” مدارج السالكين ” لابن القيم : أصل الكتاب واسمه ومنهجه فيه والملاحظات عليه

السؤال

ما هو منهج الإمام ابن القيم في كتابه ” مدارج السالكين “؟ وهل هناك ملاحظات على هذا الكتاب؟ وبما تنصحون قارءها؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أصل كتاب ” مدارج السالكين “:

هذا الكتاب شرح وتعليق على مواطن من كتاب الإمام أبي إسماعيل الهروي – توفي 481 هـ – المسمَّى ” منازل السائرين “، وهو كتاب في أحوال السلوك وطريق السير إلى الله، ألفه بعد أن سأله جماعة من أهل ” هراة ” عن رغبتهم في الوقوف على منازل السائرين إلى الله، فأجابهم في ذلك، وجعله مائة مقام مقسومة على عشرة أقسام كل منها يحتوي على عشر مقامات.

ثانيًا:

اسم كتاب ” مدارج السالكين “:

لم يسمِّ ابن القيم كتابه هذا سواء في مقدمته، أو في أي من كتبه الأخرى، لذلك تعددت تسميات الكتاب ، فمنها: ” مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين “، ومنها: ” مدارج السالكين في شرح منازل السائرين “، ومنها: ” مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين “، ومنها: ” مدارج السالكين في منازل السائرين “، والتسمية الثانية هي أرجحها، – ويميل الشيخ بكر أبو زيد إلى الاسم الثالث ” -.

ثالثًا:

تاريخ تأليف الكتاب:

لم يرد تأريخ لتأليف هذا الكتاب، ولم ينص المؤلف على ذلك في آخر كتابه، ولكن يمكن أن نحاول أن نعرف تأريخ تأليفه من خلال المعطيات، ومنها:

  1. أن ابن القيم رحمه الله ألَّف هذا الكتاب بعد وفاة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهناك مواضع كثيرة يقول فيها: ” قال ابن تيمية رحمه الله “، ومن تلك المواطن – والإحالة على طبعة الفقي – ( 1 / 39 )، ( 2 / 313، 332، 360، 384 ) وغيرها.
  2. كتاب ” مدارج السالكين ” هو آخر – من أواخر – ما كتبه ابن القيم من كتبه، في أواخر حياته؛ لإحالته على كتب له متأخرة التصنيف، ولأنه لم يذكر كتابه ” المدارج ” في أي كتاب من كتبه، كما ذكر ذلك مَن ترجم له مثل الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه ” ابن القيم: حياته، آثاره، موارده ” ( ص 295 ).

رابعًا:

لمحات عن منهج المؤلف في الكتاب:

  1. لم يلتزم في شرحه لكتاب الهروي ترتيب الكتاب، بل يقدم بعض الجمل، ويؤخر أخرى، كشرحه لكلام الهروي في ” القصد ” الذي جعله الهروي في الباب الحادي والأربعين، فجعلها ابن القيم بعد منزلة ” البصيرة ” أول المنازل التي شرحها، وكتقديم ابن القيم منزلة ” المحاسبة ” على منزلة ” التوبة ” مخالفاً بذلك ترتيب الهروي.
  2. لم يكن ابن القيم في كتابه مجرد شارح لكلام الهروي يتناوله بالتفسير، بل كانت شخصيته واضحة أثناء شرحه، وكأنه اتخذ من شرحه لكتاب الهروي مناسبة ملائمة لبيان آرائه هو، كما فعل في مقدمة كتابه في الكلام على سورة الفاتحة وجعلها بداية منطلقه في الكلام على منازل السائرين إلى الله، بل إن ابن القيم لم يصرح في كتابه ” المدارج ” أنه ألفه بقصد شرح كتاب الهروي.
  3. لم يلتزم ابن القيم رحمه الله بشرح جميع جُمَل الكتاب، وإنما كان يختار بعض الفِقر فيسوقها كاملة، أو يختصرها، ثم يقوم بشرحها، بل أول ما عُني بشرحه من كتاب الهروي هو منزلة ” البصيرة “، تاركًا جملة من الكتاب لم يشرحها.
  4. يتميز كتاب الهروي في بعض مواطنه بالعبارات الغامضة، وكان ابن القيم مدركًا لذلك فتجده يقول مثلا ” كلام فيه قلق، وتعقيد، وهو باللغز أشبه منه بالبيان “، ومع ذلك فقد شرح كثيرًا من عبارات الكتاب الغامضة.
  5. أولى ابن القيم النصوص المجملة من كتاب الهروي عناية خاصة؛ لما يعلم من تسلط بعض أهل الفلسفة والحلـول على هذه الجمَل وشرْحها بما يوافق مذهبهم.
  6. يمتاز أسلوب ابن القيم بالبسط والإطناب في شرحه لما يريد، وهذه عادة عند المؤلف في كتبه غالبًا.
  7. لم يكن دفاع ابن القيم عن الهروي ضد خصومه يعني الموافقة المطلقة له على آرائه، أو المتابعة الكاملة له، فقد وجد في آرائه ما تجب مخالفته فيه، ولكنه كان حريصًا على تقديره وتبجيله، من ذلك عندما علق على خطأ في كلام الهروي فقال ” شيخ الإسلام – أي: الهروي – حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك …. “، بل إنه في بعض الأحيان يرفض ما يذكره الهروي من أن هذه المنزلة من منازل السائرين إلى الله، أو أن هذه المنزلة من منازل العامة، كما فعل الهروي في منزلة ” التوبة “، و ” الإنصاف “، و ” الرجاء “، و ” الشكر “.
  8. أكثر ابن القيم في كتابه من ذكر شيخه ابن تيمية رحمه الله، مما جعل الكتاب مصدرًا مهمًا لمعرفة كثير من آراء الشيخ واختياراته العلمية، بل وسيرة حياته.
  9. وقد امتاز الكتاب – وهذه من أهم مزاياه – بكلام هذا الإمام فيما يتعلق بتهذيب النفوس وأعمال القلوب، وهو كلام من قد خالطت هذه المعاني الإيمانية سويداء قلبه، فقام بترجمتها في هذا المؤلَّف، وكان كلام ابن القيم في هذه الجوانب كلامًا عظيمًا قلَّ من يأتي بمثله فضلًا عن أفضل منه، خاصة وقد عرفنا أنه ألَّفه في أواخر حياته بعد أن رسخت قدمه في العلم.

خامسًا:

ملاحظات على كتاب ” مدارج السالكين “:

أ. من أوائل من ذكر مؤاخذات على كتاب ابن القيم: محقق أشهر طبعاته الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله بل إنه – رحمه الله – قد قسى على الإمام ابن القيم في بعض المواضع من طبعته للكتاب، وغالب ذلك يعود إلى كلام ابن القيم في مصطلحات التصوف والتعليق على كلام بعض المتصوفة التي ذكرها ابن القيم في كتابه، وقد رد على الفقي في تعليقاته على المدارج الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد في كتابه ” أضواء المسارج على جور التعليقات على المدارج “.

ب. وممن كتب ملاحظات جيدة ومعتدلة على كتاب المدارج الدكتور عبد الحميد مدكور في مقدمة تحقيقه للجزء الثاني من الكتاب ونذكرها هنا – بتصرف -.

  1. الوقوع في التكرار أحيانًا، ومن أمثلة ذلك حديثه عن الشوق وعلاقته باللقاء، وهل يزول الشوق عنده أو لا، وكذا المفاضلة بين التصوف والفقر، وكان من أهم ما وقع التكرار فيه: ما تحدث به عن ” الفناء “، وقد تكرر في حديثه عند شرحه لنصوص الهروي لأقسام الفناء ودرجاته، وقد كان من الممكن الاستغناء بإحدى المرتين عن الأخرى، لا سيما وقد استمر الحديث صفحات عديدة في كل منهما.
  2. وربما تحدث ابن القيم عن بعض المسائل بإيجاز أحيانًا لكنه يعود فيفصلها على نحو أوفى، ومن ذلك حديثه عن العلاقة بين العلم والمعرفة عند الصوفية، أو حديثه عن الجمع ومراتبه، وقد قال في المرة الثانية: ” وقد تقدم ذكر الجمع ولم يحصل به الشفاء ونحن – الآن – ذاكرون حقيقته وأقسامه، والصحيح منه والمعلول “.
  3. وقد يضطرب تقسيمه للشيء، فيجعله قسمين أحيانًا؛ ويجعله ثلاثة أقسام أحيانًا أخرى مع أن مناط التقسيم أو أساسه واحد، ومن ذلك أنه قسم الفراسة إلى قسمين: فراسة إيمانية، وفراسة تتعلق بالجوع والسهر والخلوة والرياضات، وقد عاد فقسمها هي نفسها إلى ثلاثة أقسام أضاف فيها إلى القسمين السابقين ما سماه الفراسة الْخِلْقية التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، وقد أورد الأقسام الثلاثة موجزة ثم شرحها.
  4. وقد يقسم الشيء إلى أقسام يبدأ في الحديث عنها فيتحدث عن بعضها، وينسى بعضها، ومن ذلك أنه ذكر أن آراء الناس في إثبات المحبة ونفيها أربعة أقسام، ولم يذكر من هذه الآراء إلا رأيين.
  5. وقد يقوم ابن القيم ببعض الإحصاءات ثم يتبين عدم الدقة فيها، ومن ذلك: أنه احتج على رفعة مقام التوكل بأن الله عز وجل قد أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم في أربعة مواضع، على حين أنها تسعة لا أربعة.

ومن ذلك: أنه قال – وهو في سياق بيانه لمعنى الفقر وحقيقته – عند الصوفية إن لفظ الفقر وقع في القرآن في ثلاثة مواضع، وهذا غير صحيح؛ لأن لفظ ” الفقر ” لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة في الآية ( 268 ) من سورة البقرة، ويلاحظ أنه أكد كلامه بذكر ثلاث من الآيات التي ورد فيها لفظ الفقراء لا الفقر، فإن كان مقصده الحديث عن لفظ الفقراء: فقد ورد اللفظ في القرآن سبع مرات لا ثلاثًا كما قال.

وأخيرًا:

ولئن وقع شيء من هذه الهنات في مثل هذا الكتاب الضخم الكبير: فإن ذلك لا يقلِّل من فضائله، ولا يضعف من مزاياه، ولقد سبق ابن القيم إلى الاعتذار عما يمكن أن يكون قد سبق به قلمه، أو انتهى إليه فهمه، فقال في أواخر كتابه: ” وما وجدتَ فيه من خطأ: فإن قائله لم يأل جهد الإصابة، ويأبى الله إلا أن ينفرد بالكمال … “.

انتهى مختصرًا من تقرير أعده موقع ” ثمرات المطابع “، ويمكن الاطلاع عليه كاملًا هنا:

http://ahlalhdeeth.com/vb/attachment.php?attachmentid=37993&d=1144058898

سادسًا:

شهادات بعض العلماء في الكتاب:

ونزيد هنا فنذكر بعض أقوال أهل العلم في كتاب ابن القيم ” مدارج السالكين “:

  1. سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل لكم ملحوظات على كتاب ” مدارج السالكين ” لابن القيم؟.

فأجاب:

ابن القيم رحمه الله أكبر من أن يكون لي وأمثالي ملاحظات عليه، وإن كان غير معصوم، لكن الكتاب – كما تعرف – هو شرح لـ ” منازل السائرين “، وأصل الكتاب المشروح فيه بعض الملاحظات، ففيه ما يومئ إلى شيء كبير في الدِّين، وإن كان ابن القيم رحمه الله اعتذر عنه، وبيَّن أنه بريء مما يتبادر من كلامه.

وما من إنسان إلا ويؤخذ من قوله ويُترك، وأنا ما قرأت الكتاب من أوله إلى آخره، لكن أقرأ بعض المواضع منه؛ لأن بعض المواضع لا يمكن أن تجدها في كتاب، وبعض الهفوات لا أحد يسلم منها.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 132 / السؤال رقم 9 ).

  1. وقال الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله -:

” مدارج السالكين ” كتاب مفيد في أدواء القلوب، ولا يسلم من ملاحظات يسيرة، لكنه كتاب نافع، علَّق عليه الشيخ ” حامد الفقي ” ، وشدد في العبارة أحيانًا على ابن القيم بكلام لا ينبغي أن يقال في جانبه.

المقصود: أن ابن القيم ليس بمعصوم، وحاول – رحمه الله – أن يقرب الكتاب الأصل المشروح ويدنيه لطلاب العلم ويتكلم على ما فيه من ملاحظات، ولم يسلم – رحمة الله عليه -.

والكتاب نفيس، والأشياء التي تلاحظ على الكتاب مغمورة في بحار ما فيه من علم جم.

طبعه الشيخ محمد رشيد رضا بمطبعة المنار، ثم طبعه الشيخ محمد حامد الفقي بمطبعة أنصار السنة المحمدية.

انتهى من موقع الشيخ.

http://www.khudheir.com/text/108

  1. وقال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

” مدارج السالكين ” من الكتب الكبيرة المهمة للعلامة شمس الدين بن القيم رحمه الله، شرَح به كتابًا مختصرًا لشيخ الإسلام الهروي اسمه ” منازل السائرين إلى الله “، وهي مراتب في المقامات والأحوال عند أهل التصوف، شيخ الإسلام الهروي كان حنبليًّا؛ ولكنه ربما تأثر بالطرق الصوفية وشارك القشيري والجويني وجماعة ومثل هؤلاء المقامات والأحوال والتعاريف لها.

هذا الكتاب الذي هو ” منازل السائرين ” اعتنى به الصوفية وحوَّلوه إلى أشياء من ” وحدة الوجود ” وأشياء تخالف هدي السلف، فأراد ابن القيم – وقد كان في فترة من حياته متأثرًا بالقوم بعض التأثر – أراد ابن القيم رحمه الله أن يكتب كتابًا سلفيًّا في السلوك، يهدي به المتصوفة، ويكون أيضا سبيلًا لأهل السنَّة للاطلاع على السلوك والسلفية …. ” منازل السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين “.

الكتاب في أكثره يمكن أن يُفهم ويوجَّه على منهج السلف، وفي بعضه أشياء لا توافِق منهج السلف ولا تربية السلف إلا على ضرب من التأويل يصعب، مثل الكلام على منزلة ” البرق “، ومنزلة ” الصعق “، ومنزلة كذا وكذا، ومثل الكلام على ” الفناء “، وأشباه ذلك مما لا يفهمه كل أحد، حتى إنه في أثنائه ذكر أشياء ربما اعترض عليها بعض العلماء، لكن ابن القيم له وجهته في ذلك ووجهته صحيحة، وأراد به هداية الطائفتين يعني الصوفية يهتدوا إلى منهج السلف، ويريد ممن يكونوا على منهاج السلف أن يكون عنده سلوك شرعي، يعني: عنده زهد، عنده عبادة، عنده رعاية لمقامات القلوب وأحوال القلوب والإيمان والعمل الصالح وما أمر الله جل وعلا به من منازل العبادة. ” مسائل في طلب العلم ” ( 4 / 15 ) – ترقيم الشاملة -.

ونوصي قارئ الكتاب بالحرص على نسخة محققة المتن والأحاديث، ونوصيه بالحرص على استماع شرح هذا الكتاب صوتيًّا من الشيخ محمد حسين يعقوب، وهو متوفر في كثير من المواقع الإلكترونية.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة