حكم تسخط زوجها على القدَر، وتنقيصه من قدْر الله تعالى، وما يترتب على ذلك

السؤال

لدي مشكلة غريبة جدًّا، زوجي الذي يتميز بطبعه الحريص جدًّا، لديه طابع سيء جدًّا، فعندما تواجهنا بعض الصعوبات: يقول أشياء مثل: ” لماذا يفعل الله معنا نحن هكذا من دون الناس؟ “، و ” إن الله تعالى يستهزئ بنا، وهو الآن يضحك علينا!! ” ( أستغفر الله )، ولكنني أرى هذه الصعوبات كفارة لسيئاتنا، أما هو فليس عنده سوى هذه الكلمات، وإنني في هذه الحالة أظل صامتة؛ لأنني من خلال تجربتي معه: رأيت أن محاولة إسكاته تزيد الطين بلة، أما إن بقيت صامتة: فإنه يسكت بعد جملة، أو جملتين.

وسؤالي هو: هل أفعل الصواب؟ أشعر أنه عليَّ إسكاته بطريقة ما، وأن أجعله يظل صامتًا، ولكنني بالفعل لا أدري ماذا أفعل؟ أسأل الله تعالي أن يغفر لزوجي، ولكن ماذا ترى أني فاعلة؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

ما قاله الزوج عظيم في حق الله، يبعث على الأسى، ويصيب القلب بالكمد ، فكيف لمسلم أنعم الله تعالى بخير دين، وأنعم الله بنعَم لا يمكنه إحصاءها، ثم يأتي ويعترض على قدر الله تعالى، ويطعن بحكمته؟! إنها لإحدى الكُبَر، ثم لا يكتفي بهذا حتى يجعل ربه تعالى في موقف الساخر منه، المستهزئ به، الضاحك عليه! فكيف يجرؤ من أنعم الله عليه بلسان يتكلم أن ينطق بهذا؟! وكيف لمنتسب للإسلام أن يتفوه بذلك الكلام العظيم في حق ربه عز وجل؟!.

إن ما قاله الزوج من الاعتراض على قدر الله تعالى، والطعن بحكمته، وسؤاله لماذا يفعل الله معنا هكذا “: فهو من التسخط على قدر الله، وهو من كبائر الذنوب، وقد يؤدي به إلى الكفر المخرج من الملة ؛ فهو طريق موصل إلى الردة، والله تعالى له الحكمة البالغة فيما يفعل ويقدِّر، وهو تعالى ( لاً يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلونَ ) الأنبياء/ 23.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ). رواه الترمذي (2396) وابن ماجه (4031)، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

 الناس حال المصيبة على مراتب أربع:

المرتبة الأولى: التسخط وهو على أنواع:

النوع الأول: أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه، يغتاظ مما قدَّره الله عليه : فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ).

النوع الثاني: أن يكون باللسان، كالدعاء بالويل، والثبور، وما أشبه ذلك ، وهذا حرام.

النوع الثالث: أن يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 110 ).

ثم إن العبد إذا ابتليَ بالمصائب لم يكن ذلك علامة على أنه غير مرضي عند الله، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خير الناس، وأعلم الناس، وأخشاهم، وأتقاهم، قد ابتلي كثيرًا، فاتهم في عقله، وطعن في عرضه، وجُرح وكُسرت رَباعيته، مع ما لاقاه صلى الله عليه وسلم من الأذى من كفار قريش، وسفهاء الطائف، وغيرهم، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد صحَّ عنه أنه قال ( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) رواه أحمد.

فالمتسخط على قدر الله تعالى، وعلى ما ابتلاه به من شدَّة وصعوبة: قد أخطأ في ظنه أنه ما ابتلاه الله إلا من سخطه عليه، لذا فإن الصبر على ما يقدره الله تعالى على العبد: من واجبات الإيمان المحتمات، والرضا به من المستحبات، والتسخط من المحرمات.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله – تعليقًا على الحديث السابق وما في معناه -:

و في هذه الأحاديث: دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيمانًا: ازداد ابتلاء، وامتحانًا، والعكس بالعكس، ففيها رد على ضعفاء العقول والأحلام، الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء، كالحبس، أو الطرد، أو الإقالة من الوظيفة، ونحوها: أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى! و هو ظن باطل، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل البشر: كان أشد الناس – حتى الأنبياء – بلاءً ، فالبلاء – غالبًا – دليل خير، وليس نذير شر.

” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 144 ).

ثانيًا: وإن تصوير زوجكِ الربَّ تعالى بما قاله في حقه: من استهزائه به، وضحكه عليه: كل ذلك من الكفر المخرج من الملة؛ لدخوله في تنقيص قدر الرب تعالى، ولدخوله في حكم الاستهزاء به عز وجل، ولتشبيه الله تعالى بأفعال الناقصين من البشر، وكل ذلك كفر بالله تعالى ، لا يُختلف فيه.

قال تعالى: ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) التوبة/ 65.

ولو كان مثل الوصف منه في حق النبي صلى الله عليه وسلم لكان كفرًا بإجماع المسلمين، فكيف وقد جعله في الله تعالى؟!.

– ولينظر الإجماع في كفر المنتقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم: في أجوبتنا الأخرى.

وليس شرطًا أن يكون ذلك الزوج عالماً أنه قد جاء بالكفر المخرج من الملة، فالحكم على فعله وقوله هو للشرع، وليس له.

* شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في شرح الآيات السابقة -:

فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفرٍ، فبيَّن أن الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله: كفرٌ، يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلَّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرَفوا أنَّه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 273 ).

ثالثًا:

ولذا فعلى الأخت السائلة أن تعلم هذا، وأن تُخبر به زوجها، وعليها أن تطلب منه أن يتلفظ بالشهادتين، ويتوب على ما صدر منه من كلمات، ويندم عليها، ويعزم على عدم العود لها ، أو لمثلها.

وإلى ذلك الحين: فنرى أنه يحرم على الأخت أن تمكنه من نفسها، وأن تظهر عليه بزينتها؛ لأن عقد الزوجية مفسوخ، حتى يعلن رجوعه إلى الإسلام، وتعتد منه حيضة واحدة، فإن رجع للإسلام خلال العدة: فتعود له زوجته بالعقد الأول، ولا حاجة لتجديده، فإن انقضت العدة: فالأمر إليها، إن شاءت رجعت له على العقد الأول، وإن شاءت رفضته، وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم في المسألة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة