هل عقد التسبيح بعد الصلاة يكون باليد اليمنى أم بكلتا اليدين؟

السؤال

وجدت هنا أن حديث تسبيح الرّسول صلى الله عليه وسلم بيمينه ضعيف، هل هذا صحيح؟.

وجدت هذا البحث في الموقع الآتي:

http://www.alewaa.com/vb/showthread.php?t=708

فقد كنت لسنوات أعقد التسبيح بعد الصلوات وفي غير الصلوات بيدي اليمين فقط, وبعد أن قرأت كتاب ” لا جديد في أحكام الصلاة ” للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى وأعلى درجته، تحولت إلى التسبيح بكلتا اليدين، وذلك لاقتناعي بما حققه الشيخ في هذا الموضوع, والمسلم يتبع الدليل متى ما علمه.

وقد ذكر الشيخ رحمه الله الآتي:

ويحتج لها بما ورد في بعض ألفاظ الرواة لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه ” رواه أبو داود والبيهقي، وهي لفظة تفرد بها ” محمد بن قدامة بن أعين ” عن جميع الرواة، وتبين منزلة هذا ” التفرد ” بجمع ألفاظ الرواة, والوقوف على مخرج الحديث, هل هو مختلف فيه أم متحد.

وعليه: فاعلم أن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما رواه أصحاب السنن الأربعة, وغيرهم, ولفظه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خلتان مَن حافَظَ عليهما أدخلتاه الجنة … ) قال: ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده.

وفي لفظ: ( يعقد التسبيح ).

وفي لفظ: ( ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد هكذا ), وعدَّ بأصابعه.

وهذا الحديث من حيث سنده: فردٌ في أوله, تفرد به عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

وعن عبد الله تفرد به: السائب بن زيد أو ابن مالك, وعن السائب, تفرد به عنه ابنه: عطاء بن السائب.

وعن عطاء اشتهر, رواه عنه جماعة منهم: شعبة, وسفيان الثوري, وحماد بن زيد, وأبو خيثمة زهير بن حرب, وإسماعيل بن علية, والأعمش.

وهؤلاء جبال في الرواية والحفظ, والإتقان والعلم.

وكلهم يقولون ( بيده ) لا يختلفون البتة, فليس فيهم واحد يقول: ( بيمينه ).

والاختلاف إنما حصل من طريق أحد الرواة، عن عثام بن علي عن الأعمش به, من رواية شيخ أبي داود: محمد بن قدامة عن عثام به، بلفظ ( بيمينه ) رواه أبو داود، ومن طريقه البيهقي.

ومحمد بن قدامه بهذا يخالف أقرانه الآخرين عن عثام, الذين رووه بمثل لفظ الجماعة أقران الأعمش: ( بيده )، أو بمعناه، بلفظ: ( يعقد التسبيح ).

… ثم عن طريق الأعمش، انفرد بروايته عنه: عثام بن علي العامري الكوفي، وهو صدوق.

وعن عثام رواه جماعة منهم:

  1. ابنه: علي بن عثام, وهو إمام ثقة.

وروايته به بلفظ: ( … رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) أخرجه الحاكم في: ” المستدرك ” ( 1 / 547 ).

  1. محمد بن عبد الأعلى الصنعاني وهو ثقة .
  2. الحسين بن محمد الذراع البصري، صدوق.

كلاهما به بلفظ: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) أخرجه النسائي في ” سننه ” ( 3 / 79 ).

ومن طريق محمد بن عبد الأعلى الصنعاني, أخرجه الترمذي بلفظ: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده ).

وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه, عن الأعمش عن عطاء بن السائب.

وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب, بطوله.

  1. أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي البصري، صدوق.

ولفظه : ( … رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) أخرجه البغوي في ” شرح السنة ” ( 5 / 47 ).

وبلفظ : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده ) رواه بن حبان كما في ” موارد الطمآن ” ( ص 580 ).

  1. عبيد الله بن ميسرة البصري، ثقة ثبت.

* قال أبو داود – رحمه الله تعالى – في ” سننه ” ( 2 / 81 ): حدثنا عبيد الله بن ميسرة, ومحمد بن قدامة, في آخرين قالوا: حدثنا عثام, عن الأعمش, عن عطاء بن السائب, عن أبيه, عن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح.

* قال ابن قدامة: ( بيمينه ) انتهى.

  1. محمد بن قدامة المصيصي، ثقة، من شيوخ أبي داود.

