معنى ” العالِم ” و ” الشيخ ” وكلمة في الإخلاص في طلب العلم وعدم الاستعجال فيه
السؤال
ما الفرق بين العالِم والشيخ؟ وكيف يتسنَّى لطلاب العلم الوصول لهذه الألقاب مثل ” عالم “، ” مفتي “، ” شيخ “، ” إمام ” … الخ؟ وكيف نستطيع أن نختار عالمًا نثق به ونتبعه لا سيما وأن الخلافات والاختلاف في الرأي هذه الأيام كثيرة بين رجال العلم؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
” العالِم “: هو المحيط علمًا بما في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم من أحكام، وهو المحقق للناسخ والمنسوخ، والعارف بفيَّد المطلق، ومخصص العام، وهو المميز لصحيح الحديث من ضعيفه، والمطلع على اختلاف العلماء، مع معرفته لجملة وافرة من علوم الآلة كأصول الفقه، واللغة العربية.
وهذه جملة من أقوال العلماء في ذلك:
- قال عبد الملك بن حبيب: سمعت ابن الماجشون يقول: كانوا يقولون: لا يكون إمامًا في الفقه من لم يكن إمامًا في القرآن والآثار، ولا يكون إمامًا في الآثار من لم يكن إمامًا في الفقه.
قال: وقال لي ابن الماجشون: كانوا يقولون: لا يكون فقيهًا في الحادث من لم يكن عالمًا بالماضي. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 47 ).
- قال الحاكم النيسابوري:
قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم، والناسخ والمنسوخ من الحديث: لا يسمَّى عالمًا.
” معرفة علوم الحديث ” للحاكم ( ص 60 ).
- وروى ابن عبد البر – رحمه الله – عن سعيد بن أبي عروبة قال: مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالمًا. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 46 ).
ثانيًا:
وأما ” الشيخ “: فتطلق على الكبير في السن، والكبير في العلم، والكبير في القدر.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
هل يصح أن تطلق كلمة ” الشيخ ” لكل أحد من الناس, ولا سيما أن هذه الكلمة أصبحت متفشية؟ فأرجو توضيح ذلك.
فأجاب:
كلمة ” شيخ ” في اللغة العربية لا تكون إلا للكبير, إما كبير السنِّ، أو كبير القدْر بعلمه، أو ماله، أو ما أشبه ذلك, ولا تطلق على الصغير, لكن كما قلتَ: تفشت الآن حتى كاد يلقب بالشيخ من كان جاهلًا أو لم يعرف شيئًا, وهذا فيما أرى لا ينبغي؛ لأنك إذا أطلقت على هذا الشخص كلمة ” شيخ ” وهو جاهل لا يعرف: اغتر الناس به, وظنوا أن عنده علمًا، فرجعوا إليه في الاستفتاء، وغير ذلك، وحصل بهذا ضرر عظيم, وكثير من الناس – نسأل الله لنا ولهم الهداية – لا يبالي إذا سئل أن يفتي ولو بغير علم, لأنه يرى إذا قال: ” لا أدري “: كان ذلك نقصًا في حقه, والواقع: أن الإنسان إذا قال فيما لا يعلم ” لا أدري “: كان ذلك كمالًا في حقه, ولكن النفوس مجبولة على محبة الظهور إلا من عصم الله عز وجل.
فالذي أرى: أنها لا تطلق كلمة ” شيخ ” إلا على من يستحقها, إما لكبره، أو لشرفه وسيادته في قومه, أو لعلمه, وهذا كما كان بعض الناس الآن يطلق كلمة ” إمام ” على عامة العلماء, حتى وإن كان هذا العالم من المقلدة يقول: هو إمام, وهذا أيضًا لا ينبغي, ينبغي ألا تطلق لفظ ” إمام ” إلا على من استحق أن يكون إمامًا، وكان له أتباع, وكان معتبرًا قوله بين المسلمين.
” لقاء الباب المفتوح ” ( 117 / السؤال 11 ).
ثالثًا:
وقد لفت نظرَنا قولُك ” وكيف يتسنَّى لطلاب العلم الوصول لهذه الألقاب مثل ” عالم “، ” مفتي “، ” شيخ “، ” إمام ” … الخ؟ “! وننبهك على أمرين مهمين:
- الإخلاص في الطلب.
فطالب العلم إنما يطلبه لأجل أنه فريضة فرضه الله تعالى عليه، ولأجل أن يرفع الجهل عن نفسه وعن الآخرين، وحتى يحوز الطالب على رضا ربه تعالى وعلى منزلة وفضل طلب العلم: لا بدَّ أن يكون مخلصًا في طلبه للعلم، وأنه لا يقصد بطلبه أن يشار له بالبنان، وأن ينتشر اسمه في الآفاق، وأن يصرف وجوه الناس إليه، وإنه لو لقي ربَّه وهو جاهل أهون من أن يلقاه عالمًا بهذه النيات، ونكتفي بذكر حديثين في هذا الباب لعلهما أن يكونا كافيين لمن نوى بطلبه العلم ما ذكرنا:
- عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيهِ … وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَه نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُه وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَال عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ … . ).
رواه مسلم ( 1905 ) ورواه الترمذي ( 2382 ) وفي آخره: فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) والثلاثة في الحديثين هم: عالم، ومنفق، ومجاهد.
- وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ).
ابن ماجه برقم ( 253 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.
وفي ” حاشية السندي على ” سنن ابن ماجه “:
قوله ( ليماري به السفهاء ) أي: يجادل به ضعاف العقول.
قوله ( أو ليباهي به ) أي: يفاخر.
( أو ليصرف وجوه الناس إليه ) أي: ينوي به تحصيل المال والجاه، وصرف وجوه الناس العوام إليه، وجعلهم كالخدم له، أو جعلهم ناظرين إذا تكلم متعجبين من كلامه إذا تكلم، مجتمعين حوله إذا جلس. انتهى.
- عدم الاستعجال لتفتي أو تؤلف أو تدرِّس.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ولا يجوز للإنسان أن يتصدَّر للفتوى والتدريس وليس معه علم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جُهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا ) – متفق عليه -.
والحمد لله، الإنسان الذي يريد الخير ولكنه يأتي حتى يدركه وينشره: فإنه إن فسح له الأجل حتى أدرك ما أراد: فهذا هو مطلوبه، وإن لم يفسح له في الأجل وقضى الله عليه الموت: فإنه كالذي يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.
وكم من إنسان تعجَّل في التدريس والفتيا فندم؛ لأنه تبين له أن ما كان يقرره في تدريسه أو يفتي به في فتواه كان خطأ، والكلمة إذا خرجت من فم صاحبها ملكَتْه، وإذا كانت عنده ملكَهَا .
فليحذر الإخوة الذين هم في ريعان طلب العلم من التعجل، وليتأنوا حتى تكون فتواهم مبنية على أسس سليمة، وليس العلم كالمال يتطلب الإنسان فيه الزبائن ليدرك من يبيع، بل يدرك من يشتري منه، بل العلم إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيجب على الإنسان أن يكون مستشعرًا حين الفتوى شيئين:
الأول: أنه يقول عن الله عز وجل وعن شريعة الله.
الثاني: أنه يقول عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء.
” كتاب العلم ” ( ص 135 ، 136 ).
رابعًا:
وأما العالِم الذي يُستفتى في دين الله تعالى: فهو الذي جمع بين العِلم والتقوى، ويجب على العامي أن يتحرى ذلك كما يتحرى في أمور دنياه، ولكل شيء قواعده، فهيئة العالِم واستدلاله بالنصوص وحكمه على الأحاديث وعدم مسايرة الواقع: كل ذلك يستطيع العامي معرفة وجوده فيمن يستفتيه وفي خلوه منه، ولا يكلفه الله إلا ما في وسعه وطاقته.
والراغب بمعرفة حكم الله في المسألة إما أن يكون قادرًا على البحث في الأدلة، وتقليب النظر فيها والترجيح بين أقوال العلماء، أو لا يستطيع من ذلك شيئًا، فإن كان حاله الأول فيبحث ويتحرى الصواب، ويفتي نفسه، وإن كان حاله الثاني: فيسأل من يثق بعلمه ودينه، ويأخذ بفتواه.
والله أعلم.


