من آثار الخلل في فهم قدرة الله تعالى وما يتعلق بها

السؤال

أتوق إلى أن أحسن من إسلامي، ولدي سؤال عن صفات الله، وأنا أطرح هذا السؤال لأني لست من أهل العلم، وأنا أعيش فى بيئة يعتقد فيها الناس أن لله قدرة على الدخول والعيش فى مخلوقاته كالبشر والحيوانات والجماد! وهم يستدلون بنزول الله للسماء الدنيا لإثبات ادعائهم هذا، فأرجو أن تقوموا بتوضيح الرأي الإسلامي الراجح بخصوص هذا السؤال، وكيف يمكن شرح الإجابة الصحيحة لضمان أن يسود الرأي الراجح؟ وأرجو أن تأخذوا بعين الاعتبار أني لست من أهل العلم.

الجواب

الحمد لله

هذا الذي تنقله أيها السائل الكريم هو اعتقاد فاسد اعتقده أولئك القوم نتيجة جهلهم بحقيقة قدرة الله تعالى، واستدلالهم بنزول الله تعالى إلى السماء الدنيا على ما يقولونه سببه جهلهم بصفة النزول لله تعالى ومن قبل جهلهم بربهم تعالى وما يستحقه من صفات الجلال والإكرام.

وبيان ذلك:

  1. أما فيما بقدرة الله تعالى فيجب أن يعتقد المسلم أنها لا تتعلق بالمستحيلات؛ ولكنها تتعلق بالممكنات – أو بالجائزات -.

ومثال المستحيلات التي لا تتعلق بها قدرة الله:

أ. فيما يتعلق بالله تعالى: اتخاذ الشريك، والصاحبة، والولد؛ لأن إيجادها نقص لا يليق بالله عز وجل، قال تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) الأنعام/ 101.

فالذي يقوله أهل السنَّة أن قدرته تعالى لا تتعلق بها؛ كمالًا له تعالى؛ لأنها نقص لا يليق بالرب عز وجل، فكيف يكون ربًّا متفردًا أحدًا صمدًا ثم يكون معه شريك؟! وكيف يكون ربًّا وهو يحتاج لزوجة وولد؟! ومثله يقال فيما ذكره السائل عن أولئك الجهلة من اعتقادهم أن قدرة الله تتعلق بما ذكروه من مستحيل وهو أن يكون الله – عياذًا به – داخلَ شيء من مخلوقاته، وهذا من النقص الذي يُنزَّه الرب تعالى تعالى عنه، فهو – عز وجل – فوق مخلوقات بائن منهم ، مستوٍ على عرشه.

ب. وفيما يتعلق بغيره تعالى: كون الشيء ساكنًا متحركًا، أو أسود أبيض، فهذه ليست بشيء، وهي لا تسمَّى ” شيئًا ” في لسان العرب، وعليه: فهي لا تدخل في عموم قوله تعالى: ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) الطلاق/ 12.

فهذه لا تتعلق بها القدرة لكونها شيئًا خارج الذهن، فهي ليست شيئًا حتى يقال هل يقدر الله تعالى عليها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولا ريب أن الله على كل شيء قدير، كما نطق به القرآن في غير موضع، فإن قدرته من لوازم ذاته والمصحح لها الإمكان، فلا اختصاص لها بممكن دون ممكن، لكن الممتنع لذاته: ليس شيئًا باتفاق العقلاء فلا يعقل وجوده في الخارج، فإنه لا يعقل في الخارج كون الشيء موجودًا معدومًا، أو متحركًا ساكنًا أو كون أجزاء الحركة المتعاقبة مقترنة في آنٍ واحد، أو كون اليوم موجودًا مع أمس وغدًا وأمثال ذلك.

وحينئذ فمثل هذا لا يدخل في عموم الكتاب.

وأما الممتنع لغيره – وهو ما علم الله أنه لا يكون، وأخبر أنه لا يكون، وكتب أنه لا يكون -: فهذا لا يكون؛ لعدم إرادته، وأنه لا يكون، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا لو شاء لفعله كما أخبر القرآن في غير موضع أنه لو شاء الله لآتى كل نفس هداها، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، وأمثال ذلك.

” الصفدية ” ( 2 / 109 ).

* وقال الشيخ محمد السفاريني – رحمه الله -:

بقدرةٍ تعلقت بممكن *** كذا إرادة فَعِ واستبن

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 192 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – شارحًا -:

– قوله: ( واقتدر بقدرة تعلقت بممكن ): أي من صفات الله تعالى القدرة.