ولفظه: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه ).

رواه أبو داود في سننه ( 2 / 81 ) والبيهقي من طريقه في السنن الكبرى ( 2 / 187 ).

فهؤلاء خمسة من تلاميذ عثام، وهم مابين ثقة ثبت أو ثقة أو صدوق، ومنهم أخص به: ابنه علي بن عثام الإمام الثقة الحافظ كما وصفه الذهبي بذلك كلهم به بلفظ ( يعقد التسبيح )…..

وانفرد شيخ أبي داود: محمد بن قدامة المصيصي من بين الآخذين عن عثام بلفظ:

( يعقد التسبيح بيمينه ) ولم يتابعه عليها أحد وليس لها شاهد.

… الخ. انتهى

ومن حين قراءة هذا النص أعلاه عملت بمقتضاه، وبلَّغت به من حولي من الإخوة، ولكنهم لم يعملوا به , فلا أدري هل يوجد حديث آخر كدليل على التسبيح باليمين, أم ماذا؟.

بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

التسبيح بعد الصلاة باليمين من مسائل الخلاف المشتهرة، وخاصة بين العلماء المعاصرين، ويمكن حصر الأقوال في المسألة في ثلاثة أقوال:

الأول: أن السنَّة التسبيح باليمنى، ولا يجوز التسبيح معها باليسرى.

وهو قول الشيخ الألباني رحمه الله.

الثاني: أن السنَّة التسبيح باليدين، وعدم اقتصار التسبيح على اليمنى.

وهو قول الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله.

الثالث: أن الأفضل التسبيح باليمنى، وجواز التسبيح معها باليسرى.

وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسبِّح الله عز وجل بيده اليمنى فقط، أو باليد اليسرى، في حديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح بيده، في حديث آخر كان صلى الله عليه وسلم يسبح بيمين، هل هذان الحديثان صحيحان أم لا؟.

فأجابوا:

أمر الله تعالى في كتابه بالتسبيح، وحثَّت السنَّة الثابتة عليه، وبيَّنت فضله مطلقاً ومقيَّدًا بزمن، أو حال، أما كونه باليد أو بأناملها: فقد روى في ذلك الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن يسيرة بنت ياسر رضي الله عنها – وكانت من المهاجرات – قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا نساء المؤمنات عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس ولا تغفلن فتنسين الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات ) – أحمد ( 6 / 371 ) وأبو داود ( 1501 ) والترمذي ( 3583 ) -، وروى الترمذي – ( 3486 ) – من طريق الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب قال: وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب بقوله، ورواه أبو داود – ( 1502 ) – عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة ومحمد بن قدامة في آخرين قالوا: حدثنا عثام عن الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) قال ابن قدامة : ( بيمينه ).

من هذا يتبين للسائل ألفاظ الروايات التي روي بها هذا الحديث، وليس بينها تناف، بل بعضها مجمل وبعضها مبيَّن مفسَّر، ويشهد لاختيار التسبيح باليمين: عموم حديث عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وفي شأنه كله ) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

والأمر في ذلك واسع، ولا حرج في استعمال أنامل اليدين جميعًا كما هو ظاهر من حديث يسيرة المتقدم، ولكن استعمال أنامل اليد اليمنى في ذلك أفضل؛ لما تقدم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 7 / 105 – 107 ).

ثانيًا:

وسبب الخلاف بين الشيخين الألباني – ومن رجح قوله -، وبكر أبي زيد – ومن رجح قوله – هو الحكم على زيادة الراوي محمد بن قدامة – شيخ أبي داود – أنه صلى الله عليه وسلم كان ( يعقد التسبيح بيمينه )، فلفظ ” بيمينه ” تفرد بها ذلك الراوي، وهو ثقة، لكنَّ غيره من  رواة الحديث ذاته لم يذكروا هذه اللفظة في حديثهم، فحكَم عليها الشيخ بكر أبو زيد بالشذوذ، فردَّها، وردَّ العمل بها، وجعل لفظ ” بيده ” دالاَّ على التسبيح بكلتا اليدين؛ لأن اللفظ اسم جنس، وأما الشيخ الألباني فقد صحح تلك الزيادة، وعمل بمقتضاها، وجعل التسبيح باليد اليمنى هو السنَّة، لا غير.

وتوسَّط أصحاب القول الثالث فقالوا بصحة الزيادة، ولم يمنعوا من التسبيح باليسرى؛ لما يدل عليه لفظ حديث آخر وهو ( وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِل فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاَت مُسْتَنْطَقَات ).

والذي يترجح عندنا هو قول الشيخ الألباني رحمه الله؛ لأمور:

الأول: ثبوت لفظة ” بيمينه ” وعدم شذوذها.

الثاني: أن العقد بالتسبيح من الأشياء الكريمة الحسنة، والتسبيح عبادة، ولا يصلح له إلا اليد اليمنى؛ لما كان يجعل النبي صلى الله عليه وسلم اليمنى من أجله.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدهما: استحب فيه التياسر.

” فتح الباري ” ( 1 / 270 ).

الثالث: دلالة لفظ ” بيده ” على أن التسبيح بيد واحدة، لا بيدين اثنتين، ولا يتعين إلا اليد اليمنى.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

( يعدهنَّ بيده ): يعني: اليمنى، كما في رواية لأبي داود – ( 1502 ) -، ومَن زعم من المعاصرين الأحداث في هذا العلم – ويقصد به: ” حسن السقَّاف ” – أنها زيادة مدرجة من شيخ أبي داود – محمد بن قدامة – فمن جهله أتي، ثم هي زيادة مفسرة لرواي ( بيده )؛ مناسبة لجلالة ذكر الله وتسبيحه، كما يدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: ( كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى ) رواه أبو داود بسند صحيح – ” صحيح أبي داود ” ( 26 ) – ولا يشك ذو لب أن اليمنى أحق بالتسبيح من الطعام، وأنه لا يجوز أن يلحق بـ ( ما كان أذى )! وهذا بيِّنٌ لا يخفى إن شاء الله.

وبالجملة: فمن سبَّح باليسرى: فقد عصى، ومن سبَّح باليدين معًا – كما يفعل كثيرون -: فقد ( خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم ) -، ومن خصَّه باليمنى: اهتدى، وأصاب سنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم .

”  صحيح الأدب المفرد ” ( 1216 ).

* وقال الشيخ – رحمه الله -:

وفي رواية لأبي داود ( يعقد التسبيح بيمينه )، وإسنادها صحيح عندي، وحسَّنها النووي في ” الأذكار ” لكنه عزاها للنسائي فوهم؛ فإن الذي خرجه النسائي إنما هو الرواية الاولى، وأما أبو داود فأخرجهما كلتيهما معا، وقال الحافظ في ” نتائج الأفكار “: ” حديث حسن، رجاله كلهم ثقات، إلا عطاء بن السائب اختلط، ورواية الأعمش عنه قديمة فإنه من أقرانه “.

قلت  وقد تابعه ” حمَّاد بن زيد ” باللفظ الأول، وهو إنما سمع من ” عطاء ” قبل الاختلاط، فالسند صحيح قطعًا، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه – ( 2343 ) -، وإنما خص الحافظ الرواية الاولى بالكلام لكونها نصًّا في التسبيح باليمنى، وإن كانت الأولى لا تخرج عن معناها، كما هو ظاهر، وعليه: فالتسبيح باليدين كلتيهما معًا: خلاف السنة، وكيف يليق بالمسلم أن يسبح باليد التي يستنثر بها ويستنجي بها؟.

” الكلِم الطيب ” ( 112 ).

ومع ترجيحنا لكون التسبيح هو باليد اليمنى إلا لسنا مع الشيخ الألباني رحمه الله في التشدد في هذه المسألة، وقد سبق بيان حجة المخالف، فهو لم يخالف بجهل، ولا بهوى، فنرى أن السنَّة أن يسبِّح المسلم بيمينه، مع عدم الإنكار على المخالف ممن يرى جواز التسبيح باليدين، وهو قول الشيخ العثيمين رحمه الله – ويمكن جعل قوله قولاً رابعًا في المسألة -.

* فقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن عد التسبيح هل يكون باليد اليمنى فقط؟.

فأجاب:

السنَّة أن يسبِّح باليمنى؛ لأن هذا هو ما رواه أبو داود من أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كان يعقد التسبيح بيمينه )، ولكن لا ينبغي التشديد في هذا الأمر بحيث يُنكَر على من يسبِّح بكلتا يديه، بل نقول: إن السنَّة أن تقتصر على اليمين؛ لأن هذا هو الذي ورد عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأن ذلك أفضل وأكمل؛ لأن اليمين تقدم في الأمور المحمودة، واليسرى في الأمور الأخرى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 13 / 243 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة