هل يلزم الوقف بالنية أم بالقول والفعل الدال عليه أم بالقبض؟

السؤال

شخص ضمن اقتراض مبلغ من المال لشراء بيت بجانب المسجد ليكون من مرافق المسجد، ثم بعد ذلك قام هذا الرجل بوضع هذا البيت باسمه بدلًا من أن يجعله باسم المسجد، فما العمل الآن؟ ومن له الحق في البيت؟ هل للمسجد أم للرجل؟.

الجواب

الحمد لله

ذهب جمهور العلماء إلى أن الوقف يلزم صاحبه إن تلفظ به أو جاء بعمل يدل على أنه أوقف هذا الشيء لله تعالى، إلحاقًا له بالعتق، وعليه: فمن نوى ذلك بقلبه لا يُعدُّ واقفًا، ولا يُلزم بالوقف.

وعند أبي حنيفة: لا يلزم الوقف إلا بأحد أمرين:

الأول: أن يحكم به القاضي، والثاني: أن يخرجه الواقف مخرج الوصية بقوله: إذا مت فقد جعلت أرضي – مثلًا – وقفًا.

وثمة رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أن الوقف لا يلزم إلا بالقبض، إلحاقًا له بالهبة، والراجح هو قول الجمهور، وعليه تدل الأدلة الشرعية.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 119 ، 120 ):

اختلف الفقهاء في لزوم الوقف، فذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب وأبو يوسف ومحمد من الحنفية إلى أن الوقف متى صدر ممن هو أهل للتصرف مستكملا شرائطه أصبح لازمًا، وانقطع حق الواقف في التصرف في العين الموقوفة بأي تصرف يخل بالمقصود من الوقف، فلا يباع ولا يوهب ولا يورث؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( تصدق بأصله، ولا يباع ولا يوهب ولا يورث )، ولأن الوقف تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرد صدور الصيغة من الواقف كالعتق، ويفارق الهبة فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى.

وعند أبي حنيفة: الوقف جائز غير لازم – كما سبق – وللواقف الرجوع فيه حال حياته مع الكراهة ويورث عنه، وإنما يلزم الوقف عنده بأحد أمرين: أن يحكم به القاضي، أو يخرجه مخرج الوصية، ولكن الفتوى عند الحنفية على قول أبي يوسف ومحمد وهو اللزوم، قال ابن عابدين نقلا عن ” الفتح “: والحق ترجيح قول عامة العلماء بلزومه؛ لأن الأحاديث والآثار متضافرة على ذلك، واستمر عمل الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ذلك، فترجح قولهما.

وفي رواية عن الإمام أحمد أن الوقف لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده؛ لأنه تبرع.

بمال لم يخرجه عن المالية ، فلم يلزم بمجرد اللفظ كالهبة والوصية. انتهى.

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد اللفظ به؛ لأن الوقف يحصل به، وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى: لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده، وقال: الوقف المعروف أن يخرجه من يده إلى غيره ويوكل فيه من يقوم به، اختاره ابن أبي موسى، وهو قول محمد بن الحسن؛ لأنه تبرع بمال لم يخرجه عن المالية، فلم يلزم بمجرده كالهبة والوصية.

ولنا: ما رويناه من حديث عمر، ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرده كالعتق، ويفارق الهبة؛ فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى. ” المغني ” ( 6 / 208 ).

وحديث عمر الذي أشار إليه ابن قدامة رحمه الله هو ما رواه عبد الله بْن عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ) قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُبْتَاعُ وَلاَ يُورَثُ وَلاَ يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِى الْقُرْبَى وَفِى الرِّقَابِ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.

( 2586 ) ومسلم ( 1632 ).

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ – ( 2613 ) -: ( تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ ).

– حَبَسْتَ أَصْلَهَا: وقَفْتَ أَصلَ الأَرضِ.

– غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ: غيرَ مُتَّخِذٍ منها مِلْكاً لِنَفْسِهِ.

وعليه:

فإن كان صاحب البيت كان ناويًا مجرد نية أن يجعل البيت وقفاً لله تعالى تابعًا للمسجد: فلا يلزمه جعله كذلك، بل له الرجوع في نيته، وأما إن صرَّح بالوقف بلفظه وقال إنه وقف لله تعالى: فلا يحل له تسجيله باسمه – إلا إن كان ذلك لأمور إدارية ورسمية – بل يجب عليه جعله تابعاً للمسجد، ويوثق ذلك بأوراق رسمية إن وجد، أو يشهد على ذلك ثقات ويوثق ذلك في وثيقة؛ لئلا ينتقل البيت لورثته، وإن كان الأخ قد وعد بجعل البيت وقفًا لله تعالى تابعاً للمسجد فخير له أن يوفي بوعده؛ فإن ذلك من عظيم أخلاق المسلمين.

* سئل علماء اللجنة الدائمة :

إن سمو الأمير عبد الرحمن بن عبد الله آل سعود وعد بمنح قطعة أرض بيضاء بجهة قرية ” الضبيعة ” ليبني عليها مدرسة، غير أن تنفيذ ذلك مشروط بجواز رجوعه عن وعد سابق بمنحها ليبني عليها مسجد عيد، وطلب سموه منا استشارة العلماء في ذلك، هل يختار منحها لمسجد العيد وفاء بالوعد السابق، أو منحها لوزارة المعارف لتقيم عليها مدرسة؟ علماً بأن هناك حاليًّا مسجدًا لصلاة العيد غربي ” الضبيعة “.

فأجابوا:

إن كان سمو الأمير عبد الرحمن بن عبد الله آل سعود قد منح قطعة الأرض بالفعل ليقام عليها مسجد عيد فهي لمسجد العيد، وليس له أن يرجع في منحته، وإن كان الذي حصل منه  مجرد وعد بمنح قطعة الأرض ليقام عليها المسجد، فخير له أن ينفذ ما وعد به وفاء بالوعد.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 93 ، 94 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة