نصرانية تبحث عن الحق وتسأل عن حكم النقاش في مسائل الاعتقاد وعن الردة

السؤال

أنا امرأة أمريكية، مسيحية، أمضيت عدة سنوات في تلقي معلومات زائفه عن الإسلام، ولكنني مؤخرًا أخذت على كاهلي مهمة البحث والتعلم بنفسي.

إنها فكرة رائجة في أوساط المسيحيين من الأمريكان أن الإسلام لا يقبل النقاش في أمور العقيدة، ويصف ذلك بالردة والانتكاس، ولا أظن أن هذه هي القضية، فكيف؟ ومن يتولى الإجابة عن الأسئلة الصعبة التي تتعلق بالعقيدة؟ فإذا كان الشخص في شك من بعض المسائل فمن يجيبه ويعينه في رفع الالتباس؟ وما هي الردة بمعناها الصحيح؟ ومن هو المرتد حقًّا؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نحن نحيِّي فيك روح الجد والبحث والاجتهاد في التعرف على الحق، وقد أحسنتِ غاية الإحسان في نبذك للمصادر التي تكتب معلومات زائفة عن الإسلام، وإن أصول البحث العلمي المنصف تقتضي أن تؤخذ المعلومة عن الشيء من مصادره، لا من مصادر شانئيه وأعدائه، وقد أحسنتِ في مراسلتنا للبحث عن المعلومة الصحيحة عن الإسلام، ولن نألوا جهداً في الرد على استفساراتك، والسير معك في بحثك عن الحق، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لأن تسلكي الطريق المنجي لك في الآخرة، وهو طريق الأنبياء والمرسلين، والذين بعثهم الله تعالى ليدلوا الناس على الصراط المستقيم الذي يوصلهم لرضوانه تعالى وجنته.

ثانيًا:

وأما الزعم بأن الإسلام لا يقبل النقاش في مسائل العقيدة، وأنه يعد ذلك ردَّة: فهو من الافتراءات العديدة عن الإسلام، والتي يروجها أعداؤه؛ ليصدوا الناس عن هذا الدين الذي ختم الله تعالى به الأديان، وليسيئوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله به رسله الكرام، وأرسله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا.

واعلمي أيتها السائلة أنه يحسن بنا أن نجلي الأمر لك على أتم وجه، فنقول:

  1. ينقسم السائلون والمناقِشون لمسائل الاعتقاد في الإسلام إلى قسمين:

الأول: يسأل ويناقش باحثًا عن الحق، أو طالباً لإزالة الشبهة من قلبه، أو راغباً في تقوية الحق الذي هو عليه، أو مستفسرًا عن شيء يجهله.

فمثل هذا السائل أو المناقش يُسمع له، ويُجاب عن أسئلته، ويزال ما عنده من شُبَه، بالعلم المؤصل بالأدلة الشرعية من القرآن والسنَّة.

وإنما يتولى هذه الإجابات لأولئك السائلين والمناقشين: أهل العلم، وقد أمر الله تعالى مَن جهل شيئًا بدينه أن يسأل أهل العلم، وقد توعد الله تعالى كل من يُسأل عن شيء يعلمه فكتمه بالوعيد الشديد، فمن حق الجاهل بالشرع أن يسأل، ومن واجب العالِم أن يجيبه.

فقولك أيتها السائلة: ” ومن يتولى الإجابة عن الأسئلة الصعبة التي تتعلق بالعقيدة؟ “: فالجواب عليه في القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) النحل/ 43، والسؤال هنا إنما هو مسألة اعتقادية، وهي كون رسل الله تعالى كانوا رجالًا، وهي آية عامة تشمل السؤال عن مسائل العقيدة وغيرها.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الله تعالى أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) الأنبياء/ 7، وواضح أننا نسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسلَ رجالٌ : هو من العقيدة، ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 311 ).

وقولك: ” فإذا كان الشخص في شك من بعض المسائل فمن يجيبه ويعينه في رفع الالتباس؟ “: فالجواب عليه في القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) يونس/ 94.

وهذه الآية خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به أتباعه، فلا هو بالذي شك، ولا بالذي سأل، وأما نحن فمن شكَّ منَّا في شيء فليسأل أهل العلم ليزيلوا له إشكاله.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

التحقيق: أن الخطاب في قوله: ( إِنْ كُنْتَ فِي شّكٍّ ) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به: من يمكن أن يشك في ذلك من أمته.

” أضواء البيان ” ( 7 / 165 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وإذا كان هذا الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولم يَشُكَّ: فنحن إذا شككنا في شيء من أمور الدين: فنرجع إلى الذين يقرؤون الكتاب، أي: إلى أهل العلم؛ لنأخذ بما يقولون، وهذا عام يشمل مسائل العقيدة.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 311 ).

الثاني: يناقش من أجل المماراة ، والمجادلة الفارغة، ومن أجل تشكيك المسلمين بدينهم واعتقادهم، ولإدخال الشبَه في قلوبهم وعقولهم.

وهذا الصنف من الناس يمكن للعالِم أن يتجاهله ولا يناقشه، وقد يجب عليه أحياناً تجاهله إن رأى في ذلك ردعاً له وتبكيتًا، ومثل هؤلاء يضيعون الأوقات الثمينة، ويتسببون في فتنة الناس وتشكيكهم في أصول دينهم، ولو كانوا باحثين عن الحق لوجب احترامهم، وللزم العالِم أن يجيبهم على مسائلهم، ولكنهم ليسوا كذلك.

  1. وتنقسم المسائل العقيدية في الإسلام إلى قسمين:

الأول: مسائل قطعية لا شك فيها، ثبتت باليقين، ولم يختلف فيها علماء الإسلام، كوحدانية الله تعالى، والإيمان بالملائكة، والنبيين، واليوم الآخر، وغير ذلك مما هو مثلها.

وهذه المسائل لا مجال للنقاش فيها، ولا مجال لرأي آخر فيها، ومن حق السائل أن يعلم حكم الله تعالى فيها، وليس له أن يعترض عليها أو ينقضها أو يتبنى قولاً آخر فيها.

الثاني: مسائل ظنية الثبوت، اختلف فيها علماء الإسلام، وحصل فيها بينهم نقاش، ومدارسة، للوصول إلى الصواب من القولين.

ومثل هذه المسائل لا مانع من النقاش فيها، والاختلاف حولها، وقد اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا، فالنقاش فيها ليس كالنقاش في القسم الأول، ومن أمثلتها: اختلاف العلماء في عذاب القبر هل هو على البدن أو على الروح؟ والاختلاف في الذي يوزن يوم القيامة هل هي الأعمال أو صحائف الأعمال أو صاحب العمل؟ واختلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه في المعراج هل رآه بعينه أو رآه بقلبه؟ فكل تلك المسائل – ومعها غيرها مثلها – مما وقع فيه الاختلاف بين العلماء، وليس كونها من مسائل العقيدة أنه يمنع النقاش فيها، والحوار حولها، ويعبِّر بعض العلماء عن هذه المسائل بمصطلح ” فروع العقيدة “، بينما يطلق على القسم الأول مصطلح ” أصول العقيدة “، ولا يهم التسمية، وإنما المهم أنه يوجد في الإسلام مسائل في العقيدة، ويُقبل فيها النقاش والأخذ والرد، وأما مسائل القسم الأول فيَسأل عنها مَن كان جاهلًا بها، وإذا عرف قدرها في الشرع ومنزلتها لم يسعه إلا التسليم والاعتقاد.

ثالثًا:

وأما الردَّة فنلخص أمرها لكِ في نقاط:

  1. الردة هي: الخروج من الإسلام بفعل أو ترك يوجب ذلك، وقد تكون بالقلب أو اللسان أو العمل.
  2. ليس كل مسلم وقع في الكفر يكون كافرًا مرتدًا، فهناك أعذار قد يعذر بها المسلم ولا يحكم بكفره ، منها الجهل، والتأويل، والإكراه، الخطأ .
  3. المرتد لا يقتل مباشرة بعد وقوعه في الردة، لا سيما إذا كانت ردته بسبب شبهة حصلت له، بل يُستتاب ويعرض عليه الرجوع إلى الإسلام وتزال شبهته – إن كان عنده شبهة – فإن أصر على الكفر بعد ذلك: قُتل .
  4. وقد تسألين لمَ شُرعت الردة في هذا الدِّين؟ فنجيبكِ:

جاءت هذه الشريعة المطهرة لإصلاح الفرد والمجتمعات إلى يوم القيامة، وفي ضمن ذلك كان فيها من الأحكام ما يحفظ على الناس دينهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأبدانهم، وأموالهم، فشرع حد السرقة وهو قطع اليد حفظًا لأموال الناس، وشرع تحريم الانتحار حفظًا لأبدانهم، وشرع حد القذف وحد الزنا حفظًا لأعراض الناس، وشُرع حد الخمر حفظاً لعقولهم، وشرع حد الردة حفظاً لدينهم! وقد تتساءلين كيف هذا؟ فنقول: إنه لو كان يجوز لكل أحد يدخل الإسلام أن يخرج منه باختياره: لكان في ذلك تشكيك للناس في دينها، وزرع للريبة في قلوبهم، ولكان في مقدور طائفة من الحاقدين على الإسلام أن تعلن إسلامها، وتبين جوانب عظمة الإسلام للناس، ثم تعلن بعد أيام أنها وجدت الإسلام دين تخلف وإرهاب – على حد زعم المبغضين لهذا الدين -، وهكذا في كل مرة يتفق مجموعة من أعداء الإسلام على الفعلة نفسها، وقد جاء في القرآن الكريم ما بيَّن الله تعالى به ذلك على لسان أعداء الإسلام، فقال تعالى عنهم ( وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) آل عمران/ 72.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دِين المسلمين، ولهذا قالوا: ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ).

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 59 ).

أرأيتِ كيف يكيد أعداء الإسلام للإسلام والمسلمين؟ أرأيت كيف حفظ الله دينه بهذا التشريع الجليل – حد الردَّة -؟ فالإسلام لا يتعرض لغير المسلمين المحاربين بالقتل، ولا يجيز ذلك، ولهم أن يختاروا ما يشاؤون من الأديان، لكنهم إن دخلوا في الإسلام فيجب عليهم الالتزام بأحكامه وتشريعاته، ومن ضمن ذلك حد الردة، وفي نهاية الأمر هو لصالح الإنسان نفسه، فإن بقاءه في الإسلام فيه الخير له، وليس كل أحدٍ يوفَّق للدخول في الإسلام، لكنَّ الله تعالى وعد بأن يدلَّ الراغب بالحق على طريقه، وأن يهديه ويوفقه، وما نراكِ إلا من هؤلاء، فنسأل الله تعالى أن يهديكِ وأن يوفقك للاستقامة على دين الله تعالى، ونحن على أتم الاستعداد لإجابتك عما تريد معرفته حول الإسلام وأحكامه وتشريعاته.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة