أطباء امتياز لا يستفيدون من الاختصاصيين فهل لهم رخصة في التخلف عن الدوام؟
السؤال
إن طبيعة دوامنا كأطباء امتياز في السنة التدريبية التي تلي التخرج تكاد تخلو من الفائدة العلمية، والعملية الضرورية – إلا ببعض الأقسام – لتهيئتنا لدخول مجال الإقامة، والاختصاص, حيث من المفترض أن يكون همٌ الكادر الطبي من أطباء الإقامة والاختصاصيين في المستشفى بأن يعلموننا المهارات السريرية، والإجراءات الطبية الأساسية، سواء كانت نظريًّا أو عمليًّا، لندخل الحياة المهنية ذات المسؤولية بثقة أكبر، إلا أننا بقسم النسائية والتوليد يقتصر تكليفنا بأعمال ليست من مهامنا كأطباء، كإرسال المريضة لقسم الأشعة للتصوير, وجلب وإرسال التقارير الطبية، والاستشارات, وكتابة التاريخ الطبي، والفحص السريري، بالإضافة لتقارير الخروج، والوصفات الطبية، والتي هي من مهام كادر التمريض، المراسلين، والمقيمين، الذين يوقعون بنهاية المطاف على ما نكتبه بالملفات، والوصفات عنهم! – يعني: نعمل ككتبة، ومراسلين -، ونادرًا ما نلتقي بالاختصاصيين لنستفيد من علمهم، وخبرتهم التي يتصدقون بها علينا إذا ما التقيناهم على عجل، فنكون فريسة سهلة لأطباء الإقامة، يستغلوننا كيفما يشاؤون، بدلا من الاستفادة، وتعلم الطب منهم؛ لأن الاختصاصيين أوكلوا أمرنا إليهم، ولنكون منصفين فإنهم يعرضون علينا أحيانا دخول غرفة العمليات، أو العيادات، ولكن لشخص واحد من المجموعة فقط، ناهيك عن ما نتعرض له من كشف للعورات بما أننا بهذا القسم.
سؤالي لفضيلتكم:
قد اتفقنا أنا وزملائي بأن نحضر ليوم، أو يومين بالأسبوع، ويوقع بعضنا لبعض؛ لأنه صراحة ليس هناك فائدة كما هو المفروض، بل الاستغلال؛ لأننا بلا أهمية، أو احترام من قبَلهم، ولا حتى من قبَل التمريض!، كما أن دوامنا قصير جدًّا لا يكاد يبدأ حتى ينتهي خلال 3 ساعات، والمسافة عن المستشفى بعيدة، ومواصلاتها صعبة، والأهم من ذلك كله: أن امتحانات دخول الإقامة تكاد تبدأ، وليس هناك وقت نضيعه بلا فائدة على حساب مستقبلنا، وتحديد طريق اختصاصنا، بالإضافة على أني لا أتقاضى أي راتب منهم، على عكس زملائي الآخرين الذين يتقاضونه – لا يتعدى بما يساوي الـ 500 ريال شهريًّا، وهو رمزيٌ خلال هذه السنة التدريبية، والوزارة غير ملزمة بتأديته، وقد وقعتنا على هذا الشرط إلا أنها تؤديه بفترات متفاوتة لكن بشكل كامل -، وما اضطرنا على هذا الفعل هو أنهم لا يعطوننا ورقة إثبات التدريب عندهم إلا بدوام شبه يومي، وهذا إن لم يحصل: يؤدي إلى إعادة تقديم التدريب عندهم مرة أخرى، والتأخر عن تقديم امتحان الإقامة، الذي يؤدى مرة كل السنة.
أرجو رأيكم الفاضل بهذا الموضوع؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إن شعور المسلم بالمسؤولية على أمر وُكل فيه، وفوِّض عليه: أمر تحث عليه الشريعة؛ فالأمانة عظيمة، سواء أكانت في أمر ديني، أو دنيوي؛ وخصوصًا في مثل هذه المهن المهمة – مهنة الطبيب – فلا شك أن هذه المهنة من أدق، وأخطر المهن التي ينبغي لمن دخل سلكها أن يقوم بحملها حق القيام؛ لما يترتب عليها من قيام على أبدان الناس بالتشخيص، والرعاية، والتطبيب، وهذا السؤال من الأخ السائل يدل إن شاء الله على وازع ديني.
