التفصيل في امتناع عمر ومن معه من إحضار كتاب للنبي صلى الله عليه وسلم في مرضه
السؤال
يقول أحد أصدقائي الشيعة إن عمر بن الخطاب، وأبا بكر الصديق رضي الله عنهما قد عصيا النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان في فراش موته، طلب النبي صلى الله عليه وسلم وقتها من الصحابة أن يحضروا ورقة، وقلَمًا، ولكنهم رفضوا أن يحضروهما، ووفقًا لما يقوله الشيعة فإن الصحابة قد ضلوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بأن يكون عليّاً رضي الله عنه خليفة من بعده، وقد أثبتوا لي هذه الأمور بالحديث الذي يقول بأن عمر بن الخطاب عصى محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وأنك كنت لترى الغضب على وجهه، وأريد أن أقول بأن صديقي هذا قد أثَّر في أحد أصدقائي الذين ليس لديهم أية معلومات عن الإسلام.
هل يمكنكم أن تشرحوا لي لماذا عصى عمر رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يمكنكم أيضا أن تخبروني كيف التعامل مع أمثال هؤلاء؟.
أرجو أن تقدموا لي المصادر.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا يجوز لك مصادقة أحد أفراد تلك الطائفة التي تطعن في دين الإسلام، وتدعي النسبة إليه، وهي تعتقد تحريف القرآن، والعصمة للبشر، وتحكم على الصحابة بالردة إلا قليلًا منهم.
والواجب عليك تجاه مثل هؤلاء:
- هجرهم، وتحذير الناس منهم، ونفي نسبة الإسلام عنهم.
- عدم اتخاذهم أصدقاء وخلانًا.
- عدم قراءة كتبهم، أو السماع لشبهاتهم.
- ترك مناقشتهم، ومحاورتهم، ودع ذلك للمتخصصين، فهم يكفونك المؤنة.
ثانيًا:
وما ذكره لك ذلك الرافضي عن الخليفتين الراشدين هو حلقة من سلسلة افتراءاتهم على الصحابة الكرام، وإظهار أنفسهم مظهر المحب والمدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويظنون أنهم بذلك يسوقون بضاعتهم تلك على المسلمين! ومن يتهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالردة، ويتهم زوجته بارتكاب الفاحشة: كيف يكون محبًّا، ومعظماً لهذا النبي وهو قد جاء بغاية الإساءة والطعن به؟!.
ثالثاً:
وأما الرد على افتراء ذلك الرافضي: فيكون بذِكر الحديث، ثم بإتباعه بنقاط توضحه، وتجليه.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: ( هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ) قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( قُومُوا عَنِّي ).
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.
رواه البخاري ( 6932 ) ومسلم ( 1637 ).
- أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الذين حضروه في مرضه بإحضار ورقة وقلم ليملي عليهم شيئًا لم يكن أمرًا ربانيًّا، ولم يكن شيئاً يتعلق بالشرع المطهر، ويدل على ذلك أمور، منها:
أ. أن هذه الحادثة كانت يوم الخميس، وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين، أي: بعده بأربعة أيام، وكان بإمكانه الطلب من آخرين كتابة ذلك الكتاب، فلما لم يفعل صلى الله عليه وسلم: علمنا أنه لم يكن وحياً فيكتمه.
ب. وقد أثنى الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد بلَّغ ما أوحي إليه، وقد امتنَّ الله تعالى على هذه الأمة بإكمال الدين، وإتمام النعمة، والقول بأن ما لم يكتبه النبي صلى الله عليه وسلم هو من الدِّين فيه اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم بعدم تبليغ الرسالة، وفيه تكذيب للرب تعالى بأنه أكمل الإسلام، وأتم نعمته.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه، أو يبلغه في ذلك الوقت؛ إذ لو كان كذلك: لمَا ترك صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به.
” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 315، 316 ).
* وقال – رحمه الله -:
ولا يجوز له ترك الكتاب لشك مَن شك، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته: لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّنه، ويكتبه، ولا يلتفت إلى قول أحدٍ؛ فإنه أطوع الخلق له، فعُلم أنه لما ترك الكتاب: لم يكن الكتاب واجبًا، ولا كان فيه من الدِّين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب: لفعله. ” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 12 ).
ج. اختلاف الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في فهم أمره، والوقوف على حقيقة معناه: مما يؤيد أنه لم يكن أمرًا شرعيًّا، وإلا لسارع الجميع إلى تنفيذه، وقد ثبت عنهم أنهم خلعوا نعالهم في الصلاة لمجرد رؤيته صلى الله عليه وسلم يخلع نعله فيها، ودون أن يأمرهم بذلك، فهل مثل هؤلاء يخالفون أمرًا يعتقدونه من الوحي؟! حاشاهم، ولذلك قال بعضهم بإحضار ورقة وقلم، كما طلب منهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، وامتنع آخرون، ظانين أنه صلى الله عليه وسلم قد يكون غلبه الوجع، أو يكون أمره إرشاد.
* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -: وقوله: ( ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده ): لا شك في أن ( ائتوني ) أمرٌ، وطلبٌ، توجَّه لكل مَن حضر، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال، ولا سيما وقد قرنه بقوله: ( لا تضلُّون بعده )، لكن ظهر لعمر رضي الله عنه، ولطائفة معه: أن هذا الأمر ليس على الوجوب، وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء، كما قال تعالى: ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء )، مع ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه، فظهر لهم: أن الأوَّلى ألا يكتب، وأرادت الطائفة الأخرى: أن يكتب؛ متمسِّكة بظاهر الأمر، واغتنامًا لزيادة الإيضاح، ورفع الإشكال.
فيا ليتَ ذلك لو وقع، وحصلَ! ولكن قدَّر الله، وما شاءَ فعل، ومع ذلك: فلا عتب، ولا لوم على الطائفة الأولى؛ إذ لم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ذمَّهم، بل قال للجميع: ( دعوني فالذي أنا فيه خير ).
” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 15 / 18 ).
* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك: لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لِما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه و سلم قال ذلك عن غير قصد جازم.
” فتح الباري ” ( 8 / 133، 134 ).
- ولو فُرض أن الأمر كان شرعيًّا: فإما يكون عزمه صلى الله عليه وسلم على الكتابة بالوحي، أو باجتهاده، وكذا يقال في الترك منه صلى الله عليه وسلم أنه يكون كذلك.
* قال النووي – رحمه الله -:
وكان النبي صلى الله عليه وسلم همَّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحى إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.
” شرح مسلم ” ( 11 / 90 ).
* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قال المازري: وعزمه صلى الله عليه وسلم كان إما بالوحي، وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي: فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضًا.
” فتح الباري ” ( 8 / 134 ).
- امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الكتاب في تلك الأيام التي عاشها بعد تلك الحادثة يؤيد فهم عمر رضي الله عنه، وفقهه، وأنه هو المصيب، ولو كان رأيه خطأ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الكتاب في الفسحة التي عاشها بعد تلك الحادثة.
* قال السيوطي – رحمه الله -:
وكان صلى الله عليه وسلم همَّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.
” الديباج على مسلم ” ( 4 / 231 ).
- الرافضة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بالخلافة بعده لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فما لهم ولهذه الحادثة، وما حاجتهم للافتراء بأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب وصية لعلي رضي الله عنه بعده؟! وأما أهل السنَّة فمن الأقوال عندهم فيما أراد أن يكتبه صلى الله عليه وسلم هو الوصية لأبي بكر الصدِّيق بعده بالخلافة.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ومَن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي: فهو ضال، باتفاق عامة الناس، من علماء السنَّة، والشيعة، أما أهل السنَّة: فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن عليّاً كان هو المستحق للإمامة: فيقولون: إنه قد نُصَّ على إمامته قبل ذلك نصًّا جليًّا ظاهرًا معروفًا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب.
” منهاج السنَّة النبوية ” ( 6 / 11 ).
- وقد ثبت بأصح إسناد أن النبي صلى الله عليه أراد أن يوصي لأبي بكر الصدِّيق بالخلافة بعده، ثم ترك الأمر، وقال بأن المؤمنين لن يرضوا بغيره خليفة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ( لَقَدْ هَمَمْتُ – أَوْ أَرَدْتُ – أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ، أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ، أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ – أَوْ: يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ – ) رواه البخاري ( 5342 ) – واللفظ له – ومسلم ( 2387 ) بلفظ: ( وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ ).
ولسنا بالذي يهتم لهذا لأنه قد أبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر أن يكون خليفةً في الواقع، وحياته مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجهاده، وبذله لنفسه وماله، وفضله في الإسلام، ومنزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم: هي نصوص عملية، وقطعية، قادت الصحابة الأجلاء – بمن فيهم علي بن أبي طالب – لاختياره خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأميرًا عليهم.
ولو كان ذلك الكتاب قد كُتب لاتهم الصحابة من قبَل الرافضة بتزويره، وافترائه! ولذا فعلى الرافضة أن يفرحوا بعدم إحضار الصحابة للورقة والقلم ليكتب النبي صلى الله عليه وسلم، لا أنهم يحزنون! وينبغي لهم الثناء على عمر رضي الله، لا الطعن فيه.
- وما يحصل من مراجعة بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في بعض المسائل لا يعكر على صفة الاستجابة، والمتابعة للشرع؛ لأنهم يراجعونه صلى الله عليه وسلم حتى يأتي الوحي بالجزم بما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فيسارعون بعدها لتنفيذ الأمر، كما حصل في صلح الحديبية، ومراجعتهم له بعدم الحلق، والذبح، رجاء أن يشرع الله تعالى ما يوافق رغبتهم، فلما حلق النبي صلى الله عليه وسلم وذبح هديه: سارعوا في الذبح والحلق، وقد رواه البخاري في صحيحه، وهكذا في مراجعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، كما في الصحيحين، وفي كل أحوالهم رضي الله عنهم لا يمكن لباحث أن يجد من الصحابة الأجلاء إلا التعظيم لنبيهم صلى الله عليه وسلم، والاستجابة لأمره، بل إن بعضهم أطاعه في مسألة دنيوية؛ ظانًّا أنه من الشرع، وهي مسألة ” تلقيح النخل “، فقد روى مسلم ( 2363 ) أنه صلى الله عليه وسلم ” مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: ( لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ) قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: ( مَا لِنَخْلِكُمْ ) قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: ( أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ).
* قال النووي – رحمه الله -:
قال الخطَّابي: وقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة: فلا يراجعه فيه أحد منهم.
” شرح مسلم ” ( 11 / 91 ).
* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور، ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم: امتثلوا. ” فتح الباري ” ( 1 / 209 ).
- قول عمر رضي الله عنه ” حسبنا كتاب الله “: لم يكن خطابًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أجلُّ من أن يفعل ذلك، وإنما كان مخاطبًا من اعترض عليه بالامتناع عن إحضار كتاب.
* قال النووي – رحمه الله -:
وقول عمر رضي الله عنه ” حسبنا كتاب الله “: ردٌّ على من نازعه، لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ” شرح مسلم ” ( 11 / 93 ).
- وقد وجَّه العلماء رحمهم الله امتناع عمر رضي الله عنه عن إحضار كتاب ليكتبه النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيهات عديدة، منها:
أ. إشفاقه على النبي صلى الله عليه وسلم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب، وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما قال: ” إن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد به الوجع “.
ب. خشيته من طعن المنافقين، ومن في قلبه مرض، من ذلك الكتاب، والتشكيك بناقليه، والطعن فيهم، وفي عدالتهم.
ج. خشيته ” أن يكتب أمورًا يعجزون عنها، فيحصلون في الحرج بالمخالفة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، وحكم النظر، وطلب الصواب، فيكون المصيب والمخطئ مأجورًا “.
– انظر: ” دلائل النبوة ” ( 7 / 184 )، ” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” للقاضي عياض (2 / 194 )، ” شرح مسلم ” للنووي ( 11 / 91 )، ” فتح الباري ” ( 1 / 209).
ولا يمنع اجتماع هذه الأوجه كلها في ذهن عمر رضي الله عنها، ولذلك وافقه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أفقه ممن اعترض عليه.
- وأما معنى كلام ابن عباس رضي الله عنهما: فليس فيه طعن بالصحابة رضي الله عنهم، وهو ممن بايع الصدِّيق، والفاروق بعده، وإنما أراد أن الحائل نفسه كان مصيبة؛ لظهور الفتنة بعد ذلك، والطعن في أولئك الأعلام.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وقول ابن عباس ” إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب الكتاب “: يقتضي أن هذا الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصدِّيق، أو اشتبه عليه الأمر؛ فإنه لو كان هناك كتاب: لزال هذا الشك، فأما مَن علم أن خلافته حق: فلا رزية في حقه، ولله الحمد.
” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 11 ).
- وقول ابن عباس رضي الله عنه هذا إنما هو اجتهاد منه، وقصدنا هنا أن نوضح للناس أن كلامه ليس طعنًا في الصحابة، إنما هو في وصف الحائل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكتابة، وهو منطبق على من شكَّ في أحقية الصدِّيق بالخلافة، وإلا فإن مَن منع الكتابة كان أفقه من ابن عباس رضي الله عنه، ولذا وافقه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكتب بعد ذلك، ومن يشكك في النصوص القطعية، ويردها: فهل سيقبل هذا كتابًا كُتب في بيت عائشة رضي الله عنها فيه الوصية لأبي بكر الصدِّيق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟! ولو أن ابن عباس رضي الله عنهما أدرك الرافضة، ورأى فجورها، وضلالها، وزندقتها: لما قال ما قال، في ظننا، وتوقعنا؛ لأن ما قاله فيه إحسان ظنٍّ بهم، وهم قد افتروا على الإسلام بأن فيه النص بالخلافة لعلي رضي الله عنه، فأنَّى لهم قبول مثل ذلك الكتاب؟!.
* قال النووي – رحمه الله -:
فكان عمر أفقه من ابن عباس، وموافقيه.
” شرح مسلم ” ( 11 / 90 ).
* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وفي تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على عمر: إشارة إلى تصويبه رأيه، وأشار بقوله ” حسبنا كتاب الله ” إلى قوله تعالى ( مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ )، ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما هو فيه من شدة الكرب، وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما لا يستغنون عنه؛ إذ لو كان من هذا القبيل: لم يتركه صلى الله عليه وسلم لأجل اختلافهم.
ولا يعارض ذلك قول بن عباس ” إنَّ الرزيَّةَ ” الخ؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا.
” فتح الباري ” ( 8 / 134 ).
وبه يتبين لك بطلان ادعاء الرافضة، في طعنهم في الصحابة رضي الله عنهم، وخصوصًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويتبين صدق السلف في أنهم أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام، فاحذرهم على دينك أخي السائل، ونسأل الله لك الثبات على الإسلام والسنَّة.
والله أعلم.


