شرح حديث ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم )
السؤال
شرح حديث ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم ) ومن هم الخلفاء في الحديث:
جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما ذهب نبي خلفه نبي، وأنه ليس كائن بعدي نبي فيكم، قالوا: فما يكون يا رسول الله؟ قال: تكون خلفاء فيكثرون، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم )
أرجو أن تشرحوا لي هذا الحديث، وهل هناك خلفاء في يومنا هذا؟ وهل يوجد اليوم من يجب علينا معاملته كخليفة؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نص الحديث:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنْه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ). رواه البخاري ( 3268 ) ومسلم ( 1842 ).
وأما شرحه:
* فقد قال الحافظ العيني – رحمه الله -:
قوله ( تسوسهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) أي: تتولى أمورهم، كما تفعل الأمراء، والولاة، بالرعية.
والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه؛ وذلك لأنهم كانوا إذا أظهروا الفساد بعث الله نبيّاً يزيل الفساد عنهم، ويقيم لهم أمرهم، ويزيل ما غيَّروا من حكم التوراة .
قوله: ( خَلَفَه نبي ) بفتح اللاَّم المخففة، يعني: يقوم مقام الأول، والخلَف بفتح اللام، وسكونها: كلُّ مَن يجيء بعد مَن مضى، إلا أنه بالتحريك: في الخير، وبالسكون: في الشر، قال الله تعالى ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِم خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ ).
قوله ( لا نبي بعدي ) يعني: لا يجيء بعدي نبي فيفعل ما يفعلون.
قوله ( خلفاء ) جمع خليفة.
قوله ( فيكثرون ) بالثاء المثلثة من الكثرة، وحكى عياض عن بعضهم بالباء الموحدة، وهو تصحيف، ووجه: بأن المراد إكبار قبايح فعلهم.
قوله ( فُوا ) بالضم، أمرٌ لجماعة مِن ” وفى، يَفي ” والأمر منه: ” فِ، فِيَا، فُوا “.
قوله ( بيعة الأول فالأول ) معناه: إذا بويع لخليفة بعد خليفة: فبيعة الأول صحيحة، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني: باطلة، يحرم الوفاء بها، سواء عقدوا للثاني عالِمين بعقد الأول، أو جاهلين، وسواء كانا في بلديْن، أو أكثر، وسواء كان أحدهما في بلد الإمام المنفصل، أم لا.
ولم يبين حكم الثاني في هذا، وهو مبيَّن في رواية أخرى: ( فاضربوا عنقه )، وفي رواية أخرى ( فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان.
قوله ( أعطوهم حقَّهم ) أي: أطيعوهم، وعاشروهم بالسمع والطاعة؛ فإن الله يحاسبهم بالخير والشر عن حال رعيتهم.
” عمدة القاري ” ( 16 / 43 ) باختصار يسير.
* وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:
النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، أي: تُبعث فيهم الأنبياء، فيصلحون من أحوالهم، … فالنبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، ولكن جعل الله له الخلفاء، خلفاء في العلم، وخلفاء في السلطة، والمراد بالخلفاء في هذا الحديث: خلفاء السلطة.
ولهذا قال ( سيكون خلفاء ويكثرون، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ ) يعني: مَن نَفِي ببيعته؟ قال: ( الأول فالأول ) فإذا بايعوا الخليفة: وجب عليهم أن يبقوا على بيعتهم، وأن ينبذوا كل من أراد الخلافة وهو حي، وأن يعينوا الخليفة الأول على مَن أراد الخلافة في حياته؛ لأن كل من نازع السلطان في سلطانه: فإنه يجب أن يقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة؛ فإن الناس لو تُركوا فوضى وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزبًا يقاتل به السلطان: فسدت الأمور.
وفي آخر الحديث حمَّل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الخلفاء ما عليهم، وأمَرَنا نحن أن نوفي لهم بحقهم، وأن نسأل الله الذي لنا، لا نقل ” هؤلاء ظلموا “، ” هؤلاء جاروا “، ” هؤلاء لم يقوموا بالعدل “، ثم ننابذهم، ولا نطيعهم فيما أَمرنا الله به، لا ، هذا لا يجوز فيجب أن نوفي لهم بالحق وأن نسأل الله الحق الذي لنا ….
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تسوسهم الأنبياء ): دليل على أن دين الله – وهو دين الإسلام – في كل مكان، وفي كل زمان: هو السياسة الحقيقية النافعة، وليس السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار.
السياسة – حقيقية -: ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول: إن الإسلام شريعة وسياسة، ومَن فرَّق بين السياسة والشريعة: فقد ضل.
” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 634 – 637 ) باختصار.
وقد حصل ما قاله صلى الله عليه وسلم من كثرة الخلفاء، لذا قال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
” شرح مسلم ” ( 12 / 231 ).
ثانيًا:
والأصل أن يكون للمسلمين في جميع أقطار الأرض – ولو تباعد بعضها عن بعض – خليفة واحد، وله في الأمصار أمراء، ونوَّاب، وبعض أهل العلم جوَّز وجود خليفتين في الأقطار المتباعدة، وفي العصور الأخيرة فُرض واقع البيعة للخليفة والإمام على كل قُطر، ولو كان الآخر قريبًا منه، وهو واقعنا الحالي، ولا يختلف علماء العصر في السمع والطاعة للمسلم المتولي عليهم ، الذي يحكمهم بالقرآن والسنَّة ؛ إذ هذه هي الإمارة، كما عرَّفها الماوردي رحمه الله حيث قال في ” الأحكام السلطانية ” ( ص 3 ): ” الإمامة موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدِّين، وسياسة الدنيا “، وفي الحديث إشارة إلى هذا التعريف، حيث يقوم السلطان مقام النبي الحاكم من بني إسرائيل، وحيث لا نبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم: فالسلطان يقوم مقام النبي في حراسة الدين، ويقوم بوظيفة الحاكم بسياسة الدنيا، كما أنه يقوم العلماء بوظيفة النبي في التعليم، ولذا جاء في الحديث ( العُلُمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) رواه الترمذي ( 2682 ) وأبو داود ( 3641 ) وابن ماجه ( 223 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
فحيث وُجد الحاكم المسلم الذي يتبنى الشرع دينًا، ويقوم على حراسته، وتنفيذه: فهو من خلفاء النبوة، وتجب له البيعة، والطاعة، ولو تعدد هؤلاء السلاطين والحكام في الأقطار، وأما في البلد الواحد: فلا يجوز أن يبايع لخليفتين، بل البيعة للأول منهما.
* قال الشوكاني – رحمه الله -:
إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه، مربوطة به، كما كان في أيام الصحابة، والتابعين، وتابعيهم: فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول: أن يُقتل إذا لم يتب عن المنازعة، وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد: فليس أحدهما أولى من الآخر، بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما، فإن استمرا على الخلاف: كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين، ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك.
وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه: فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلى إمام، أو سلطان، وفي القطر الآخر – أو الأقطار – كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر، ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله: كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار؛ فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها، أو سلطانها، ولا يدرى من قام منهم، أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه: تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد؛ فإن أهل الصين، والهند: لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب، فضلًا عن أن يتمكنوا من طاعته، وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمين، وهكذا العكس، فاعرف هذا؛ فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفَرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن: أوضح من شمس النهار، ومَن أنكر هذا: فهو مباهت، لا يستحق أن يُخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها.
” السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ” ( ص 940، 941 ).
والله أعلم.


