مدرِّسة تربية فنية فهل لها عذر في تعليم الطلاب رسم ذوات الأرواح ؟ وتوجيهات نافعة
السؤال
أنا طالبة أتلقى تكوينا لأصبح أستاذة لمادة ” التربية التشكيلية ” علما أن التصوير يدرس فيها أي رسم الشريط المرسوم والكاريكاتور، إذ إنني أعرف أنه من الكبائر، ولا أريد تدريسه، لكن المشكلة أني محتاجة إلى هذا العمل، وأيضا والديَّ ليسا بمتدينيْن فلن يقتنعوا بحجة التصوير، ولهذا أقترح أن يرسم التلاميذ هذه الصور لكن لن أضع تقويما على أعمالهم، وسألقي بها في المزبلة، فهل هذا جائز؟ إذ إنني سأحاول أن أغيَّر دروس المقرر في المستقبل لجهل المسؤولين لحكم المحتوى، وأيضا لا أريد أن يتلقن أطفال المسلمين ما هو ملعون، وإذا ابتعدت فسأكون – ربما – مساهمة في نشر التصوير بدلا من محوه، فما هو الجائز؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
نشكر لكِ حرصك على الاستقامة على شرع الله تعالى، ورغبتك في عدم الوقوع في مخالفة للشرع، ونسأل الله أن يسددك ويوفقك لما فيه رضاه.
وما تعْلمينه من حرمة تصوير ورسم ذوات الأرواح – ومنه الرسوم الكاريكاتورية – هو ما جاءت به النصوص الصحيحة الصريحة في تحريم هذا الفعل.
ثانيا:
وليس ثمة استثناء في الشرع للطلاب ولا للمعلمين لكي يرسموا ذوات الأرواح، بل الحكم عام ويشملهم.
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
أنا كنت أعمل مدرِّسة ” تربية فنية “، فهل هذه المهنة حرام أم حلال؟ علما أنني لا أرسم أشخاصا ولا تماثيل، ولكن أعلم التلميذات على الرسم وعمل الأشغال الفنية.
فأجابوا:
إذا كانت الأعمال الفنية وأنواع التربية التي تقومين بها ليس فيها ما يخالف الشرع المطهر: فلا حرج فيها، أما الرسم ففيه تفصيل: فإن كان رسما لذوات الأرواح: لم يجز؛ لما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من الوعيد في ذلك، ولعن المصورين، أما رسم ما لا روح فيه كالحجر والشجر ونحوهما: فلا بأس به. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 182 ، 183 ).
ثالثا:
والذي نراه لمدرسي التربية الفنية – أو التشكيلية – من المستقيمين على طاعة الله تعالى أن تكون حصصهم خالية من التعليم المحرَّم والأفعال المنكرة كرسم ذوات الأرواح، وأن تكون حصصهم تشتمل على إبداعات للطلاب في مجالات كثيرة تسمح بها تلك المادة، ومن ذلك:
- تعليم الطلاب ” كتابة الخط “، فأنواع الخطوط كثيرة، ومجالات الإبداع فيها واسعة، وهي تنفعهم في مستقبلهم لكسب لقمة العيش من ورائها.
- رسم الطبيعة المتنوعة من الأشجار والأنهار والجبال والسماء والأرض، وأنواع المباح من هذه المواد كثير جدّا.
- نحت الخشب بأشكال جميلة، كالذي يصنع في خزائن غرف النوم وغيرها من الخشبيات في البيوت والمحلات والشركات والمصانع.
- تعليم صنع أشكال جميلة في ” الجبص “، لاستعمالها في تزيين البيوت وغيرها.
- تعليم الطلاب والطالبات صنع الزهور واستثمار المواد المحلية لصنع أشياء مفيدة للبيوت والمدرسة كصنع إناء من ورق، ومقلمة من كرتون، وغير ذلك.
- تعليم الطالبات صنع الدُّمى التي أجازت الشريعة اقتناءها، وكذا تعليمهن قص الثياب لتلك الدمى وتسريح شعورهن.
- تعليم الطالبات نقش الحنَّاء على اليدين، ومن المعلوم جواز التزين بالحناء للإناث دون الذكور.
وغير ذلك كثير مما لو تتبعناه لطال معنا الجواب.
هذا وكل الذي ذكرناه ينتفع فيه الطالب والطالبة في دنياهم إذا رغب أحدهم بتنمية مهاراته وأبدع فيها.
ولا نرى أن تلك المادة الدراسية منحصرة في رسم ذوات الأرواح، بل هو شيء تافه وليس فيه منفعة لفاعله ولا لمجتمعه، عدا عن كونه محرَّما.
فنرى أن يقوم المدرِّسون والمدرِّسات من أهل الخير من مدرسي تلك المادة بعمل منهاج يقوم على تأصيل تعليم تلك المواد – وغيرها مما يكون مثلها وأفضل – ليتم نشره في العالَم، حتى يتخلص المدرسون والمدرسات من ضغط الوقوع في حرمة تعليم الرسم المحرَّم.
رابعا:
وإذا كان لا بدَّ من رسم ما فيه روح، ولم يكن ثمة مجال للتخلص من هذا الأمر: فنرى أن تُرسم صور غير كاملة الملامح كأن تكون ليس فيها أنف ولا عيون – مثلا -، وقد سبق جواز رسم هذه الصور، ولم نذكر هذا في الجائزات مما سبق بيانه خشية أن لا يوقف عند حد الجائز فيه، فسدًّا للذريعة لم نذكر هذا فيما سبق.
أو يكون رسم ذات الروح غير ظاهر المعالم، كرسم مصلٍّ وهو ساجد، أو رسم ساحة معركة فيها قتيل لا ترى معالمه، وغير ذلك مما يمكن الاحتيال فيه وعدم الوقوع في الرسم المحرَّم.
وفي أصعب الظروف، وبعد استنفاذ كافة الوسائل للمنع من أن يرسم الطلاب شيئا محرَّما، ولم تستطيعي منع ذلك: فنرى أنه يجوز ذلك بشروط:
- أن لا تباشري أنتِ الرسم.
- أن لا تقيِّمي الرسومات بعلامات.
- أن يرسم كل طالب بني جنسه ، فلا ترسم الإناث ذكورا، ولا العكس.
- أن تتلفي تلك الرسومات بعد انتهائهم منها.
- أن تكون تلك الرسومات في حدِّها الأدنى مساحة وعددا، أما مساحة: فتكون جزءً من رسمة فيها أشياء كثيرة مباحة، وأما عددا: فتكون في حدِّها الأدنى الممكن عددا.
- أن يكون منك سعي للتخلص من هذا الرسم كليّا، إما بإقناع الإدارة بحكم الفعل وأنه محرَّم، أو بإقناعهم بإشغال الطلاب في صنع ما هو نافع ومفيد مما ذكرناه وغيره.
ونسأل الله تعالى أن يوفق مسعاكِ للخير، وأن ييسر أمرك في نصح الناس ودلالتهم على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
والله أعلم.


