أسلمت صديقتها حديثا فهل تخبرها بتحريم بقائها مع زوجها الكافر؟

السؤال

إنني هذه الأيام أتحدث مع امرأة أمريكية أسلمت منذ وقت قصير، وعلمت منها أنها متزوجة من رجل مسيحي ولديهم طفلان، وهي سعيدة معه، وعلى ما يبدو أنها لا تعلم حتى الآن حكم بقائها مع زوجها في هذه الحالة لأنها ما زالت تتعلم الإسلام ومسائله، وأنا بدوري أحاول جاهدة مساعدتها في تعلم الإسلام بقدر ما أستطيع، وأراني وصلت إلى نقطة محيرة ألا وهي مصارحتها بهذه المسألة، أخشى إن أخبرتها بالحكم الشرعي أن تترك زوجها إذا أبى اعتناق الإسلام وتتمزق أسرتها ويتشرد أبناؤها، وبالتالي ربما تُلقي باللائمة على الإسلام، أو تترك الإسلام بالكلية، إنها تعيش في إحدى المناطق في ” كالفورنيا ” حيث من الصعب أن تجد أحدًا يتحدث معها عن الإسلام لأن معظم من حولها من الكاثوليك.

سؤالي هو: هل يتعين عليّ في الوقت الحالي أن أخبرها أن زوجها يجب عليه أن يعتنق الإسلام أو يتركها؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف أفتح لها الموضوع وأخبرها به؟ أم ما هو الحل الأمثل من وجهة نظركم في هذه الحالة؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نشكر للأخت السائلة مبادرتها في السؤال قبل التصرف بشيء، ونشكر لها حبَّها للخير لتلك المسلمة الجديدة.

وهذه العاطفة التي طُرح فيها السؤال لا ينبغي لأحدٍ أن يقف عندها إذا كانت مخالفة لشرع الله تعالى.

ولتعلم الأخت السائلة أن حكم الله تعالى هو الذي فيه المصلحة والخير للناس، ولا يمكن أن يشرع الله تعالى ما فيه ضرر للناس ومفسدة، بل حيث خالف الناس شرع الله تعالى فثمَّ المفسدة والضرر، ولنأخذ على ذلك مثالًا ما جاء في السؤال، فتقول الأخت السائلة وفقها الله: ” أخشى إن أخبرتها بالحكم الشرعي أن تترك زوجها إذا أبى اعتناق الإسلام وتتمزق أسرتها ويتشرد أبناؤها، وبالتالي ربما تُلقي باللائمة على الإسلام، أو تترك الإسلام بالكلية ” انتهى.

ونقول: أين احتمال أن يدخل زوجها في الإسلام؟! ولم لا يُذكر هذا في الاحتمالات؟! ولماذا تترك الإسلام؟ هل لأنه لا يبيح تزوج الكافر من مسلمة؟! وأين وجه الغرابة والتعجب من منع الإسلام من تزويج المسلمات بغير المسلمين والنصارى بينهم لا يزوجون بعضهم بعضًا وهم أهل ديانة واحدة؟! فالكاثوليكي لا يستطيع أن يتزوج بامرأة بروتستانتية، وإن تجرأ على ذلك عوقب من قبل الكنيسة، والعكس كذلك، فالكنيسة البريطانية مازالت تحرم زواج ولي عهد بريطانيا ” تشارلز ” البروتستانتي المذهب من ” كاميلا باركر ” الكاثوليكية ، وهو مهدَّد بالحرمان من عرش بريطانيا لهذا السبب!، وفي قانون الأقباط الأرثوذكس المصري الصادر عام 1938م تنص المادة السادسة على أن ” اختلاف الدين مانع من الزواج “.

وهذا الحكم في شرعنا المطهَّر فيه مصالح عظيمة، وأعظمها أنه قد يكون ذلك التحريم لاجتماع مسلمة مع زوجها الكافر سببًا في إسلامه، فها هي زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تفارق زوجها لاستمراره على الكفر، فيسلم، ويحسن إسلامه، ويرجع لها، وها هي أم سليم ترفض أبا طلحة زوجًا لكفره، فيسلم، ويحسن إسلامه.

ولتعلمي أنت والأخت المسلمة حديثًا أن دخول زوجها في الإسلام تكتمل به سعادتها في الدنيا والآخرة، فإن بقاءه على الكفر يعني أنها لن تجتمع معه في الآخرة في الجنة، بل نرى أن إصرارها على تطبيق الحكم الشرعي واجب عليها، وفيه مصلحة لزوجها، فقد يكون فعلها السبب في دخوله الإسلام.

وإن الذي يختار الإسلام دينا يجب أن يعلم أن الإسلام يعني الاستسلام لحكم الله تعالى، وينبغي أن يعلم أن الإسلام فيه الخير والسعادة والمصلحة في أحكامه وشرائعه، وينبغي أن يعلم أن يجب عليه الدخول فيه كافة، ولا يؤمن ببعضه ويكفر ببعض، وهذا هو الظن في كل من يختار الإسلام دينًا.

ولتعلمي أيتها الأخت السائلة أنه لا مجاملة للناس على حساب الأحكام الشرعية، فلا نسكت عن بيان حكم الإسلام في الزنا والربا والقمار لمن دخل في الإسلام وهو يمارس تلك المعاصي والموبقات، وعندما جاء رجل يعلن إسلامه وكان متزوجًا بعشر زوجات: لم يمنع ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ).

ثانيًا:

وأما حكم المسألة نفسها: فإنه بمجرد إسلام الزوجة يحرم عليها زوجها الكافر. روى البخاري في ” صحيحه ” ( 5 / 2024 ) عن ابن عباس قوله: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه.

وبوَّب عليه بقوله: ” باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي “.  انتهى.

وروى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 5 / 90 ) عن داود بن كردوس قال: كان رجل من بني تغلب يقال له: عبادة بن النعمان بن زرعة، عنده امرأة من بني تميم، وكان عبادة نصرانيا، فأسلمت امرأته وأبى أن يسلم، ففرَّق عمر بينهما. انتهى.

والإجماع قائم على هذا الحكم، لا فرق بين ابتداء النكاح واستدامته، فلا يحل اجتماع كافر مع مسلمة بعقد زواج البتة.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

فحرَّم الله عز وجل على الكفار نساء المؤمنين لم يبح واحدة منهن بحال، ولم يختلف أهل العلم في ذلك. ” الأم ” ( 5 / 153 ).

فإذا أسلم الزوج الكافر بعد إسلام زوجته: رجعت إليه على عقد الزوجية نفسه وهو أحق بها من نفسها، وإن لم يدخل في الإسلام حتى انتهت عدتها – وهي حيضة واحدة أو وضع الحمل -: فتملك نفسها، فإن انتظرته ولم تتزوج غيره، ودخل بعدها في الإسلام فترجع له على عقدها الأول، ولا يحتاجان لتجديد النكاح، وهذا هو القول الراجح ، وكل خلاف في المسألة لا يشمل: صحة عقد الزوجية بينها وبين زوجها، فلا يخلو بها ولا يمسها، ومن باب أولى لا يشمل حل جماعه لها، ومن زعم من أهل الهوى من المعاصرين أن عقد الزوجية بينهما قائم وأنه يحل لها أن تمكنه من جماعها: فقد افترى على الشرع افتراء عظيمًا، وقال على الله ما لم يحكم به، وحسبه أنه أسير الغرب يلبي لهم رغباتهم في تزوير الأحكام الشرعية، وهو يعلم أن تحريفه هذا الحكم الشرعي بعذر عدم تمزيق الأسرة وتشتيتها أنه غير نافعه؛ لأن الحكم في الآخرة سيكون كذلك ففريق في الجنة وفريق في السعير.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني وقتادة كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيًّا أسلمت امرأتُه فخيَّرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه.

وعبدالله بن يزيد الخطمي هذا له صحبة، وليس معناه أنها تقيم تحته وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص، فمتى أسلم: فهي امرأته ولو مكثت سنين.

فهذا قول سادس، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة، وعليه تدل السنَّة كما سيأتي بيانه، وهو اختيار شيخ الإسلام. ” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 646 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

الذي دلَّ عليه حُكمُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبلَ انقضاء عِدتها: فهي زوجتُه، وإن انقضت عدتها: فلها أن تنكِحَ من شاءت، وإن أحبَّت انتظرته، فإن أسلم: كانَتْ زوجته مِن غير حاجة إلى تجديد نكاح. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 137 ).

ومن نقل عن ابن القيم رحمه الله غير هذا فقد افترى عليه، فابن القيم رحمه الله يرى أن الزوجة المسلمة تحرم على زوجها الكافر بمجرد إسلامها، لكن يرى أن العقد يصير جائزًا لا لازمًا، ويتوقف استمرار الحياة الزوجية الشرعية بينهما على إسلامه ، وأنه لا حاجة لتجديد العقد حتى لو طالت المدة بين إسلامهما =، وأن لها أن تنكح من شاءت إذا انتهت عدتها ، ولا يقول ابن القيم – ولا غيره من أهل الإسلام – أن لها أن تمكنه من وطئها!.

ويرى رحمه الله أن القول بتحريم الزوج الكافر على زوجته التي أسلمت قبله، وأنه لا سبيل لها عليها إذا أسلم بعدها إلا برضاها ورضا وليها وبمهر جديد أن هذا هو ما فيه تنفير عن الإسلام، بخلاف ما رجحه هو وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأيضًا فإن في هذا تنفيرًا عن الإسلام؛ فإن المرأة إذا علمت – أو الزوج – أنه بمجرد الإسلام يزول النكاح ويفارق من يحب ولم يبق له عليها سبيل إلا برضاها ورضا وليها ومهر جديد: نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كلٌّ منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله ولا فراق بينهما إلا أن يختار هو المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه.

وأيضًا: فبقاء مجرد العقد جائزًا غير لازم من غير تمكين من الوطء: خير محض ومصلحة بلا مفسدة، فإن المفسدة إما بابتداء استيلاء الكافر على المسلمة فهذا لا يجوز كابتداء نكاحه للمسلمة وإن لم يكن فيه وطء كما لا يجوز استيلاؤه بالاسترقاق، وإما بالوطء بعد إسلامها، وهذا لا يجوز أيضًا، فصار إبقاء النكاح جائزًا: فيه مصلحة راجحة للزوجين في الدِّين والدنيا من غير مفسدة، وما كان هكذا: فإن الشريعة لا تأتي بتحريمه.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 694، 695 ).

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة