حكم تغطية المحرِمة وجهها في حال عدم وجود رجال أجانب وفي حال وجودهم
السؤال
قالت عائشة رضي الله عنها: ” الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلاَّ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلاَ تَتَبَرْقَعُ وَلاَ تَلَثَّمُ وَتَسْدُلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ “، فهل معنى ذلك أن النقاب سنَّة وليس واجباً حيث ذكرت ” إن شاءت “؟ وهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة المحرمة الكشف عن وجهها طول فترة الإحرام وحولها رجال كما هو في الحج؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الأثر المذكور في السؤال قد رواه البخاري – مختصرًا – معلَّقًا ( 2 / 652 )، ووصله البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 5 / 47 ) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من قولها، وصححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 4 / 212 ).
ثانيًا:
والنهي عن النقاب للمرأة المحرمة ثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (… وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ ). رواه البخاري ( 1741 ).
ثالثًا:
وأما قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت “: فلا يفهم منه أن تغطية الوجه ” جائز ” أو ” مستحب ” في الأصل، بل هو واجب على الراجح، وكلامها رضي الله عنها في ” المحرِمة “، والنهي عن انتقاب المرأة ولبسها للقفازين حال الإحرام هو نهي عن لباس خاص في حال خاصة وهي الإحرام، وهو يدل على أن النساء يسترن وجوههن وأيدين في الأصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وثبت في الصحيح أن المرأة المحرمة تُنهى عن الانتقاب والقفازين، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفيْن في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.
” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 371 ، 372 ).
رابعًا:
وأكثر العلماء – وقد نقل فيه بعضهم الإجماع عليه – أن إحرام المرأة في وجهها، وأنه لا يجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها إلاَّ لحاجة، وقد يجب عليها كحال وجود رجال أجانب بقربها.
قال ابن قدامة – رحمه الله -:
قال – أي: الخِرَقي -: ” والمرأة إحرامها في وجهها فإن احتاجت سدلت على وجهها “.
وجملة ذلك: أن المرأة يحرُم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه، لا نعلم في هذا خلافًا، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافًا. ” المغني ” ( 3 / 311 ).
وخالف في ذلك بعض الحنابلة، ووافقهم ابن تيمية وابن القيم، ومن المعاصرين: الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمهم الله، فقالوا: إن المرأة المحرمة ليس إحرامها في وجهها، وإن لها أن تغطي وجهها حتى مع عدم وجود رجال أجانب، وإنها ممنوعة من لبس النقاب ليست ممنوعة من تغطية وجهها بغيره، وأما أكثر العلماء فقد ذهبوا إلى أن منعها من النقاب والبرقع لا لكونهما لباسًا من الألبسة بل لكونهما غطاءً للوجه.
وهنا يأتي كلام عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت “، فالجمهور حملوا قولها على أن ذلك السدل لستر الوجه عن نظر الرجال الأجانب، والمخالفون قالوا إنها رضي الله عنها لم تبيِّن ذلك هنا كما بينته في مواضع أخرى، فدلَّ قولها ” إن شاءت ” في السدل: على أن للمحرمة أن تستر وجهها حتى مع عدم وجود رجال أجانب، وأنها لا تكون بذلك مرتكبة لمحظور من محظورات الإحرام.
فالجمهور جعلوا وجه المرأة كرأس المُحرِم، الأصل فيه وجوب كشفه، ومن احتاج لستره: ستره وعليه الفدية، وكذا وجه المحرمة تستره بمرور رجال أجانب بقربها، وبعض العلماء أوجب عليه الفدية إن مسَّ الساتر وجهها بإرادتها، وهو قول ضعيف.
والمخالفون جعلوا وجهها كبدن المحرِم، فهو يُمنع من ستره بألبسة معيَّنة ولا يمنع من ستره بغيرها، فلو سترته بساتر: فلا فدية عليها ولو مسَّ وجهها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ولو غطَّت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه: جاز بالإتفاق، وإن كان يمسه: فالصحيح أنه يجوز أيضًا، ولا تُكلَّف المرأةُ أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعود، ولا بيد، ولا غير ذلك، فإن النبى صلى الله عليه وسلم سوَّى بين وجهها ويديها، وكلاهما كبدن الرجل، لا كرأسه وأزواجه صلى الله عليه وسلم كنَّ يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة.
ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ” إحرام المرأة فى وجهها “، وإنما هذا قول بعض السلف، لكن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهاها أن تنتقب، أو تلبس القفازين، كما نهى المُحرم أن يلبس القميص والخف مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب، فلهذا يُنهى عنه باتفاقهم، ولهذا كانت المُحرمة لا تلبس ما يُصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه فإنه كالنقاب. ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 26 / 112 ، 113 ).
وقال ابن القيم – رحمه الله -:
وجه المرأة كبدنِ الرجل، يحرم ستره بالمفصَّل على قدره، كالنقاب والبرقع، بل وَكَيَدِها، يحرم سترها بالمفصَّل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب: فلم ينه عنه البتة، ومَن قال إن وجهها كرأس المحرم: فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرم؛ لما جعل الله بينهما من الفرق. ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 664 ).
وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:
فيحرم على المرأة أن تغطي وجهها، وهذا هو المشهور من المذهب، وذكروا هنا ضابطًا، أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا ضعيف، فهذا إن أرادوا به أنه المحل الذي يمنع فيه لباس معين: فهذا صحيح، وإن أرادوا به التغطية: فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهي المرأة عن تغطية وجهها، وإنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب أخص من تغطية الوجه؛ لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه، كما نهي الرجل عن لباس الجسم، ولباس الرأس.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 7 / 165 ).
والخلاصة عند هؤلاء الأئمة: أن المرأة المحرمة غير مأمورة بكشف وجهها، وأنها منهية عن ستر وجهها حال إحرامها فقط بالنقاب والبرقع واللباس المفصَّل على قدر وجهها.
فيتلخص معنى قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت ” أنها رضي الله عنها لا ترى وجوب كشف المرأة المحرمة لوجهها في حال عدم وجود رجال أجانب، وهو يؤيد ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم، فللمرأة المحرمة أن تبقى ساترة لوجهها – بغير نقاب – حتى لو لم يوجد رجال أجانب يمكن أن ينظروا إليها، وإن شاءت كشفته، فيكون ما ثبت عنها رضي الله من فعلها في الكشف بعد تجاوز الرجال الأجانب لا يخالف ما ثبت من قولها من التخيير بين كشف الوجه وستره.
خامسًا:
وعلى القولين السابقين فليس معنى قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت ” أنها تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، فهي – رضي الله عنها – تقول ” تَسْدُلُ الثوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ ” في حال كانت المرأة المحرمة بعيدة عن أعين الرجال الأجانب، وأما في حال وجود رجال أجانب يمكن أن يروا وجه المحرمة فإنه يتعين عليهن تغطية وجوههن بالسدل، كما ثبت ذلك عنها رضي الله من فعلها، وثبت عن أسماء أختها وغيرهما من الصحابيات.
فكلا الطائفتين قالت بأنها تستر وجهها بالسدل – لا بالنقاب – في حال وجود رجال أجانب يمكن أن يروا وجهها.
ومثله يقال في نهي المحرِمة عن لبس ” النقاب ” فإنه لا يلزم منه كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، كما لا يلزم من نهي الرجل عن لبس ” السراويل ” أن يكون عاريًا! فكما أنه يلبس إزارًا ورداءً مع تحريم لبسه للثوب والسراويل فإن المرأة تغطي وجهها بشيء تسدله على وجهها مع تحريم تغطيته بالنقاب تحديدًا.
قال علماء اللجنة الدائمة:
ثم إنه لا يُفهم من هذا الحديث أن المحرِمة يجوز لها كشف وجهها إذا كان الرجال الأجانب يرونها، بل يجب عليها أن تسدل الخمار أو النقاب إلى أن يجاوزوها، والأصل في ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ” انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 171 ، 172 ).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
فالمرأة المحرمة منهية عن النقاب مطلقًا سواء مرّ بها الرجال الأجانب أم لم يمروا بها، وعلى هذا: فيحرُم على المرأة المحرِمة أن تنتقب، سواء كانت في حج أو في عمرة، والنقاب معروف عند الناس وهو أن تغطي وجهها بغطاء يكون فيه فتحة واحدة من عينيها.
أما حديث عائشة رضي الله عنها – وهو ” كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا … “: فلا يعارض النهي عن الانتقاب، وذلك لأن حديث عائشة رضي الله عنها ليس فيه أن النساء ينتقبن، وإنما يغطين الوجه بدون نقاب، وهذا أمر لا بد منه إذا مرّ الرجال بالنساء فإنه يجب عليهن أن يسترن وجوههن؛ لأن ستر الوجه عن الرجال الأجانب: واجب، وعلى هذا فنقول: لبس النقاب للمحرمة حرام عليها مطلقًا، وأما ستر وجهها: فالأفضل لها كشف الوجه، ولكن إذا مرّ الرجال قريبًا منها: فإنه يجب عليها أن تغطيه، ولكن تغطية بغير النقاب.
” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 22 / 188 ، 189 ).
والله أعلم.


