هل يجوز للمبتعَث التصرف بالمال الزائد عن رسوم الدراسة

السؤال

أنا طالب مبتعث للدراسة بالخارج، أسأل عن حكم المال المقرر لي من ” وزارة التعليم ” لكي يصرف على اللغة، على أن لا يتجاوز مقدارا معيَّنا من النقود.

ما حكم إذا أنا سجلت في دورة في معهد، وسلَّمت الشيك للمعهد، ثم قررت تغيير المعهد إلى آخر لسبب المسافة، أو في إعطاء الدروس، ووافقتْ إدارة المعهد على أن تردَّ لي المال نقدا، ودفعتُ جزءً منه لمعهد آخر، واستعملت الزائد في شيء آخر، علما بأني لم أتجاوز المقدار المخصص لي من بلدي، وأن المال المتبقي هذا سوف يأخذه البعض، ولن يرجع للدولة.

الجواب

الحمد لله

المال الذي يُعطى للمبتعَث – ومثله الموظف – مقابل سكن أو دراسة أو علاج أو مواصلات على حالين:

الأولى: أن يُعطى مبلغاً مقطوعا يملِّكونه إياه، ولا يحاسبونه على ما زاد، ولا يَرجع إليهم فيما نقص.

الثانية: أن يُعطى مبلغا محدَّدا لا بقصد التمليك، بل مقابل الشيء الذي يريدونه منه أو الخدمة التي توهب له.

والفرق بين الحالين واضح معلوم، والحكم فيهما يختلف باختلاف الحالين:

ففي الحال الأولى: للمبتَعث – والموظف – أخذ ما يزيد عن المبلغ المقطوع إذا بقي منه شيء في حال أن ينفقه مقابل علاج أو ما يدفعه رسوما للدراسة.

وفي الحال الثانية: يحرم عليه أن يتملك ما يتبقى مما يزيد على نفقاته التي اتفق مع مُبتعثِه على التمتع بها أو طُلبت منه على وجه الإلزام.

والذي يظهر لنا أن حالك – أخي السائل – هو الثاني، فيكون حكم المال المتبقي من الفرق بين رسوم الدراسة في المعهدين: أنه ليس لك، ويجب عليك إبلاغ إدارة البعثات به، ويجب عليك أن تردَّه إليهم.

وبما أن الدولة قد ائتمنت هذه الإدارة على تصريف شئون البعثات: فإن أمرك يقف عند إرجاع المبلغ الزائد بعد إبلاغهم بحقيقته، وإن علمتَ تصرُّفا منهم غير شرعي فيه: فأمامك أمران:

الأول: أنه يجب عليك إنكار هذا المنكر بإبلاغ الجهات المسئولة عنهم، وذلك بعد القطع واليقين لا الشك والظن.

الثاني: أن تجعل هذا المبلغ الزائد في أمر من أمور البعثة ولا تطلب مبلغه منهم.

* ومما يدلُّك على صحة ما قلناه لك من الحال والحكم الشرعي: أمران:

الأول: أن المعهد الأول لو طلب رسوما زائدا على ما اتُفق عليه معه أولا، وكان لك رغبة في الدراسة فيه: فإنك ستطلب هذه الزيادة من إدارة البعثات، فإذا كان عليهم إكمال النقص لم يكن لك أخذ الزائد، بل هو لهم.

الثاني: أنه لو تَوجَّه سؤالٌ من قبَل إدارة البعثات عن الرسوم التي دفعتها للمعهد الآخر فماذا أنت مجيبهم؟! قد جرت عادة المبتَعثين والموظفين أنهم يكتمون المبلغ الحقيقي المدفوع، ويُظهرون فواتير مزورة حتى يتم لهم تحصيل الفرق بين المبلغين، فيكون مع أخذهم ما ليس لهم بحق أنهم شهدوا الزور، أو أنهم كتموا ما كرهوا اطلاع الإدارة عليه، وكل ذلك يدلك على حرمة الفعل الذي سألتَ عنه:

  1. فأكل أموال الحكومة محرَّم، قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) النساء/29 .
  2. وشهادة الزور محرَّمة، قال تعالى في وصف المؤمنين ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) الفرقان/ 72 .

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ ). رواه البخاري ( 5631 ) ومسلم ( 87 ).

  1. وقد عرَّف النبي صلى الله عليه وسلم الإثم بما ذكرناه لك، فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ).

* قال ابن رجب – رحمه الله -:

وقوله في حديث النواس بن سمعان ( الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس )  إشارة إلى أن الإثم ما أثَّر في الصدر حرجا وضيقا وقلقا واضطرابا فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا: فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر الناسُ فاعلُه وغيرُ فاعلِه. ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 254 ).

* وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عمن يُصرف له مبلغ لشراء بنزين للسيارة فيزيد معه المال فيرجعه على السيارة نفسها تصليحاً لها بإذن من له الصلاحية من المسئولين فأجاب:

إذا كان المسئولون يعلمون أن هذا العِوض للبنزين أكثر مما يتحمله العمل، فإذا زاد يقولون: لا بأس أن تصرفه في إصلاح السيارة: فهذا طيب، وجزاك الله خيرا.

الممنوع: أنه إذا زاد تأخذه لنفسك، هذا هو الممنوع.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 130 / السؤال رقم 12 ).

فها أنت ترى أن الأمر يرجع للمسئولين عن المال حتى لو رجع المال للسيارة نفسها، وأن أخذ ذلك المال الزائد لا يحل إلا برضاهم، والأمر نفسه يقال في مسائل كثيرة من الباب نفسه مثل الذي تسأل عنه.

وبما سبق يتبين أنه لا يحل لك أخذ الفرق بين مبلغي المعهدين، وأن عليك إعلام إدارة البعثات به، فإن أذنوا لك بالتصرف به في مجال آخر في أمور البعثة: فافعل ما يقولونه، وإن كان عندهم الصلاحية لتمليكه لك فأذنوا لك بأخذه فهو لك، وإن لم تكن عندهم الصلاحية لذلك فلا يحل لك تملكه، فإما أن ترجعه للإدارة أو تجعله في أمر آخر من أمور البعثة ولا تطلب مبلغه منهم.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة