أوجه الاستفادة مما في كتب الأديان والمذاهب الباطلة
السؤال
هل يجوز الاستدلال من كتب أهل الديانات الأخرى – مثل الهندوسية – لإثبات صحة بعض المسائل الإسلامية؟ فإن بعض الناس يقول: إن ذلك ليس من الهدي النبوي في الدعوة، ولكن ألم يستخدم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مطلقًا في حياته؟ وهل يمكننا أن نسميها بدعة إن لم تكن سنّة؟ وماذا عن ابن تيمية؟ ألم يكتب كتابًا سمّاه:” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح “؟ هل ما فعله خطأ؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
مسائل الشرع في ديننا لا تثبت إلا بالقرآن والسنَّة، وقد كمل الدين وتمت النعمة، قال تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) المائدة/ 3، وليس ثمة باب في الشرع يحتاج لاستدلال من خارج الوحيين، فلا مصدر نثبت به شيئًا من الشرع – ولو مسألة واحدة – من غير القرآن والسنَّة، وهما المصدران اللذان أُمرنا باتباعهما لا غير، وجاء الوعيد في مخالفة ما فيهما من أوامر، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) النساء/ 59، وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا ) الأحزاب/ 36.
* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
” أصل جامع ”
في الاعتصام بكتاب الله، ووجوب اتباعه، وبيان الاهتداء به في كل ما يحتاج إليه الناس من دينهم، وأن النجاة والسعادة في اتباعه، والشقاء في مخالفته، وما دل عليه من اتباع السنَّة والجماعة. ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 76 ).
* وقال – رحمه الله -:
فصل:
في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن جميع الدين أصوله وفروعه؛ باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل: كان أولى بالحق علمًا وعملًا.
” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 155، 156 ).
ثانيًا:
ولا يشك مسلم أن التوراة والإنجيل قد أصابهما التحريف في الألفاظ والمعاني، وهي كتب لأديان سماوية في أصلها، وقد استغنى المسلمون بما عندهم من القرآن والسنَّة عنهما وعن غيرهما من الكتب والأديان قبل الإسلام والقرآن، قال تعالى ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت/ 51.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
الكتب السماوية السابقة وقع فيها كثير من التحريف والزيادة والنقص كما ذكر الله ذلك، فلا يجوز للمسلم أن يقدم على قراءتها والاطلاع عليها إلا إذا كان من الراسخين في العلم ويريد بيان ما ورد فيها من التحريفات والتضارب بينها.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة “( 3 / 433، 434 ).
فإذا كان هذا هو حال تلك الكتب، وذاك هو حكم النظر فيها والاطلاع عليها: فكيف يمكن لمسلم أن يتطلع للاستفادة من كتب لأديان أرضية كالهندوسية وغيرها؟!.
ثالثًا:
وثمة أمر مهم نختم به التعليق على السؤال وهو أنه لا مانع من أن ينظر العالِم في كتب الأديان المحرَّفة والمذاهب الباطلة لأمور:
- ليثبت تناقضهم فيرد عليهم بها.
- كما لا مانع من الاستفادة منها في الرد على مخالفين أٌخر للشرع المطهَّر، إما ممن يعظمهم أولئك المخالفون أو ممن أقاموا عليهم الحجة وبيَّنوا تناقضهم.
أما أن يستفاد منها لإثبات مسألة في الشرع المطهَّر: فلا.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
فإني كنت دائمًا أعلم أن ” المنطق اليوناني ” لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد، ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأينا من صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئًا، ولما كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد، فذكرت له بعض ما يستحقونه من التجهيل والتضليل، واقتضى ذلك أني كتبت في قعدة بين الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة، ولم يكن ذلك من همتي؛ لأن همتي كانت فيما كتبته عليهم في ” الإلهيات “، وتبيَّن لي أن كثيرًا مما ذكروه في المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات. ” مجموع الفتاوى ” ( 9 / 82 ).
* وقال – رحمه الله – في سياق نقده لكتب أهل البدع -:
ويكون كل ما ذكروه أقوالاً فاسدة مخالفة للشرع والعقل، والقول الذي جاء به الرسول – وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح العقول – لا يعرفونه، ولا يذكرونه، فيبقى الناظر في كتبهم حائرًا ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على بعض علمه ببطلان تلك المقالات كلها!.
وهذا موجود في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة متقدميهم ومتأخريهم، إلى كتب الرازي، والآمدي، ونحوهما. ” درء تعارض العقل والنقل ” ( 5 / 3 ).
رابعًا:
وكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” فيه نقض للتثليث وبين لتناقض كتبهم وإثبات لتحريفه، وليس فيه استدلال بما فيه لإثبات مسائل في الشرع عندنا إلا أن يكون شيء موافقًا لما عندنا فيقول شيخ الإسلام إن هذا مما لم تناله يد التحريف، لكن لا تُثبت به شريعة عندنا البتة.
وقد احتوى كتابه على مسائل جليلة متنوعة، وعلى علوم مختلفة نافعة، ومنها:
- مسائل في العقيدة وتوحيد الألوهية والأسماء والصفات.
- فيه رد على تعظيم الموتى وبيان لبدع القبور، وفي ثنايا ذلك ردَّ على الرافضة والصوفية القبورية.
- فيه إثبات النبوة، وبيان آيات الأنبياء، مما يطلق عليه ” دلائل النبوة “.
- وفيه نبذ ومسائل من علم التفسير والحديث علم النفس والاجتماع، وفيه بيان لمسائل فقهية دقيقة.
- وفي الكتاب نقض المنطق ولضلالات الفلاسفة.
وكل ما سبق – وغيره كثير – لم يكن مؤثرًا في المسائل التي وُضع الكتاب من أجلها، وهو نقض دين النصارى، وبيان تناقضه، وإثبات تحريف كتابهم.
فكتاب ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” روضة غنَّاء وبستان زاهر فيه من العلم والفائدة ما يستحق أن يُقرأ ويُترجم.
والله أعلم.