لكن المؤلف قيَّد القدرة قال: ( تعلقت بممكن ): وتعلقت بالواجب أيضًا؟

نعم، بالواجب من باب أولى.

تعلقت بالمستحيل؟ لا؛ لأن المستحيل ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مقدورًا عليه، لكن المستحيل الذي يُتَصَوَّرُ ذهنًا أنه مستحيل:

  1. مستحيلٌ لذاته.
  2. ومستحيل لغيره.

أما المستحيل لذاته: فهو مستحيل لا يمكن، لو أن أحدًا أراد أن يقول: هل الله قادر على أن يخلق مثله؟: لقلنا: هذا مستحيل، لكن الله قادر على أن يخلق خلقًا أعظم من الخلق الذي نعلمه الآن، ونحن نعلم الآن أن أعظم مخلوقٍ نعلمه هو العرش، العرش أعظم من كل شيء من المخلوقات التي نعلمها، ومع ذلك نعلم أن الله قادر على أن يخلق أعظم من العرش، لكن الشيء المستحيل لذاته هذا غير ممكن، نعلم أنه يستحيل في العادة ليس في ذاته أنه لا يقع، خسوف القمر في أول الشهر هذا مستحيل حسب العادة، ونعلم أيضًا أنه لا يمكن أن يَهِلَّ الهلال ثم تخسف الشمس بعد غروبها بعد الغروب، هذا نعلم علم اليقين أنه لن يكون، لكن لذاته أو لغيره؟ لغيره، أي: حسب ما أجرى العادة، وإلا فإن الله قادر على أن يكسف القمر في أول الشهر وعلى أن يهل الهلال ثم تخسف الشمس بعد غروبها.

إذن: قول المؤلف: ( تعلقت بممكن ): نقول: ضده المستحيل، فالمستحيل لا تتعلق به القدرة؛ لأنه على اسمه مستحيل، لكن يجب أن نعلم حتى لا يتوهم واهم أننا خصصنا ما عممه الله أو قيدنا ما أطلقه: يجب أن نعلم أن المستحيل نوعان:

  1. مستحيل لذاته.
  2. ومستحيل لغيره.

فالمستحيل لذاته: ما لا يمكن أن تتعلق به القدرة، كما مثَّلنا وقلنا: لو قال قائل: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟: قلنا: هذا مستحيل لذاته؛ لأن المماثلة مستحيل أدنى ما نقول: أن نقول: أن هذا مخلوق والرب خالق، فتنتفي المماثلة على كل حال.

الشيء الثاني: المستحيل لغيره، بمعنى أن الله تعالى أجرى هذا الشيء على هذه العادة المستمرة التي يستحيل أن تنخرم، ولكن الله قادر على أن يخرمها، هذا نقول: إن القدرة تتعلق به، فيمكن للشيء الذي نرى أنه مستحيل بحسب العادة أن يكون جائزًا واقعًا بحسب القدرة، وهذا الشيء كثير كل آيات الأنبياء الكونية من هذا الباب مستحيل لغيره، انشقاق القمر للرسول عليه الصلاة والسلام مستحيل لغيره لكن لذاته غير مستحيل؛ لأنه وقع والله قادر على أن يشق القمر نصفين، بل قادر على أن يشق الشمس نصفين.

ونحن نقول: لا بد في ذلك من التفصيل: وهو أن المستحيل لذاته لا تتعلق به القدرة؛ لأنه ليس بموجود، ولا يمكن أن يوجد ولا يفرضه الذهن.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 192 – 196 ).

  1. وأما خطؤهم المتعلق بنزول الرب تبارك وتعالى: فهو ظنهم أن نزول الله تعالى كنزول المخلوقين، فلما وقع في قلوبهم التشبيه ظنوا ما يلزم من نزول البشر من المخالطة وصيرورته أسفل ما نزل منه أن هذا هو ما يلزم الاعتقاد بنزول الله تعالى، وهذا ظن فاسد واعتقاد باطل ، فالله تعالى قال عن نفسه ( ليس كمثله شيء ) وهذا كافٍ لبيان أن نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ليس كنزول خلقه، وهكذا ينبغي الاعتقاد في سائر صفاته، كالاستواء والغضب والوجه واليدين والعلم والرحمة وغيرها من الصفات، لا فرق بين الصفات الذاتية منها والصفات الخبرية والصفات الفعلية، بل كلها سواء في كونها ليست كصفات أحدٍ من خلقه.

وبما ذكرناه يتبين لك – إن شاء الله – وجه الخلل في فهم أولئك القوم، وخطورة ذلك الاعتقاد في ربهم تعالى، وكيف يمكنك الرد عليهم.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة