تشتكي من اختلاف مستوى الثقافة بينها وبين زوجها ومن بخله واغتيابه للناس

السؤال

أتمنى منكم الرد على سؤالي، فو الله ما كتبت لكم إلا ثقة بكم  برأيكم.

أنا متزوجة منذ سنتين تقريبًا، زوجي طيب معي، ولكن لا يكاد يمر يوم إلا وأنا في خلاف معه في أحد أمور حياتنا، نظرتي للحياة وحكمي على الأشياء تختلف تمام الاختلاف عن نظرته، فأنا – مثلًا – أحب القراءة والاطلاع ومشاهدة البرامج الحوارية والثقافية ومتابعة علماء ومثقفي الأمة، وأسعى لتطوير مهاراتي في مختلف المجالات، وهو عكسي تمامًا، عندما أحدثه في موضوع معين ألحظ عليه سطحية التفكير وضآلة المعلومات، حتى عندما نتابع برنامجاً معيَّناً يقوم بسؤالي عن كل شيء فأقوم أنا بتوضيح وتبسيط الفكرة له حتى تصل له المعلومة، وأيضا هو ماديٌّ جدًّا وبخيل خصوصًا على نفسه، فلا يهتم بمظهره وحاجاته الخاصة؛ وذلك حبًّا في جمع المال مع أن مرتبه عالٍ جدًّا، لا أجد موضوعًا أتكلم فيه معه، فهو لا يحب إلا مواضيع الغيبة والشتم في أعراض الناس ومراقبة أحوال الناس والاستهزاء بهم، كما أني ألاحظ عليه أنه ليس لديه أصدقاء.

وحتى تتضح الرؤية: فأنا أحاول جاهدة أن أقوم بواجباتي تجاهه من حيث تنظيف البيت وتجهيز الطعام، وأحاول أن أجهز له ملابسه قبل خروجه من البيت، مع أنه أحيانا يسرع بالخروج حتى لا يغير ملابسه! والتي عادة تكون غير لائقة – من ناحية النظافة – للخروج.

كلماتي مبعثرة في وصف الحالة التي أمر بها ولكني – والله – أشعر بحزن عميق، فكيف سنتفق – مثلًا – في تربية أولادنا والوصول بهم إلى التميز والتفوق وأبوهم لا يجيد إلا الاستهزاء بكل الناس، ولا أبالغ – والله – وأنا أقول ” كل الناس ” سواء كانوا جيِّدين أم لا.

أرجو أن ترشدوني لطريقة أستطيع فيها التعايش معه، علمًا بأننا لم نرزق بأطفال حتى الآن.

 

الجواب

الحمد لله

  1. من حكَم الزواج الجليلة أن يجد الرجل فيه السكن لزوجته، وأن تتحقق المودة والرحمة بينهما، ولذا ذكر الله تعالى هذا النكاح من آياته الدالة على قدرته وعظمته ورحمته وحكمته.

قال تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الروم/ 21.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وجعل خلق الأزواج التي تسكن إليها الرجال وإلقاء المودة والرحمة بينهم آيات لقوم يتفكرون؛ فإن سكون الرجل إلى امرأته وما يكون بينهما من المودة والتعاطف والتراحم: أمر باطن مشهود بعين الفكرة والبصيرة، فمتى نظر بهذه العين إلى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدر عنها ذلك: دلَّه فكرُه على أنه الإله الحق المبين الذي أقرَّت الفِطَر بربوبيته وإلاهيته وحكمته ورحمته. ” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 186 ).

ولذا فإنه من لا يكون في حياته الزوجية تلك الأمور: فعليه أن يصلح حال بيته لينعم بالحكم الجليلة في زواجه، فإن عجز عن إصلاحها فقد شرع الله الفراق، فلعله أن ينعم كل واحد منهما مع غير شريكه هذا بتلك النعَم الجليلة التي وهبها الله تعالى للمتزوجين.

  1. والناس ليسوا كلهم سواء في الثقافة والعلم والفهم وحسن التصرف، وهذا أمر مشاهد محسوس، وهو بين الأزواج موجود، فالأنبياء والمرسلون هم أعلم وأحكم وأتقى الناس في زمانهم وكان لهم زوجات دون ذلك بكثير، ولم يمنع هذا من إقامة تلك البيوت على المودة والرحمة، وقد نجح كثير من الرجال في هذا الأمر، فالغالب أنهم أعلى ثقافة وفهمًا من نسائهم ولم يكن هذا سببًا لتفرقهما وشتات أسرتهما، فعلى المرأة أن تستوعب هذا إذا ما كانت هي الأعلى ثقافة والأحكم والأفهم، وعليها أن تعلم أنها داخل بيتها مع زوجها وبين أولادها ليست في ندوة ثقافية! بل هي الأم الرحيمة، والزوجة الحنونة، وعندها من الأعمال الجليلة ما يستغرق وقتها كلها بل وتحتاج لأكثر مما هو موجود، ولا مانع أن يكون في بيتها أثر لما وهبها الله تعالى من علم وفهم وحسن تصرف، لكن عليها أن تتحلى بالصبر لتوصيل ذلك إلى من هو أقل منها من زوج وولد، وتتصف بالحكمة في اختيار الوقت المناسب والطريقة المناسبة لإيصال ذلك لمستحقه من غير تجريح ولا إهانة.

وأنت تلاحظين أن الزوج العسكري خارج المنزل لا يمكن أن يكون كذلك في بيته، والعالم صاحب الهيبة والحشمة لا ينجح إن كان كذلك مع زوجته وأولاده ولا نعلم عن أحدٍ – أصلًا – أنه كذلك، والمهم في هذا أنه لا ينبغي للزوجة التي تكون أعلم وأفهم وأحكم من زوجها أن تجعل بيتها مركزاً ثقافيًّا تديره! تحكم عليهم وتثيبهم وتعاقبهم، بل عليها أن تراعي مستوى أولئك – وخصوصا زوجها – فتوصل الفكرة أو المعلومة بحكمة وحنان.

  1. وتستطيع المرأة بحسن أسلوبها وحنكتها أن تعالج حبَّ زوجها للمال، وتعالج بخله، بجعله يقرأ كتبًا في الكرم وذم البخل والبخلاء، وأن يستمع للمواد السمعية في المواضيع تلك، ولا بدَّ من مواجهته باستمرار بوجوب النفقة على بيته وأهله، وبوجوب إظهار نعمة الله عليه، وإذا ما طُلب من الزوج أن يهتم بشئون لباسه أو النفقة على بيته أن يُطلب منه ذلك برفق ولين دون عنف وقسوة.

وليُعلم أن الزوج البخيل ليس يقع في الإثم إلا أن يبخل في النفقة الواجبة على زوجته وأولاده من طعام وكسوة، وأما ما زاد على ذلك من الكماليات: فليس للزوجة أن تطالبه بها على وجه الحق اللازم، والذي يظهر لنا من سؤال الأخت أن زوجها ليس مقصِّرًا في نفقته الواجبة عليها، فتبقى مطالبته بما هو فوق ذلك ينبغي أن يكون بتلطف ودون إلزام.

  1. ومثله يقال فيما تعانين منه – وحُقَّ لك – من غيبته للناس واستهزائهم به، فهي وإن كانت ليست كالبخل – حيث هي من الكبائر والبخل خلق ذميم ليس معصية في الأصل – لكن هذا لا يعني تركه يفعل ذلك دون نصح ووعظ، فيُذكر له حكم الشرع فيما يفعل، ولا يعان على فعل تلك المعاصي بالاستماع له ومشاركته في الجلوس معه، ولعلَّ الله تعالى أن يجعل نصحك له ووعظك إياه سببًا لترك معاصيه.
  2. اعلمي أنه يمكنك القضاء على كل مشكلات زوجك بتحبيبه بالعلم الشرعي، فحبذا لو يوضع له على القنوات التي تُعنى بالعلم ومسائل الشرع ليرى مدى حاجته للعلم، وعليك إعانته على توفير السبل الملائمة لكي يحبَّ العلم وأهله ؛ بربطه بأناس من أصدقائكم وأقربائكم ممن يعرف عنهم حب العلم، وتكوين علاقة معهم، وإننا لنحسن الظن بربنا تعالى أن يكون في ذلك الحل لجميع ما تعانين منه، فبطلبه للعلم الشرعي تزداد ثقافته ويُقوَّم لسانه ويقوى فهمه، وبطلبه للعلم سيعرف سوء البخل وذم الشرع له ولأهله فيتركه، وبطلبه للعلم سينشغل به عن الكلام على الناس والسخرية بهم والاستهزاء بأفعالهم، فلتجعلي هذا الأمر هو الشغل الشاغل لك، واستثمري ثقافتك وذكاءك في علاج زوجك من كل ما يفعله ويتخلق به مما تعانين منه: بحثِّه على طلب العلم، واشتركي معه في الطلب، واجعلي من بيتك واحة علم وذِكر لله، ونحن على ثقة بأن هذا الأمر سيغيِّر حياتكم للأفضل.

6 وأخيرًا: نحن نذْكر للناس ما يُصلحون به أوضاعَهم وأفعالَهم الخطأ، ولا نلجأ إلى النصح بالفراق من أول الأمر؛ لما نعرفه من انتفاع كثيرين بمثل تلك التوجيهات والنصائح في تغيير أسلوب إنكارهم على المخطئ وفي إنصاف خصمهم إن كان عنده ما يُصفه لأجله، وهكذا نقول لك: اصبري وتحملي ما ترينه من زوجك مما تستطيعين الصبر عليه وتحمله، وابذلي وسعك في الوعظ والإرشاد، وإذا رأيت الطرق مغلقة أمامك في الإصلاح وأنه لا يستجيب لتغيير ما هو عليه من أخلاق وفعل للمعاصي: فليس لنا أن نقول لك أن تبقي معه على ما هو عليه مما لا تستطيعين تحمله، ولذا شرع الله تعالى الفراق بين الزوجين، فلعلَّ الله أن يرزقك خيرًا منه، وأن يكون الطلاق سببًا في تغيير سلوكه للأفضل والأكمل.

ولسنا ندعوك للفراق من أجل اختلاف المستوى الثقافي بينكما، ولا من أجل عدم اهتمامه بنفسه أو بخله؛ فإن ذلك يُحتمل ويُصبر عليه، وإنما نقصد ما يفعله من معاصٍ ومنكرات.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة