نرى هؤلاء -وأشباههم – ينادون بالديمقراطية، والحرية: نراهم يضيّقون على المسلمات في ستر رؤوسهن بالحجاب الذي أوجبه الله تعالى عليهن، فلا هم استجابوا لحكم الإسلام، وعملوا بأحكامه، ولا هم اتبعوا الغرب في السماح للمرأة بأن تغطي رأسها في صورتها الشخصية، فالمرأة عندهم حرَّة في أن تخلع ما تشاء من ثياب، وليست حرّة أن تلبس ما تشاء! فالله المستعان، ونسأل الله تعالى أن يغيّر الحال إلى ما هو أحسن منه، وليتب إلى الله تعالى كل من شرَّع هذا الباطل، ورضي به، ودافع عنه، وعاقب مخالفه، وليتفكروا جميعًا في قوله تعالى: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) الكهف/ 49.
ثانيًا:
الحج ركن عظيم من أركان الإسلام, قال تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ) آل عمران/ 97.
ومن الطبيعي أن تتوق نفسك لزيارة بيت الله الحرام؛ فإن مكان أداء فريضة الحج مما تهوى إليه القلوب، وقال: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) إبراهيم/ 37.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة – أي: مجاهد، وعطاء، والسدّي، وقتادة، والربيع بن أنس – هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا، وقدرًا، من كونه مثابة للناس، أي: جعله مَحَلًّا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددَت إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام، في قوله: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ).
” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 413 ).
ولكن هذه الفريضة لا تجب إلى إلا على القادر المستطيع، كما قال تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ) آل عمران/ 97، ولا شك أن وجوب هذه الفريضة لا تجيز للمرأة أن تتصور بدون حجاب لاستخراج جواز سفر، أو إبراز وثائق شخصية؛ وهي في ذلك في حكم غير المستطيع، فلا يجوز لها أن ترتكب معصية التبرج، وإظهار العورة لهذا السبب، وهي في ذلك معذورة شرعًا، وعليها أن تتمسك بحجابها، ولا تتنازل عنه، مهما كان السبب، والله تعالى سيجعل بعد العسر يُسرًا، وبعد الشدة رخاء.
وأنت معه كونك معذورة في ذلك: فإن لك مثل أجر الحاج – إن شاء الله – الذي تكبد مشقة السفر، والنفقة، وغير ذلك.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ).
رواه البخاري ( 4161 ).
* وفي رواية لمسلم ( 1911 ) من حديث جابر: ( إلاَّ شَرَكُوكُم في الأَجْر ).
* وقال بعض السلف: إن أقوامًا يدركون بنياتهم ما لا يدركون بأعمالهم.
– وفقك الله، وزادك هدى، وسترًا، وعفافًا، ويسَّر لك الحج على خير.
والله أعلم.