ثانيًا:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أَدِّ الأَمَانَةَ إِلى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ). رواه الترمذي ( 1264 ) وأبو داود ( 3535 )، وصححه الألباني في صحيح أبي داود “.
وهذا الحديث فيه قاعدة عظيمة من قواعد الدين، فالمسلم في أدائه للواجبات، وقيامه بالمعاملات: ينطلق من شرع الله, وليس من معاملة الناس له إن أحسنوا أحسن وإن أساؤوا أساء، بل يجعل نصب عينيه مخافة الله، ورضاه، ويراقب الله في عمله، قبل استشعار مراقبة الناس.
وإن من أداء الأمانة في العمل: الالتزام بوقت بدء الدوام، وانتهائه، وعدم الانشغال أثناءه بما هو خارج عنه، والقيام بالمسئوليات التي تناط به، وغير ذلك مما يختلف باختلاف طبيعة العمل.
وقد أُمر المسلم بإتقان عمله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ ) رواه الطبراني في ” الكبير ” ( 24 / 306 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1113 ).
وإن من إتقان العمل: أن يؤديه على أحسن وجه، وأن يبذل فيه جهده وطاقته.
ثالثًا:
عن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ: ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ). رواه مسلم ( 2553 ).
وهذه – أيضا – قاعدة أخرى من قواعد الدين، وميزان من موازين الشرع، فإذا أراد أن يعرف الإنسان حقيقة أمرٍ أنه من الخير أم من الشر، من البرِّ أم من الإثم: فلينظر إلى قلبه، فإن حاك الأمر في صدره، ولم يطمئن له، ورغب بإخفائه على الناس: فهو دليل على الشبهة، والكراهة، وفي حالات كثيرة: الإثم.
ونمثِّل لذلك بما سأل عنه الأخ السائل، فهذا الاتفاق على حضور بعض ” أطباء الامتياز ” والتوقيع عن الآخرين: لو اطلع عليه المسئول، هل يرضى بذلك؟ وإن رضي بذلك المسئول: فهل من صلاحياته أن يمشي الأمر ولا يُحاسب عليه؟.
وكيف يرضى المسلم أن يُصدَر له شهادة بأنه استكمل فترة معينة حصل فيها على العمل الميداني، والكشف السريري، وهو لم يفعل ذلك؟!.
وأما ما يَحدث من أطباء الاختصاص: فهو تقصير منهم في تعليمكم، وإرشادكم، لكنكم تستطيعون قضاء وقت دوامكم في النافع المفيد لمهنتكم، وذلك بالتجول على المرضى، وسؤالهم عن أحوالهم، والأعراض التي يشعرون بها، والوقوف بأنفسكم على الخدمات السريرية المقدمة لهم من الممرضين، بل حتى الطعام المقدَّم لهم يمنكم متابعته، والتأكد من صلاحيته في نفسه، وصلاحيته للمريض بحسب نوع علته، كما يوجد لكم من الأعمال الجليلة: المساهمة في علاج المرضى، والتسبب في شفائهم بإذن الله! وذلك بما يحدث لهم من ثقة، وطمأنينة، برؤية الأطباء، وسماع التطمينات منهم، ولسنا بالذي يخبركم بما يمكن للطبيب أن يعمله وهو يقضي وقته بين المرضى، فالأعمال كثيرة، وجليلة، ولا تستهينوا بها، وكلها قد لا يسعها وقت دوامكم، فكيف يكون منكم تفريط في أدائها، والقيام بها؟!.
نعم، يمكنكم تجنب حضور عمليات الولادة، وتجنب رؤية العورات؛ لأنه ليس ثمة ضرورة لذلك، على أن لا تضيع أوقاتكم في غير فائدة، وإشغالكم لأوقاتكم بما يزيد من علمكم في المهنة هو مما يمكنكم فعله وقت دوامكم، وذلك بقراءة أو سماع أو رؤية الجديد في عالم الطب.
فعلى ذلك: الواجب على المسلم أن يصبر على أداء الحق المنوط به؛ وأن يجعل مرضاة الله نصب عينيه؛ وأن يؤدي واجبه، بغض النظر عن أداء غيره, والعاقبة لمن اتقى الله، وخافه.
والله أعلم.


