ما الحكمة في كون عدة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة؟
السؤال
ما الحكمة من زيادة عدة المتوفي عنها زوجها عن عدة المطلقة؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الأصل في أوامر الشرع: التعبد, ولا يعني هذا عدم وجود حكَم في تلك الأوامر أو النواهي، بل قد جعل الله تعالى في أحكام الشريعة حكَمًا، ومقاصد، منها ما نص عليها في نصوص وحيه, ومنها يستخرجه العلماء باجتهاداتهم واستنباطاتهم, ومنها ما استأثر الله بعلمه سبحانه وتعالى.
ثانيًا:
العدة: هي الزمان الذي تتربص فيه المرأة بعد الطلاق، أو الموت، أو فسخ النكاح، بعد الدخول، أو الوطء بشبهة.
فعدة المتوفى عنها زوجها: أربعة أشهر وعشر ليال، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) البقرة/ 234.
وعدة المطلقة إن كانت من ذوات الحيض: فثلاث حيضات، كما قال تعالى: ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ) البقرة/ 228.
وإن كانت صغيرة لا تحيض، أو كانت يائسة من المحيض: فعدتها ثلاثة أشهر, وإن كانت حاملًا: فبوضع الحمل، قال تعالى: ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) الطلاق/ 4.
ثالثًا:
وتشريع العدة للمطلقة الرجعية له حكَم كثيرة.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
عدة الطلاق وجبت ليتمكن الزوج فيها من الرجعة، ففيها حقٌّ للزوج, وحقٌّ لله, وحقٌّ للولد, وحقٌّ للناكح الثاني، فحقُّ الزوج: ليتمكن من الرجعة في العدة, وحق الله: لوجوب ملازمتها المنزل، كما نص عليه سبحانه, وهو منصوص أحمد، ومذهب أبي حنيفة، وحق الولد: لئلا يضيع نسبُه, ولا يدرى لأي الواطئين, وحقُّ المرأة: لما لها من النفقة زمن العدة لكونها زوجة ترث وتورث, ويدل على أن العدة حق للزوج: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) الأحزاب/ من الآية 49، فقوله ( فَمَا لَكُم عَلَيْهنَّ منْ عدَّة ): دليل على أن العدة للرجل على المرأة, وأيضًا: فإنه سبحانه قال: (وَبُعُولَتُهنَّ أَحَقُّ برَدّهنَّ في ذلك ) البقرة/ من الآية 228، فجعل الزوج أحق بردها في العدة، وهذا حق له، فإذا كانت العدة ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر: طالت مدة التربص لينظر في أمره: هل يمسكها، أو يسرحها.
” زاد المعاد ” ( 5 / 666 ، 667 ).
رابعًا:
أما الحكَم التي شرعت من أجلها عدة المتوفى عنها زوجها، فمنها:
أ. التأكد من براءة الرحم من الحمل, فلا يجتمع ماء رجلين في رحم، فتختلط الأنساب، وتشتبه.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
وقد ذكر سعيد بن المسيب، وأبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا: لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتُظر به هذه المدة: ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: ( إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ) فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه.
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟ قال: فيه ينفخ الروح.
وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لِمَ صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيها الروح.
رواهما ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 636 ، 637 ).
* وقال الشوكاني – رحمه الله -:
ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار: أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشرًا؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلًا، ولا تتأخر عن هذا الأجل.
” فتح القدير ” ( 1 / 334 ).
وننبه هنا على أمور ثلاثة:
الأول:
أن التشريعات الربانية فيها الكرامة البالغة للمرأة مقارنة مع ما كانت عليه المرأة في الجاهلية، ومع ما عليه المرأة في التشريعات الأرضية، والديانات المحرَّفة، فقد كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها تمكث سنة كاملة في بيتها بشرِّ حال، لا تغتسل، ولا تمس طيباً، فتُؤتى بدابة – حمار، أو شاة، أو طائر – فتمسح بها جلدها، فلا يكاد تعيش هذه الدابة بعدما تتمسح بها مما تجد من شرِّ روائحها.
قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا – أَوْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا – حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ). رواه مسلم ( 1488 ).
( شَرِّ أَحْلاَسِهَا ): جمع حِلس بكسر الحاء، والمراد: في شرِّ ثيابها.
ولا تزال المرأة في بعض الديانات الهندية تُحرق بعد وفاة زوجها! فيحرمونها من الحياة ، وبعضهن يحرمون عليها الزواج بعد وفاة زوجها، وأما المتحللون من الشرع، والأخلاق: فإن المرأة تتزوج بعد وفاة زوجها مباشرة، فتختلط الأنساب، ومثل هؤلاء – غالبًا – ما تفعل المرأة ذلك عندهم حتى في حياة زوجها! فجاء الإسلام بالتشريع المطهَّر، فجعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال، وإن كانت حاملًا فوضعت حملها: انتهت عدتها.
الثاني:
أنه لما كان احتمال الحمل هو من الحكَم الجليلة في إطالة مدة العدة للمتوفى عنها زوجها: كان وضعها للحمل قاطعًا لفترة العدة، حتى لو كان ذلك الوضع بعد لحظات من وفاة زوجها، ويدل على ذلك قوله تعالى ( وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الطلاق/ من الآية 4، ويدل عليه أيضًا حديث سبيعة الأسلمية حيث وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح من شاءت، والحديث في الصحيحين.
والثالث:
أنه لما كانت العدة تلزم الزوجة حتى لو مات زوجها قبل الدخول بها، أو كانت صغيرة لا تحيض، أو كبيرة أيست من المحيض: كان لا بدَّ من وجود حكمة أخرى لمثل هؤلاء الزوجات، وهي:
ب. إظهار التأثر لفقد الزوج، بالامتناع عن الزينة, وعن التجمل مدة أربعة أشهر وعشر ليال؛ تعظيمًا لحق الزوج.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
والمقصود: أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحم؛ فإنها تجب قبل الدخول، بخلاف عدة الطلاق.
وقد اضطرب الناس في حكمة عدة الوفاة وغيرها، فقيل: هي لبراءة الرحم, وأورد على هذا القول وجوه كثيرة:
منها: وجوبها قبل الدخول في الوفاة.
ومنها: أنها ثلاثة قروء، وبراءة الرحم يكفي فيها حيضة، كما في المستبرأة.
ومنها: وجوب ثلاثة أشهر في حق من يقطع ببراءة رحمها، لصغرها، أو كبرها.
ومن الناس من يقول: هو تعبد لا يعقل معناه، وهذا فاسد لوجهين:
أحدهما: أنه ليس في الشريعة حكم إلا وله حكمة, وإن لم يعقلها كثير من الناس، أو أكثرهم.
الثاني: أن العدد ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح رعاية حق الزوجين، والولد، والناكح.
قال شيخنا- أي: شيخ الإسلام ابن تيمية -: والصواب أن يقال: أما عدة الوفاة: فهي حرَمٌ لانقضاء النكاح, ورعاية لحق الزوج, ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج، فجعلت العدة حريمًا لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن، فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول، ونكاح الثاني, ولا يتصل الناكحان، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عظُم حقُّه: حرُم نساؤه بعده, وبهذا اختص الرسول صلى الله عليه وسلم لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، بخلاف غيره، فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها: تضررت المتوفى عنها, وربما كان الثاني خيرًا لها من الأول, ولكن لو تأيمت على أولاد الأول: لكانت محمودة على ذلك، مستحبًّا لها, … وإذا كان المقتضي لتحريمها قائمًا: فلا أقل من مدة تتربصها, وقد كانت في الجاهلية تتربص سنة؛ فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر, وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها ينفخ الروح فيحصل بهذه المدة براءة الرحم حيث يحتاج إليه وقضاء حق الزوج اذا لم يحتج إلى ذلك.
” زاد المعاد ” ( 5 / 665 ، 666 ).
* وقال ابن القيم – رحمه الله -:
فأما المقام الأول: ففي شرع العدة عدة حكَم، منها: العلم ببراءة الرحم, وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب, وتفسد, وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة.
ومنها: تعظيم خطر هذا العقد, ورفع قدره, وإظهار شرفه.
ومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق إذ لعله أن يندم، ويفيء، فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة.
ومنها: قضاء حق الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل, ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.
ومنها: الاحتياط لحق الزوج, ومصلحة الزوجة, وحق الولد, والقيام بحق الله الذي أوجبه … فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها، وحكمها.” إعلام الموقعين ” ( 2 / 85 ).
خامسًا:
وأما بخصوص الحكمة في أن عدة المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة: فيمكن أن يقال أولًا:
أنه ليس دومًا تكون عدة الزوجة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة، فقد تكون المطلقة ترضع ولدها فيتأخر نزول حيضها بسبب ذلك، وقد تطول عدتها إلى سنة! وليس هذا موجودًا في عدة المتوفى عنها زوجها، كما قد يرتفع حيضها بسبب غير معلوم فتكون عدتها سنة كاملة! وهذا أيضاً يدل على ما قلناه من كون الطلاق قد تزيد عن عدة الوفاة بضعفين أو ثلاثة أضعاف.
ويقال ثانيًا:
إن العلماء لم يتوقفوا عند كون عدة المتوفى عنها زوجها تعبدية، بل تلمسوا بعض الحِكَم في ذلك مع التسليم بأن حكمة التعبد هي الأصل في ذلك، ومما قالوه في الحكَم معقولة المعنى:
وإن كان هناك بعض التصورات الإنسانية التى يمكن أن تكون سببًا في طول عدة المتوفى عنها زوجها عن عدة المطلقة منها:
- أن المتوفى عنها زوجها تكون في حالة حزن، وأسى على فقد شريك حياتها، فناسب ذلك أن تكون عدتها أطول – عادةً ، وغالبًا – من عدة المطلقة الرجعية، والتي قد تكون في حال نزاع مع مطلقها، ويراد إرجاعها لزوجها دون تأخير كبير؛ حتى لا يدخل أحد بينهما ليفسد رجعتها له، ولذا مُنع الزوج من إخراجها من بيتها، ومُنعت هي أن تخرج، وأما المتوفى عنها زوجها: فإن فراق زوجها لها كان بوفاة، وهو ما يبعث على الحزن، وتحتاج معه الزوجة لفترة مناسبة لتنسى حزنها، وتنطلق في حياتها.
وأما إن كانت الزوجة مطلَّقة ثلاثًا: فقد شرعت لها العدة لمعرفة براءة رحمها، وليس ثمة حق للزوج يُراعى هنا، بل هو المطلِّق لها، فيبُحث عن أقصر مدة لتنكح زوجًا آخر يعفها، وينفق عليها، وعلى أولادها.
- أن هذه الفترة هي أقصى ما يمكن أن يظهر حمل الزوجة فيه من زوجها، ومعلوم أن وجود الزوج المطلق الذي ينسب ولده له، غير الحال الذي لا يكون فيه موجودًا، بل ميِّتًا، فهو أدعى لأن تتهم الزوجة بما يطعن في عرضها، لو أنه تبين حملها فيما بعد.
- وقد ثبت في الطب الحديث أن دخول ماء غير ماء زوجها على رحم المرأة قبل هذه المدة – ما لم ينظف الرحم بولادة – يؤثر على المرأة بإصابتها بأدواء، وقد وجدت هذه الأدواء – والعياذ بالله – عند النساء الزانيات اللاتي يمكنَّ الرجال منهن باستمرار.
- وحتى لا تجرح أهل زوجها في عواطفهم، بخروجها من بيتها، أو بزواجها من آخر.
وبكل حال:
فمن المهم معرفة أن العبد لا يسعه إلا الاستجابة لما يأمره به ربه تعالى، وهو الخالق سبحانه العليم بما يُصلح الناس، وما يَصلح لهم.
وكذا معرفة أنه ليس دومًا تكون عدة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة – أي غير الرجعية، وهي التي لعلها قُصدت في السؤال -، بل قد سبق بيان أن العكس قد يكون في كثير من الحالات.
والله أعلم.


